التلاقح الثقافي في رواية الخيميائي

التصنيف : اصدارات ونقد (:::)
بقلم حمزة شباب – الأردن (:::)
يعرف التلاقح الثقافي ( التثاقف ) بأنه عملية اتخاذ بعض السمات الثقافية و الأنماط الاجتماعية السائدة في مجتمع ما و زرعها في ثقافة أخرى عادة ما تكون مختلفة بعض الشيء عن سابقتها ، مما يحدث تغيراً مرغوباً ينعكس على الثقافة في هذا المجتمع ولا سيما على أدبه مما يدعو إلى التجديد فيه ، فمفهوم التلاقح يعطي بعداً إيجابياً يفيد منه المجتمعات ، و يؤدي إلى نقل التجارب الشخصية للتعريف بالقيم و الاتجاهات التي خضعت لها الشخصية في مجتمعها الخاص بها و إضافتها إلى معجم المتلقين للإفادة منها ، و قد جاء هذا المفهوم ليلغي بعض المفاهيم السلبية التي ظهرت في عصرنا و التي تعنى في مجملها بإزاحة الحدود و الحواجز بين الدول مما يحدث نوعاً من التحكم و السيطرة للدولة القوية على حساب الضعيفة تبدأ ببعدها السياسي و الاقتصادي و تنتهي بالجوانب الاجتماعية و الثقافية كما هو معروف بالعولمة على اختلاف أنواعها ، فمجيء مثل هذه المفاهيم أعطت دافعاً إيجابياً لدى بعض الأفراد في الدول النامية لإبراز ثقافتهم من خلال النوع الأدبي الذي اشتهروا به مع الإطلاع على ثقافات أخرى تسهم في إنجاح العمل الأدبي و تكشف عن سعة إطلاع الأديب ، و يشبه التلاقح الثقافي بعملية إخصاب الزهرة لإنتاج البذور ، فهي بذلك سمة حضارية تكسب الأديب تنوعاً في وسائل إنتاجه ، و تحثه على إنتاج قدر كبير من الآداب المتحققة بسعة إطلاعه و قراءاته الثقافية دون المساس بهويته أو أبعاد مجتمعه الذي ينتمي إليه .

( الثقافة العربية منحتني رؤية أخرى للعالم ) ، عبارة رددها الروائي البرازيلي ( باولو كويلو ) ، و لعل اختلاف شخصيته و تميزها منذ صغره كان سبباً لإدخاله المصحة العقلية أكثر من مرة ، و قد قلب نعته بالجنون ليصبح مطيته للحرية في فضاء ملبد بالاتجاهات الأدبية المختلفة ، فأضاء في ثقافته أضواء واسعة من عملية تلاقح الأفكار ليعترف بالبهاء الذي يشعر به تجاه المغرب العربي بإرثه الحضاري ، مستمداً سحر كتاباته من ألف ليلة و ليلة بنسختها العربية ، و يعترف ( كويللو ) بذلك صراحة حينما انجذب وراء الأسلوب السردي العربي الذي يترك مساحات فارغة ليمكن القارئ من ملئها بخياله ، غير أن ولعه بالصحراء و سفره إلى بلاد المغرب ألهمه لكتابة واحدة من روائع الأدب العالمي هي روايته ( الخيميائي ) .

يسعى ( سانتياغو ) الشاب الإسباني في رحلة يكتنفها الغموض باحثاً عن كنز مدفون في أهرامات مصر تحقيقاً لحلمه الذي تكرر مراراً ، و لا ينسى ( كويلو ) إدخال العنصر النسائي في رائعته ، فيلتقي الشاب الإسباني بفتاة مغربية لتصبح ملهمته في تحقيق حلمه ، فتتداخله الصراعات بين البقاء إلى جانبها أو المضي قدماً لتحقيق حلمه ، فينتهي بالجمع بينهما بأن يحقق حلمه بانتظار فتاته الصحراوية ، ليكتشف أكسير الحياة صارخاً : ” ها أنذا يا فاطمة ، إنني قادم ” .

تتجلى حقيقة التثاقف عند ( باولو كويلو ) في اختيار الشخوص ، حيث العلاقة الغرامية التي تجمع شاباً إسبانياً من فتاة ببلاد المغرب العربي ، ثم تنتقل إلى البيئة المكانية و التي يبرزها بوضوح في وجود الكنز في أهرامات مصر ، و يظهر نزعته لتلاقح الثقافة من خلال سفر ( سانتياغو ) باحثاً عن الكنز في ثقافة أخرى مختلفة تماماً عن ثقافته ، و في رحلته التي يلفها الغموض تعترض طريقه بعض الصراعات الإنسانية في داخله ، ليجد نفسه في بيئة غريبة يحاول الارتباط بأشخاص كي يستقر ، و استقراره هذا يصعب عليه مهمته التي خرج من أجلها ، فيختار الترحال باحثاً عن السر الخفي الذي خرج من أجله ، فيطلق العنان لعالمه وراء السر العظيم ، و يضفي الكاتب على النص صبغة دينية مقدسية و هي أساس السر الذي أخرج ( سانتياغو ) من عالمه الضيق في رحلته عن أفق أوسع بالنسبة له و هي أسطورته الشخصية التي أخبره بها ملك المدينة المقدسة مشيراً إلى القدس ذلك الحلم العربي ، بالإضافة إلى أن الرواية لم تحمل اسم بطلها بل حملت اسم الخيميائي و هو الرجل الذي التقاه ( سانتياغو ) في رحلته و هو رجل عربي مسلم نهل منه البطل الحكمة و العلم في سبيل تحقيق مراده ، و استطاع الكاتب أن يحقق مفهوم تلاقح الثقافة من خلال شخصية ( سانتياغو ) ، فاختار له اسماً غربياً ، يعيش في بيئة غربية ، لكنه يمتهن مهنة اشتهر بها الشرق أكثر من غيرهم ألا و هي رعي الغنم ، ثم شق له طريق الرحالة ليتعرف إلى تلك الثقافة التي قد تكسبه صفة الخلود و هو يبحث عن كنزه المدفون .

أبدع الكاتب البرازيلي باولو كويلو في رسم ملامح المجتمع الشرقي من خلال وصفه للبيئة المكانية التي جرت في ساحاتها الرواية ، و بتصوير الشخصية الإسلامية في جوانبها و أبعادها ، و قد وضع لكنزه مكاناً شرقياً ، و عكس صورة طيبة في شخوص القصة المتمثلة بالخيميائي و فاطمة و ما صاحب ذلك من إلهام و حكمة و بوفاء للوعد و الانتظار ، لقد حقق الكاتب صيتاً ذائعاً لسحر الشرق الذي رآه بعينيه ، فسرح بخياله برهة ليصدر رواية من روائع الأدب العالمي في نشر ثقافة الشرق .

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة