معاهدة وادي عربة وتداعياتها 1\3

 

التصنيف : دراسات (:::)
د. غازي حسين – فلسطين المحتلة (:::)
انطلاقاً من إيمان الأمة العربية بأن إقامة «إسرائيل» عمل غير شرعي وأنها ظاهرة استعمارية وتجسِّد الاستعمار الاستيطاني رفضت الدول العربية وبحق الاعتراف بها.
نتج تأسيس «إسرائيل» كدولة لجميع اليهود في العالم عن مجموعة من الأعمال غير الشرعية بدءاً من عدم شرعية وعد بلفورونظام الانتداب وقرار التقسيم وانتهاكه ، ومروراً بالحرب العدوانية التي أشعلتها العصابات الإرهابية اليهودية المسلحة، وترحيل الشعب العربي الفلسطيني من وطنه، وتدمير مدنه وقراه، وارتكاب مجازر جماعية بحقه وانتهاك حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وحتى الحروب العدوانية التي أشعلتها في أعوام 1956، 1967، 1978، 1982، 1993، 1996، 2006 وحتى الهولوكوست على غزة في نهاية 2008. واقترن تأسيسها ووجودها وممارساتها بانتهاكات صارخة لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وكافة العهود والمواثيق الدولية واتفاقيات جنيف لعام 1949 وبأعمال عنف وحروب عدوانية ومجازر جماعية واغتيالات واعتداءات يومية وجرائم حرب وجرائم ضد السلام والإنسانية.
فالحروب العدوانية التي أشعلتها والمجازرالجماعية التي ارتكبتها والمستعمرات اليهودية التي أقامتها واتخاذها من القدس العربية بشطريها المحتلين الشرقي والغربي عاصمتها الموحدة والأبدية أنهت أي إمكانية للاعتراف بها والتعايش معها دفاعاً عن الأرض والثروات والمقدسات والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
إن توقيع أي معاهدة مع دولة معتدية كإسرائيل التي احتلت الشطرالشرقي من القدس في السابع من حزيران 1967 العاصمة الثانية للمملكة الأردنية، وفي ظل التمسك باحتلال الأراضي العربية واستخدام القوة والتهديد باستخدامها باستمرار يجعل المعاهدات التي توقعها الدول العربية مع «إسرائيل» باطلة ولاغية وغير شرعية وغير ملزمة للشعب والأمة والحكومات الوطنية لأنها معاهدات إملاء وقعت تحت ضغط وابتزاز الاحتلال لشرعنته وتنظيمه وتثبيته لتصفية قضية فلسطين وتهويدها وتحقيق المشروع الصهيوني على أنقاض المشروع العربي وإقامة «إسرائيل العظمى» الاقتصادية من خلال مشروع الشرق الأوسط الجديد.
توقيع المعاهدة
وقّع الملك حسين والجنرال رابين في (25) تموز1994 إعلان المبادئ الأردني ـ الإسرائيلي في واشنطن، ووقّع البلدان في (26) تشرين الأول 1994 المعاهدة الأردنية ـ الإسرائيلية في وادي عربة بحضور الرئيس الأميركي كلنتون، والملك حسين، والرئيس الإسرائيلي عازار وايزمان، والجنرال رابين وخمسة آلاف مدعو من بينهم وزراء خارجية عرب وأجانب.
ووقعها عن الجانب الأردني، رئيس الوزراء عبد السلام المجالي، وعن الجانب الإسرائيلي، رئيس الوزراء اسحق رابين، وعن الجانب الأميركي، وزيرالخارجية وارن كرستوفر، وعن الجانب الروسي وزير الخارجية أندريه كوزيريف.
وعزفت فرقة القوات الأردنية الموسيقية «النشيد الإسرائيلي»، كما عزفت فرقة الجيش الإسرائيلي السلام الملكي الأردني، واشتركت الفرقتان في عزف السلام الوطني الأميركي، وافتتح الاحتفال بتلاوة آيات من القرآن الكريم ومقطع من التوراة، وتبادل قادة الأسلحة الأردنيون والإسرائيليون الهدايا التذكارية.
وألقى الرئيس الأميركي كلينتون كلمة أشاد فيها بالملك حسين والجنرال رابين وقال: «إن الملك حسين أوفى بعهد جده في السعي بشجاعة من أجل السلام»، ووجه حديثه إلى الجنرال رابين قائلاً «أمضيت عمرك وأنت تقاتل بمهارة وشدة وشجاعة والآن تقود جيش السلام وتحرزأعظم الانتصارات» ، وشدد الرئيس الأميركي على أن القوى المتطرفة (أي القوى العربية الوطنية الرافضة لاغتصاب الأرض والحقوق والثروات وهيمنة إسرائيل) لن تتمكن من القضاء على عملية السلام، مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تسمح بذلك.
وأكد الملك حسين في كلمته على أن السلام مع إسرائيل هو سلام كرامة والتزام وليس مجرد ورقة، وأن المعاهدة بكل ما فيها تحظى بدعمه وتأييده وبدعم السواد الأعظم من الشعب الأردني وقال عن وادي عربة:
«سيصبح هذا الوادي العظيم الذي نقف فيه وادي السلام عندما نلتقي لنبنيه ونجعله يزدهركما لم يحصل من قبل».
وقال الجنرال رابين: «أن إسرائيل والأردن سيتعاونان لجعل الزهور تنبت في الصحراء ويمكنني أن أؤكد لكم أننا سنكون مَنْ سيحول هذا المكان القاحل إلى واحة خصبة»، وأعرب شمعون بيريس عن الأمل في «أن يعم السلام والازدهار كل منطقة الشرق الأوسط وتنضم كل الدول في المنطقة إلى نادي السلام».
ووافقت الكنيست على المعاهدة بغالبية (105) أصوات في حين عارضها ثلاثة نواب وامتنع ستة آخرون عن التصويت، وحضر الاجتماع (114) نائباً من أصل الـ (120)، وكان السفاح ومجرم الحرب شارون من الممتنعين عن التصويت احتجاجاً على الفقرة التي تعترف بدور تاريخي للأردن في إدارة الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس.
ووافق مجلس الأمة الأردني على المعاهدة وصدر قانون تصديقها رقم (14) في الجريدة الرسمية العدد (4001) بتاريخ 10/11/1994.
قراءة في نصوص المعاهدة:
تنص المادة (26) من قانون تصديق معاهدة وادي عربة على ما يلي:
«يتعهد الطرفان خلال ثلاثة أشهر من تبادل وثائق التصديق على هذه المعاهدة بتبني التشريعات الضرورية لتنفيذ هذه المعاهدة وإلغاء أي تشريعات تتناقض مع هذه المعاهدة» ، وبالتالي تجعل معاهدة وادي عربة علاقات الأردن مع «إسرائيل» أهم من علاقاته مع الدول العربية الشقيقة، مما يؤثرتأثيراً سلبياً على علاقات الأردن العربية ودوره العربي والإسلامي ويشل تأثيره في الوطن العربي، وبموجب المعاهدة انفرد الأردن في التفاوض والصلح والتطبيع مع العدو التاريخي للعروبة والإسلام وانتهاك المواثيق والمعاهدات العربية وأضعف الموقف العربي الموحد، وعزز الوجود الإسرائيلي وأخل بالتزاماته القومية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك بتفضيل نصوص المعاهدة على المعاهدات والمواثيق العربية الثنائية والجماعية بما فيها اتفاقية الوحدة الاقتصادية وأحكام المقاطعة العربية.
تتضمن المعاهدة مقدمة وثلاثين مادة وخمسة ملاحق وتتناول قضايا الحدود والأراضي والمياه والأمن والمقدسات والبيئة والجريمة والمخدرات، وعبرت عن الاستجابة لمساعي إسرائيل بالاستفراد في كل طرف عربي على حده للحصول على أكبر التنازلات العربية والمكاسب والامتيازات.
يعترف الأردن في المادة الثانية من المعاهدة بسيادة «إسرائيل» وسلامتها الإقليمية ضمن حدود آمنة ومعترف بها.
وتنص المادة الثالثة حول الحدود الدولية ما يلي: «تحدد الحدود الدولية بين الأردن «وإسرائيل» على أساس تعريف الحدود زمن الانتداب البريطاني»، وبالتالي تشكل هذه المادة اعترافاً من الحكومة الأردنية بأن «إسرائيل» هي وريثة فلسطين العربية بحدودها إبان الانتداب البريطاني.
وتتضمن المادة الثالثة في البندين الثامن والتاسع مبدأ تأجير الأراضي الأردنية لليهود، أي استمرار بقاء المستعمرات والمزارع اليهودية فوق الأراضي الأردنية مع الاعتراف اللفظي والشكلي بالسيادة الأردنية عليها.
وأكدت الصحف الإسرائيلية أن التلال الاستراتيجية في وادي عربة قد ضمت إلى «إسرائيل»، وكذلك المستوطنات (المستعمرات) ومزارعها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من «إسرائيل» .
وتلقى الأردن مقابل الأراضي الأردنية التي ضمت أو أجِّرتْ مجاناً لإسرائيل ، وهي التلال الاستراتيجية والأراضي الخصبة التي أقيمت عليها المستعمرات والمزارع اليهودية أرضاً صحراوية قاحلة من أراضي فلسطين العربية.
وتعهد الأردن في الملاحق المرفقة بألا يطبِّق تشريعاته الجمركية على المتصرفين بالأرض أو ضيوفهم أو مستخدميهم وبدخول رجال الشرطة الإسرائيلية بلباسهم الرسمي وأسلحتهم إلى الأراضي الأردنية المؤجرة وعدم تطبيق قوانينه الجنائية في المنطقة.
إن نظرية تأجير أجزاء من الأراضي الأردنية التي احتلتها «إسرائيل» في الفترة الواقعة ما بين 1968 و1971 ولم يسمع الشعب الأردني عن احتلالها إلاّ خلال توقيع وادي عربة عام 1994 تعيد إلى الأذهان فترة الحروب والدول الاستعمارية التي كانت تفرض فيها الدول المنتصرة على الدول المهزومة التنازل عن السيادة على أجزاء من أراضيها باسم التأجير لفترة طويلة من الزمن.
وبالتالي «تؤكد المادة الثالثة من معاهدة وادي عربة أن الأردن لم يسترد أراضيه المحتلة كاملة وإنما استرد بعضها، كما أن «إسرائيل» صاحبة اليد العليا في المنافع التي ستعود عليها نتيجة لاحتفاظها ببعض المناطق الاستراتيجية الأردنية (الغنية بالينابيع المائية) .
ويعني القبول الأردني لهذه المادة تراجعاً عن مبدأ «الأرض مقابل السلام» ومرجعية مدريد وقرارات الشرعية الدولية، ونجاحاً إسرائيلياً بانتزاع سابقة من حكومة عربية رفض حتى السادات الموافقة عليها، وهي ضم أو تأجير شبر واحد من الأرض المصرية لإسرائيل في مستوطنة ياميت أو في طابا، مما يؤكد أن ما توصل إليه الأردن أسوأ بكثير مما توصل إليه السادات، حيث حرم الأردن من تطبيق قوانينه على جزء من أراضيه ووافق على تعهدات تنتقص من سيادته عليها لصالح «إسرائيل» والمستعمرين اليهود في الأراضي الأردنية.
وتتناول المادة الرابعة من المعاهدة موضوع «الأمن» وتعمل على توفير الأمن الإسرائيلي وإقامة شراكة أمنية إقليمية وتكريس مفهوم بيرس لنظام الأمن الإقليمي، ويتعهد الطرفان بمقتضاها الامتناع عن تنظيم الأعمال والتهديدات العدائية أو المعادية أو ذات الطبيعة التخريبية أو العنيفة وعن التحريض عليها أو المشاركة فيها.
ويندرج تحت هذه المادة كل نشاط سياسي وإعلامي، أي كل شكل من أشكال الكفاح والنضال العسكري والسياسي ضد «إسرائيل».
وهنا يتبادر لذهن المواطن العربي السؤال التالي: لماذا يوافق الأردن على التعاون في مجال الأمن مع إسرائيل وهل تتفق مصالح الشعب الأردني والأمة العربية في التعاون الأمني بين البلدين؟ وبشكل خاص ضد المقاومة الفلسطينية.
إن التعهدات الواردة في بنود المادة الرابعة من معاهدة وادي عربة تجعل الأردن يتولى حماية أمن حدود الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة، بينما تسرح «إسرائيل» وتمرح في الضفة والقطاع والجولان وجنوب لبنان وتضع حجر الأساس لنظام الأمن الإقليمي، وتشكل إلغاءً عملياً لاتفاقية الدفاع العربي المشترك، وتحول دون تحقيق تعاون أو تنسيق عسكري عربي مع الأردن في المستقبل، وبالتالي مقدمة لإقامة نظام الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط على حساب نظام الأمن القومي العربي وبقيادة العدو الصهيوني.
وتقيد بنود هذه المادة «حرية السياسة الأمنية والدفاعية الأردنية وتخضعها لمبدأ التعاون مع إسرائيل في مجال الأمن..، كما سيجد الأردن نفسه ملزماً باتخاذ الإجراءات الضرورية والفعالة للتأكد من أن الأعمال أو التهديدات بالعداء والمعاداة أو التخريب أو العنف لا ترتكب من أراضيه» .
وانطلاقاً من بنود هذه المادة توجه مجرم الحرب الجنرال باراك، وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق قبل انعقاد قمة شرم الشيخ الأمنية إلى عمان لتنسيق المواقف خلال انعقاد القمة ولإقامة نظام الأمن الإقليمي.
وقام الأردن في مؤتمر القمة العربي في القاهرة عام 1996بدور خدم الإرهابي نتن ياهو بحجة التريث والانتظار حتى تتشكل حكومته الجديدة، وحاول تسويقه فيما بعد والترويج له وبرغبته للسلام مع الدول العربية.
وتتضمن المواد 1و2 و5  إقامة السلام الدائم وحسن الجواروالعلاقات الدبلوماسية والقنصلية الكاملة وبما يشمل العلاقات الاقتصادية والثقافية.
وتقرر المادة السادسة من الاتفاقية المتعلقة بموضوع المياه الحيوي للأردن ومواطنيه إذعان الأردن لانتقاص حقوقه الكاملة من المياه واعترافه بهيمنة إسرائيل على حقوقه المائية في نهري اليرموك والأردن كحق قانوني لإسرائيل.
وكان المشروع الأميركي لاستغلال مياه الأردن عام 1954 قد أعطى الأردن 150 مليون م3 من النهرين العربيين اليرموك والأردن، ولكن انطلاقاً من مرجعية المفاوضات والحل الوسط.. رضخ الأردن ووافق على قبول (50) مليون م3 وتخزن في مياه بحيرة طبرية الملوثة، لقاء مياه الينابيع العذبة والنقية في المنطقة التي احتفظت بها إسرائيل في وادي عربة وحصة الأردن من مياه نهراليرموك النقية القادمة من سورية.
وتعالج المادة السابعة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث يتضمن البند الأول منها تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين وضمن إطار الاقتصاد الإقليمي، ويتعهد الأردن في البند الثاني من نفس المادة بالعمل على إلغاء المقاطعة العربية، وتتضمن الفقرة (ب) من نفس البند المخطط الإسرائيلي للهيمنة على الاقتصاد الأردني عن طريق التجارة والمناطق الحرة والاستثمار والأعمال المصرفية والتعاون الصناعي والعمالة الأردنية الرخيصة، وقيام الأردن بترويج البضائع الإسرائيلية في البلدان العربية.
المصــادر:
1 ـ جريدة المجد الأردنية في 7/8/2000 .
2 ـ المصدر السابق نفسه.
3 ـ الحياة اللندنية في 27/4/1994.
4 ـ مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 20، بيروت 1994، ص99.
5 ـ المجد الأردنية في 21/8/2000.
6 ـ مجلة الحرية، دمشق في 30/10/1994، ص10.
7 ـ المحامي حسين مجلي، المجد في 7/8/2000 .
8 ـ د. جمال الخطيب، المجد في 14/11/1994.
9 ـ مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 20، بيروت 1994، ص108 ـ 109.
10 ـ انظر: نصوص معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل المادة 13 الفقرات:
2 و3 و4.
11 ـ المهندس سفيان التل، جريدة العرب اليوم في 13/8/2009.
12 ـ العرب اللندنية في 7/7/2009، ص6.
13 ـ المصدرالسابق نفسه.
14 ـ المصدرالسابق نفسه.
15 ـ المحامي حسين مجلي، المجد الأردنية في 7/8/2000 .
16 ـ السفيرفي 26/10/2009 .

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة