في منتهى اللحظه

التصنيف : فن وثقافة (:::)
فيصل أكرم – العربية السعودية (:::)
هل تختلف عن نفسك، أو عليها، لدرجة يستحيل معها أن تكون وإياها كياناً واحداً؟
– بل نفسي هي المختلفة دائماً، ولم تتقمّصني يوماً إلاّ والصراع ثالثنا..
– أكنتما اثنين؟
– بل كنا نحسبُ بعضنا صِفراً. وكانت صراعاتنا ثلاثة: أولها الموت، وآخرها الحياة، وبينهما انتظار.
– سافر إذاً، فستجدها أنتَ مسافرة معك وحدك، وستجدك هي متشبثاً بها وحدها.. فتكونان غريبين في انتظار موت يجمعكما معاً، أو حياة تجمعانها مع الجامعين..
حوارٌ بريءٌ أدرته مع حالي في غفلةٍ من نفسي التي أعرفها قليلاً وتعرفني كثيراً. كنتُ أجرّبُ اغتيابها طالما أنها غفلت في منتهى لحظة عابرة، وتراخت عن تحريضي على التيه الذي اعتدته بحثاً عنها. غير أنها حين رأتني أفيق من غفلتي التي رميتُ بها عليها، سخرت مني انتقاماً وألقت بي في مهبّ طرقات لا ينتهي طرفٌ منها إلا لتبدأ أطراف أخرى في التمدد والالتواء وأنا لا أملك إلا تتبعها لرمقٍ أخير..
(اهدأ قليلاً..
منذ عقدين افترقنا،
وانتهت بيني وبينكَ صحبةٌ
ونسيتُ أنكَ صاحبي..
من بعد ما انحلَّت على كفِّ المسافةِ عقدةٌ
فتغبّرتْ أجواؤنا
وتعثّرت بيني وبينكَ هدأةٌ
وتخثّرت خلفَ الضلوع دماؤنا
فانتابنا الخَفَقانْ
اهدأ، فلم يَفُت الأوانْ
فهو السوادُ.. وكان يجمعنا كما
تتجمّع الحسناتُ في الميزانْ)
وتلك سطورٌ من قصيدة قالتها نفسٌ لصاحبها حين اختار أن يجسّدها في غيره ممن هوى، فهوت به إلى غربة عنها حتى بدا غير ما تعرفه نفسه عنه.. بدا حائراً، يسألُ ويجيبُ عن السؤال الباهت بنصاعةٍ لا تقبل الاحتمال:
(هل كنتَ مثلَ الناسِ؟
لا..
فالناسُ كانوا يشبهونَ وجودَهمْ
وأنا وجوديَ شُبهةٌ
حتى الغيابْ
حتى سقوطِ الروحِ في متنِ الكتابْ)
وللروح تاريخٌ مع السقوط طويلٌ، فمرّاتٍ تسقطُ عن صاحبها وتدع جسده يتجمّد صلافة واستسلاماً لواقع يجعل منه شبيهاً بالإسفنج يمتصُّ بللاً ليطفو على السطح كما تطفو الأشياء التي لا لزوم لها في عمق الروح. ومرّاتٍ تُسقط صاحبها عنها لتسمو وحدها فوق السحاب تحركه اشتعالاً ليمطر كل من لم يستطع سموّاً حتى يشرب من روحه ما يكمل به دورته الدموية التي ينقصها الماءُ الغريب..
(للناسِ الناسُ
وللغرباء قلوبٌ تفرحُ بالأشياءْ
ككتابٍ يُقرأُ في صمتٍ
تحتَ الأضواءْ
كنوافذَ تُفتحُ في بيتٍ
يلتفُّ عليه الشارعُ من كلِّ الأنحاءْ)
فعش لحظتك المتبقية منتهىً، في هدوء، وتلذذ بالفرجة والاسترخاء. أيها المتورّطُ بالسجال مع نفسك بعد كل حراكٍ تعرف أنه سيفضي بكما إلى سكون. وكن كما كنتَ، غريباً قانعاً بها غريبةً، فإنك من دون قناعةٍ بنفسكَ المتغرّبة بك وفيك ومن أجلك.. لن تكون.
ــــــــــــــــــــــــــ
* (المقاطع الشعرية المقوّسة من ديوان سيصدر قريباً..)

[email protected]
الرياض

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة