القتل مرة واحدة والدفن مرتين

 

التصنيف : الجريمة (:::)
بقلم :  شوقيه عروق منصور – فلسطين المحتلة (:::)
أعجبني إصرار الأب الثاكل الذي رفض لغة الواقع المرتجف الذي يسطّر فوق الجدران والسماء وتراب الأرض حروف الصمت والاستسلام، فقد أصر هذا الوالد أن يعرف العالم لغة القتل المطرز بالرصد الدقيق والملاحقة.. أراد ألآب أن يخبر العالم أن ابنه قتل غدراً دون ذنب، وان رواية الجيش الإسرائيلي رواية مختلقة وكاذبة.
الأب الثاكل يعرف انه يحرث في بحر ويناطح الصخور بقرون من طين، وان غيره كان أكثر قدرة على فرش الدماء والدموع والصراخ والاتهام. وكانت النتيجة تراكم الملفات التي تحتوي على الشهادات الصادقة والصور المؤلمة في سراديب الإهمال وعدم الاهتمام، دون أن تجد من يثأر لها أو يسأل عنها أو يحاول التخفيف عن أصحابها وأولادهم وزوجاتهم وأمهاتهم.
الأب لم يستسلم لاستخفاف بندقية الجندي الذي جاء لإخماد المظاهرة في قرية بيتونيا، غربي رام الله، والتي اصطادت ابنه وحوّلته إلى جثة هامدة بعد أن كان شاباً مملوءاً بالحيوية والنشاط والنجاح والأمل. امسك بلعبة شد الحبل بين الجيش الإسرائيلي ووجعه وفجيعته، ووقف على نقطة الاتهام التي انطلق منها. كان يريد أن يثبت أن ابنه قتل غدراً ولم يشترك بالمظاهرة، خاصة بعد أن رأى شريط الفيديو الذي يثبت أن ابنه نديم نواره كان بعيداً عن المظاهرة وقد اخترقت الرصاصة الحقيبة المدرسية التي كانت فوق ظهره. مع العلم أن الرجل، الذي صوّر شريط الفيديو، ملاحق من قبل الجيش الإسرائيلي. وقد تحولت حياته وحياة أسرته إلى جحيم، فكل يوم تفتيش وحجز واستجواب في الشرطة، لأنه فضحهم فهم يعتبرون الشريط أداة اتهام رغم أنهم حاولوا بثّ الإشاعات والقول إن الشريط مزيف..!
اختلفت رواية الأب المفجوع ورواية الجيش حول نوع الرصاص هل هو حي أم مطاطي. الجيش ينكر تهمة القتل المتعمد ويتمسك بمقولة انه الأكثر نقاء وبياضاً رغم أن هناك من يريد تلويثه. لقد استطاع الأب إسماع صوته في الخارج، وكان القرار إخراج الجثة وتشريحها بحضور أطباء اختصاصيين أجانب لمعرفة حقيقة القتل.
من الصعب أن تمر قضية إخراج جثة الشاب الشهيد نديم نوارة دون أن تثير المشاعر المؤلمة في الروح والنفس. أول عبارة وقفت على لساني: “الله يساعد امه”، وبعيداً عن الموت الذي استقر فوق ملامح الشاب الذي رحل لكن رحيله يأبى الاستقرار في سكينته وصمته قبل أن تظهر النتائج، قريباً من الجثة التي سلبت روحها وتنتظر ظهور الحقيقة، تم دفن الجثة مرة أخرى بمراسيم مستعجلة بعد أن تم تشريحها. لكن هل نتوقع الحقيقة..؟! وإذا جاءت الحقيقة عارية تشير بأصابعها وأظافرها على الجيش الإسرائيلي فكيف سيكون الرد؟! وهل سيتم إغلاق الملف بكلمة اعتذار وأسف سرعان ما تذوب قبل بزوغ الفجر؟!
إذا كان الشاب نديم ينتظر عدالة الحق الغائب، فهناك في طريق الموت أسرى فلسطينيون في السجون الإسرائيلية يواصلون الإضراب عن الطعام، الإضراب الذي تحول إلى وسيلة ينتزعون بواسطته حقوقهم البسيطة، الحياتية والإنسانية، في صمت الغابات المتوحشة، بعد أن خيّب الجميع أملهم وأسقطهم في آبار النسيان، كأنهم ليسوا من مسيرة الكفاح والنضال. وبدلاً من إيجاد الحلول لقضية اضرب الأسرى الفلسطينيين القابعين في السجون والزنازين، تقوم إسرائيل “الحنونة” بإقرار قانون إطعام الأسرى بالقوة. لكنه يصطدم بقرار الأطباء الذين صرّحوا بأنهم لن يطعموهم بالقوة.
بين جثة نديم والأسرى المضربين عن الطعام خيوط كثيرة، أكبرها خيط الموت القابع في الزاوية ينتظر قنص اللحظة، كأن الموت يقول لهم: لن ينجو أحد..!!
ولا اعرف كيف كانت صلاة السلام التي قام بها بابا الفاتيكان فرنسيس بصحبة الرئيس شمعون بيرس والرئيس محمود عباس، وهل التفت البابا فرنسيس للرئيس بيرس جيداً وهمس له أثناء الصلاة وقال له: “فيك الخصام وأنت الخصم والحكم”..؟! وهل همس الرئيس أبو مازن في أذن الرئيس بيرس بكلمة حول الأسرى الذي اشرفوا على الموت نتيجة الإضراب عن الطعام..؟! إذا لم يكن الهمس من هنا ومن هنا، فهل نرى على الأقل بعض النتائج الملموسة؟! ولماذا إذن كل هذه البهرجة الإعلامية وإشغال العالم بصلاة السلام؟! فليقموا الصلاة ولكن بدون التسلق على أكتاف السلام والتغني بالسلام، الذي أصبح مثل المتشرد الذي لا يجد المأوى. فالبابا نفسه يعرف أن السلام بدون نوايا صادقة يكون خداعاً، وللأسف كان يجلس مع ملك المخادعين، بيرس… !!
 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة