Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Reddit

ثقافة المقاومة: تفاؤل، إبداع، وفعل

 

التصنيف : فضاءات عربية (:::)
رشاد أبو شاور – الاردن (:::)
(( نص مداخلة الكاتب في الملتقى الذي عقد بدعوة من اللجنة الثقافية في الجامعة اللبنانية، وجمعية نساء من أجل القدس، والذي توزعت أعماله في قاعة اليونسكو، وفي فرع الجامعة في البقاع، على مدى الأيام 19 و20 و21 ، لتختتم الأيام بأمسية رائعة في مخيم برج البراجنة، حيث التقينا أنا وصديقي الشاعر خالد أبوخالد مساء يوم 22 بحشد من أهالي المخيم، وبحضور عدد من الأساتذة الجامعيين اللبنانيين، والمثقفين الفلسطينيين.))
*****
الحضور الكرام: أحييكم جميعا
اسمحوا لي أن أشكر (جمعية نساء من أجل القدس) و( الملتقى الثقافي الجامعي) على التكرم بدعوتي لحضور هذا المؤتمر الهام والضروري، والذي يأتي في وقته، لا كحدث آني، أو رد فعل، ولكن كفعل، انطلاقا من رؤية إستراتيجية تنطلق من الراهن لتقرأ المستقبل، وتضع العلامات على الطريق، وهذا ما عبّرت عنه، وتضمنته الدعوة، والبرنامج، وحددته أهداف المؤتمر، ومحاوره.
المقاوم بطبيعته متفائل، لأنه مع الحياة، ولأنه ينخرط في الفعل بوعي، وإرادة، وبثقة، وبرهان رابح حتما على المستقبل.
لقد آمنت دائما بأن أهم وأنبل وأكرم صفة تميّز الإنسان عن الحيوان هي المقاومة، فبالمقاومة يحقق الإنسان إنسانيته، وبالمقاومة يعيش بكبرياء، ويخوض المعارك الصعبة، وبالمقاومة يعبّرعن ثقته بالناس والحياة، وحتمية هزيمة الظلم.
عندما رمينا في مخيم ( الدهيشة) القريب من مدينة بيت لحم العريقة، بعد تهجيرنا من قرانا، شاهدت أول فعل مقاوم في حياتي، وكنت طفلاً.
خرج سكان المخيم من تحت الخيام نساء ورجالاً، وقطعوا الإسفلت الذي يصل بين بيت لحم والخليل، وجعلوا يرشقون الخيام بالحجارة، وكتل الطين، وسط زمجرة الريح، وهطول المطر الذي يمكن وصفه بأنه سيل يندلق غزيرا من السماء على الأرض.
لم نعرف نحن الصغار ماذا قصد الناس بفعلهم هذا، ولا ماذا ستكون نتيجته، ولكننا انحزنا لهم بغضب، وأبداننا العارية ترتجف، ومعهم رجمنا الخيام التي انتزعنا من قرانا ومدننا ورمينا تحتها، وحكم علينا بالعيش في ظروف مهينة تمتهن آدميتنا.
من هناك، من زمن النكبة ، بدأ وعينا يتفتح، نحن جيل النكبة، أمّا الآباء والأمهات فكان وعيهم قد نما وانصقل بتراكم المعارك مع الاحتلال البريطاني، والاشتباك المبكّر مع بدايات التسلل الصهيوني.
المقاومة وعي، والمقاومة ثقافة تنمو بالتجربة، وبخبرات الأجيال، وبتوريث الدروس التي تعيشها الأجيال للآتين من بعد ليتحصنوا، وليكونوا دائما على أهبة الاستعداد لاستئناف مسيرة المقاومة التي ترفع راياتها الأجيال جيلاً بعد جيل.
المقاومة سعي للحرية، ورفض لما يثلم ويمتهن الكرامة الإنسانية،
الكرامة سيادة على النفس، وسيادة للوطن، وعظمة للأمة، فالأمة الخانعة تخرج من التاريخ، وتفقد الانتماء للجغرافيا، وتستتبع، وتسلب حقوقها.
المقاومة لا ترتبط بلحظة عابرة، ولكنها روح تسري، وتترسخ، فتتحوّل إلى ثقافة تنعكس على سلوك أبناء الوطن الواحد، والأمة الواحدة.
المقاومة تجمع الناس على اختلاف أديانهم، وأعراقهم، ولغاتهم، لأن جيناتها الروحية والنفسية تقرّبهم من بعضهم، وتمد بينهم روابط إنسانية لحمتها وسداها الاحترام للنفس، وعشق الحرية، وحق جميع الناس على هذه الأرض بأن يعيشوا أحرارا في أوطانهم، وأن يسود العدل.
المقاومة قيمة إنسانية، ومقياس يحدد قيمة ونوعية القادة، ولذا نُعلي صور جمال عبد الناصر، ومانديلا، وجيفارا، وعبد القادر الحسيني ، والسيد حسن نصر الله،وتشافيز، في إطار واحد، ونرفعها باعتزاز، لأن هؤلاء رموز في مسيرة إنسانية واحدة.
عرفنا هذا في مسيرتنا التي بدأت هناك في المخيمات، حين رفضنا مشيئة الأعداء الذين راهنوا على اندثار شعبنا، وأفول قضيتنا، وانتصار الظلم والتزوير والتلفيق باسم التوراة ، وبقوة الأسلحة الأمريكية، وبدعم الغرب الاستعماري العنصري، وبتواطؤ حكام دول الرجعية العربية.
آمنا دائما بحقنا في فلسطين، وبأن المقاومة طريقنا، وخيارنا، فما أُخذ بالقوّة لا يسترد بغير القوة كما قال القائد جمال عبد الناصر، وكما علمتنا مسرة شعبنا، ومعارك أمتنا لانتزاع الاستقلال في أقطارنا العربية مشرقا ومغربا، وفي العالم كله، فلم يتحرر شعب مستعمر إلاّ بالمقاومة، ولم يؤد التفاوض إلاّ إلى الخسارة، وإلى انتقاص الحقوق، والالتفاف على ثورات الشعوب، وهذا ما نراه يحدث تحت أنظارنا في فلسطين.
مبكرا عرفنا، كما عرف آباؤنا وأمهاتنا من قبلنا، أن العدو ليست الصهيونية وبريطانيا وأمريكا حسب، ولكنه يوجد أعداء في الداخل، إما منحازون علنا لمخططات الأعداء، أو من تحت لتحت، والوصف الشعبي يحدد دورهم: أفاعي التبن: يعني يلدغون ويتوارون متخفين في التبن الناعم الذي ييسر لهم الاختفاء، والقدرة على تغيير الموقع، والتسرب تحت غطاء يستر سمومهم وأغراضهم اللئيمة الخسيسة.
خطابنا: الحياة مقاومة، يُرّد عليه: الحياة مفاوضات، والخطابان خطان لا يلتقيان، ويتناقضان دائما، لأن المنطلقات والأهداف متباينة، فأحدهما جذري، يضع حرية الوطن وسيادته  كاملة غير منقوصة فوق أي اعتبار، والآخر مساوم يقدم التنازلات بحجة الواقعية، ولا يجر سوى الخسارات المتلاحقة، وهو يساوم على الحق، أي على فلسطين، ويبرر التنازل عن أغلب مساحة فلسطين، ويعترف بالكيان الصهيوني ( دولة)، وينشئ مع هذا الكيان علاقات يريدها ( طبيعية) ، مع أن العدو لا يرضى بأقل من الخضوع التام لشروطه التي تنفي حق الشعب الفلسطيني في وطنه، وحق العرب في فلسطين.
انظروا إلى ما جرّه هذا الخطاب التخديري التضليلي على الأمة منذ كامب ديفد إلى أوسلو إلى وادي عربة، والعجيب أن هناك من يبشّر بمسيرة التنازلات، والثقة بأمريكا، بل والرضى بها وسيطة (محايدة) بيننا وبين ( الكيان الصهيوني!.
ككاتب عربي فلسطيني، قرأت تاريخ شعبنا في فلسطين: ثوراته، انتفاضاته، هبّاته، وما عرض عليه من مشاريع بريطانية، أمريكية، دولية، ازددت يقينا بأنه لا خيار لنا كشعب عربي فلسطيني، وكأمة قضيتها الأولى فلسطين، وامتحان وجودها في فلسطين، سوى: المقاومة.
الخطاب السياسي الخبيث عمد دائما إلى تقزيم القضية الفلسطينية، بجعلها قضية إقليمية، والصراع صراعا فلسطينيا ( إسرائيليا)، لأن قضية فلسطين فضّاحة للأنظمة الإقليمية التابعة، والمحتلة أراضيها برضاها بالقواعد الأمريكية، والمعادية في الجوهر لنهوض الأمة وتطلعاتها الوحدوية، وسعيها لإنهاء التمزق والضعف والوهن الذي يعيق تقدم الأمة ونهوضها.
الحضور الكرام:
في فلسطين سبق الشعر الخطاب السياسي في الوعي، بتحديده للأعداء: الاحتلال البريطاني، الصهيونية الطامعة، الرجعية العربية، وسماسرة البلاد، وهذا ما يدلل على أهمية الخطاب الثقافي شعرا ونثرا، ونشر وعي، وإضاءة شموع التنوير.
ممن سبقونا، من الشعراء، والكتاب، تعلمنا الكثير، قبل النكبة، وبعدها، وها نحن نحمل المشعل، مع عدم التغاضي عن بؤس مبرري التصالح مع العدو، ومساومته التي لا تؤدي إلاّ إلى خسارة المزيد من أرض فلسطين، وتقزيم للقضية العربية الفلسطينية.
الحضور الكرام:
تعالوا نستذكر المعلم غسان كنفاني، وروايته ( رجال في الشمس).
تضطر ظروف الحياة ، ما بعد النكبة، أباقيس، ومروان، وأسعد، التوجه إلى ( الكويت) بحثا عن عمل لإنقاذ أسرهم الجائعة من الموت، وهم باختيارهم الخاطئ هذا مضوا إلى موتهم المهين، وانتهوا جثثا على مزبلة في الكويت، بعد أن ماتوا اختناقا في سيارة صهريج يقودها فلسطيني، هو أبو الخيزران، الذي فقد رجولته في حرب ال48…
هذه نهاية من يضيّع الهدف، ويهرب من المواجهة، ويسعى للسلامة الشخصية، دافنا رأسه في رمال الوهم، مستبدلاً الهم الوطني بهاجس لقمة الخبز، في لحظة انكسار وتيه وضياع.
رواية تقدم لنا شخصيات سلبية، ونهايتهم المأساوية الفاجعة، وقائد صهريج الموت، القائد السابق في حرب 48، لا يرعوي بنهايتهم ، ودوره في اقتيادهم لها، هو الذي  يعمد إلى خلع ساعاتهم من حول معاصمهم بعد أن تخلص من جثثهم على أكوام القمامة قرب مدينة الكويت، فالموتى لا يهمهم الوقت، لأنهم صاروا خارج الزمن!.
هذه رواية مقاومة بامتياز، لما يقوله النص في خطابه المضمر، ولذا كانت تهز نفوسنا، وما زالت، وستبقى، ولذا دفعت كثيرين للانتظام في صفوف التنظيمات الفلسطينية قبل انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، لأن شعبنا لن يموت على المزابل، ولن يخرج من الزمن، بل سيقاوم، ويستبسل، ويصمد في الميدان.
هذه مسيرة شعبنا منذ نهاية القرن التاسع عشر، وطيلة القرن العشرين، وفي سنوات القرن الحادي والعشرين المفتوحة على إبداعات مقاومة شعبنا، ومقاومة لبنان الذي انتصر على الاحتلال الصهيوني وكنسه من بيروت حتى الجنوب، وألحق به هزيمة مدوية مبهرة في تموز 2006 .
أيها الحضور الكرام:
هوية الفلسطيني هي المقاومة، والثبات في الخندق المتقدم ، وهو بهذا يحفز الأمة على الاستيقاظ، والتقدم إلى ميدان الاشتباك، وفي هذا الميدان سيتحدد معسكر أعداء الأمة، وسيتم الفرز بينه وبين ملايين العرب أصحاب المصلحة في طرد الأعداء جميعا من بلاد العرب، وتحرير الأرض العربية ، والإنسان العربي، لأن المقاومة ليست فعلاً مسلحا عسكريا حسب، ولكنها مشروع تغيير استنهاضي يحرر الأرض والإنسان.
أيها الحضور الكرام:
صدمتنا قصة ( فلسطيني) للمعلمة سميرة عزام، عندما قرأناها في مجلة ( الآداب) مطلع الستينات، وحين أعدنا قراءتها في مجموعتها القصصية(الساعة والإنسان)، لأن الفلسطيني الذي باع نصف ما يملك في حانوته ليحصل على هوية لبنانية، لم يحصد سوى الخيبة، فالهوية ( الإقليمية) مزورة، وهو الفلسطيني ستناديه الجارات وهن ينزلن سلالهن إلى حانوته، مهما حاول الهرب من فلسطينيته: يا فلسطيني.
لا مهرب للفلسطيني من ( هويته) الحقيقية، التي تدفعه للمقاومة، وليس للهرب إلى الكويت للموت على مزابلها، أو للمنافي البعيدة، فهويته ستبقى المقاومة، وهي خياره الوحيد المشرّف إنسانيا.
الخطاب الأدبي الفلسطيني دفع بوعي الفلسطيني قدما، وفتح عينيه على ما يحيق بقضيته، وسلحه بوعي ثوري جذري، ولذا اشتبك هذا الوعي بالخطاب السياسي الزائف: الحياة مفاوضات.
بعد أن صدرت روايتي ( البكاء على صدر الحبيب) عام  1974 تعرضت لحملة اضطرتني للرحيل من بيروت، ومغادرة الفاكهاني، لأنني تجرأت وفضحت الفساد والخراب في ثورتنا، وفي وقت مبكّر.
دائما آمنت بالدور النقدي للأدب، إذ لا يمكن أن يكون دور الأدب التغني بانتصارات موهومة، أو انتصارات لم تكتمل، ما دامت فلسطين محتلة، وشعبنا مشردا، وثورتنا ينخرها الفساد، ويعيق تقدمها خطاب سياسي، وسلوك سياسي منافق، مجامل، ارتجالي، يتعامل مع الجماهير كما لو أنها قطيع.
الكاتب يمكن أحيانا أن يصدم ، ويخلخل اليقين السطحي السرابي، والكاتب يصارح بالحقيقة ولا يخاتل ويدغدغ العواطف.
سأروي لكم هذه الواقعة البسيطة ذات الدلالة: بعد أن غادرت بيروت إلى تونس، على متن السفينة سولفرين، عدت في اليوم التالي لوصولي لميناء بنزرت إلى مخيم اليرموك في سورية. جاء جارنا وهو أستاذ مدرسة لتهنئتي على سلامتي، ودار بيننا حديث حول معركة بيروت، وعندما قلت له: نحن لم نقاتل بكامل قدراتنا، فكثير ممن رأيتهم على السفن لم يقاتلوا، بل جبن كثيرون في معركة الدفاع عن بيروت. فنجر عينيه في وجهي، وبوجه مربد الملامح غاضب، رد علي: أنت شو بيعرفك؟!
عندئذ ضحكت ضحكة صغيرة حزينة، وقلت له: صح..معك حق، أنا مجرد شخص كان في بيروت أثناء المعركة!
روايتي ( الرب لم يسترح في اليوم السابع) هي رواية الخروج بعد معركة بيروت. قدمت فيها شخصيات من لحم ودم، وأحداثا ووقائع صادمة. الرواية المفعمة بالحب والحزن والغضب، و( الفضح)، دفعت بعض ( الحرصاء)على سمعة ( الثورة) إلى ترديد العبارة: يعني ضروري ننشر غسيلنا( الوسخ)؟!
لا أريد أن أطنب في الحديث عن أعمالي الروائية والقصصية، ومواقفي، فمهمة هذا المؤتمر الجليلة أكثر أهمية من الحديث عن منجزاتنا الفردية، والثناء على النفس، وامتداح ما أنجزناه.
أيها الحضور الكرام:
كتبت ذات يوم ونحن في بيروت: احذروا عودة أبي الخيزران. وسؤالي: ألم يعد ( أبوالخيزران) ويتجلى في سلوك سياسي عاجز، لا يمثله فرد، وإنما يمثله خيار سياسي يُضّيع القضية، بحجة الحرص، والواقعية، والحصول على ما يمكن الحصول عليه؟!
أيها الحضور الكرام
القوى الظلامية التي تحمل السلاح، وتقتل، وتنسف، وتمزق الصدور، وتعدم باستهتار، وتبشّر بدولة الخلافة، أو بالدولة الإسلامية، والتي قاتلت في أفغانستان خدمة للأهداف الأمريكية، بالمال السعودي، وبتضليل من مشايخ الفتاوى التضليلية، يتجدد دورها في ليبيا، وسورية، واليمن، ومصر، ولبنان، وفلسطين، وتونس…
الخطاب التضليلي، المتزيي بشعارات إسلاموية ينفث في عقول الجهلاء الحقد والكراهية، وينحرف بالمعركة من فلسطين، أي من مواجهة مع الكيان الصهيوني، إلى معاداة إيران، وبالخطاب الطائفي المنحط يوجه سهامه السامة إلى ظهر حزب الله، والمقاومة في لبنان وفلسطين.
لم يبدأ الخطاب التجهيلي التضليلي الحاقد مع بدء المقاومة اللبنانية، وبروز حزب الله إثر الاحتلال الصهيوني لبيروت عام 1982، وانتصارات المقاومة التي كنست الاحتلال في انتصار العام 2000 ، وألحقت به الهزيمة عام 2006، ولكنها بدأت قبل ذلك، في مواجهة المقاومة الفلسطينية، والفدائي الفلسطيني.
تفشى هؤلاء في بعض القواعد، وبشروا بان المعركة هي بين المسلمين واليهود _ لم يكونوا قد أضافوا النصارى بعد_ ثمّ تطوّر خطابهم بلسان عبد الله عزام الفلسطيني إلى : الفدائي يموت ( فطيس) _ يعني جيفة_ فلا يصلى عليه، والجهاد يبدأ من أفغانستان: اليوم كابول .. وغدا القدس!
لا عجب أن نرى أصحاب هذا الخطاب الذي يتداخل فيه الطائفي، والإقليمي، وهو يوجه سهامه للنيل من المقاومة، ومن ثقافة المقاومة، يتقاطعون في معاداتهم للمقاومة، والتآمر عليها، فبعضهم تعامل مع العدو الصهيوني، وذبح الفلسطيني واللبناني في صبرا وشاتيلا، في حين كانت المقاومة اللبنانية تتكون في شوارع بيروت، وأزقتها، وتنطلق بأسلحة بسيطة لتحرر لبنان، وعاصمته الخالدة: بيروت، عاصمة المقاومة والبطولة، التي كتبت عن معركتها عام 1982 كتابي ( آه يا بيروت).
ما عجز عنه العدو الصهيوني في الميدان، يقوم بإنجازه هؤلاء الطائفيون، والإقليميون، تنظيرا خبيثا، ينطلق من ثقافة تبررالهزيمة، والمساومة، بادعاء الحرص على أمن المواطن، وحدود الوطن.
أصحاب هذا الخطاب انتقلوا علنا في المعركة على سورية من الكلام إلى التسليح، وإرسال الإرهابيين لتدمير سورية وتخريبها، وإلحاقها بالعراق، وليبيا، وبشعارات: الديمقراطية، وبتمويل سعودي قطري، ورعاية تركية، وتوجيه أمريكي، ودعم صهيوني ( للمجاهدين) الجرحى في ميادين سورية، فهم يعيدون ترميم جراحهم، ويدفعون بهم من جديد لقتل السوريين، وتدمير وطنهم، ومصانعهم، وتخريب زراعتهم، وينهبون نفطهم…
( المجاهدون) هؤلاء ، انظروا إليهم يطاردون بعضهم، ويكفرون بعضهم، ويسبون نساء بعضهم، قبل الفوز بالحور العين، وهذا يدلل على أنهم أدوات تحرّك من دهاة، لتنفيذ مخططات، هم فيها بيادق ليس إلاّ، يسترخصون حياتهم وحياة الناس في بلاد العرب والمسلمين.
هذا الاجتياح الجهول جعل من المسجد منطلقا له، يحقن النفوس على من يسميهم ( الرافضة)، وان الحرب معهم تسبق الجهاد لتحرير القدس والأقصى، وأن المعركة ليست لتحرير القدس ولكنها لحماية ( الإسلام)!!
لا يغيب عن نظرنا ما تقوم به وسائل إعلامية مأجورة، موجهة: صحافة مقروءة، وفضائيات، بتمويل خليجي، سعودي قطري، يغطي مخططات تمزيق مجتمعاتنا، وإضعاف نسيجها الاجتماعي، وتدمير وحدتها الوطنية، ونشر الضعف في بناها.
فضائيات تبث السموم ليل نهار، وتحقن النفوس، وتروّج الأكاذيب، وكتاب و( مفكرون) بحجة الديمقراطية يغطون هذا الخطاب، بل يصل الأمر ببعضهم أن يبرر التدخل الأمريكي للناتو في ليبيا، ويستعجله، ويحثه، ويعيب عليه تأخره في قصف سورية، وشن الحرب عليها لتدميرها وإلحاقها بالعراق..بلاد الأرامل، والأيتام، والتفجيرات اليومية، وهو ما جرّه الاحتلال الأمريكي ( الديمقراطي)، وأغرق به العراق وشعبه.
أيها الحضور الكرام:
بعد مأساة الثورة الفلسطينية في الأردن عام 1970 ومذبحة الأحراش في شهر تموز عام 1971، لم يجد المقاومون الفلسطينيون، وقيادة الثورة الفلسطينية، وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية سوى الجنوب اللبناني، وأهل الجنوب، وبيروت العاصمة اللبنانية التي فتحت ذراعيها، فنهضت الثورة الفلسطينية من جديد، ومن ( الفاكهاني) هبت رياح ثورية عربية فلسطينية لبنانية، اجتذبت ألوف الشباب العربي، فكان ( الفاكهاني) بؤرة ثورية عربية وعالمية، ودفع الجنوب، وبيروت ، ولبنان العربي، ثمن الانحياز، واحتضان الثورة الفلسطينية، ألوف الشهداء والجرحى بالهجمات الصهيونية، وتوجت تلك الحقبة المجيدة بمعركة بيروت الخالدة، التي اكتملت بالتحرير ببسالة المقاومين اللبنانيين جميعا.
أيها الحضور الكرام:
قبل أيام صرح وزير خارجية قطر لصحفي صهيوني في مؤتمر الأمن الدولي في ميونخ، وهو يشد على يد ذلك الصحفي: نحن و(إسرائيل) أخوة…
نعم: هم أخوة..ولذا ليس كل عربي أخ لفلسطين، أو للبنان المقاوم، أو لسورية…
وصرحت ( ليفني) أنها زارت في شهرين عدّة دول عربية حوالي 11مرّة!
دول الرجعيات العربية استعجلت دائما التخلص من القضية الفلسطينية، ودفعت بقيادات فلسطينية للانخراط في مسار التسوية، والتطبيع مع العدو، لتتخذ من سلوكها السياسي التنازلي مبررا، بحجة أن الفلسطينيين اختاروا هذا المسار خدمة لفلسطين، لأنه البديل عن المقاومة!
آن أن نميز بين الصديق والعدو، بين معسكر الأصدقاء ومعسكر الأعداء، حتى لا تختلط الأمور وتلتبس.
في بلادنا بات معسكر الأعداء مفضوحا، وليس لنا نحن معسكر المقاومة أن نردد: نحن أخوة إلاّ مع الأخوة الحقيقيين، أخوة الميدان، أخوة المقاومة، أخوة رفض التنازل عن حبة تراب من تراب فلسطين، والجولان، ومزارع شبعا، وأي أرض عربية. بالمناسبة: ألم يكتشف أهلنا في مصر، في السنوات الأخيرة، أن سيناء محتلة، ومأسورة ( إسرائيليا) و( أمريكيا)، وباتفاقات كامب ديفد، التي أبرمها السادات مع العدو الصهيوني برعاية أمريكية، ليعتبر بعدها بطلاً للسلام؟!.
أيها الحضور الكرام:
هنا يتحدد دور المثقف الثوري، المبدع الثوري، المقاوم الذي لن يمر عليه خطاب الأعداء ممن يفترض أنهم عرب.
الحديث يطول، لذا اسمحوا لي أن أعلي من جديد الشعارات التي رفعها جمال عبد الناصر في مؤتمر القمة بالخرطوم الذي أعقب هزيمة حزيران: لا صلح، لا اعتراف، لا مفاوضات..وكانت اللاء الرابعة: لا انفراد بمفاوضة العدو من أي دولة عربية.
كانت تلك شروط (مقاومة) رغم الهزيمة، فلنرفعها، ولنجددها، ولنعليها ونحن نقاوم.
اسمحوا لي أن أترحم على شهداء الكلمة العربية المقاومة
وأن أترحم على شهداء المقاومة في فلسطين، ولبنان، وعلى كل أرض عربية..وفي العالم.
وأن أحيي القائمين على هذا المؤتمر، الذي آمل أن يكون نقطة انطلاق للاشتباك مع الخطاب المتصهين في بلاد العرب…

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة