هواجس في الطريق

التصنيف : القصة (:::)
قصة : بكر السباتين * (:::)
صرت تنسى كثيراً يا عطّاف .. لا تشغل بالك كثيراً يا ولدي .. عمتك الآن بانتظارك .. أرجوك لا تنسى ما أخبرتك..
كانت السيول في الخارج جارفة يتمازج خريرها المدوي ما بين الانصباب والجريان الحثيث ..
وقبل أن يُوصد الباب دوني .. بدا وجه والدتي فاطمة مشرقاً ومهللاً بالمطر.. كانت قد أطلت من شق الباب..  مؤكدة على أن الشاي سيكون جاهزاً حالما أعود.
هبطت عتبات الباب فيما أوصدت هي الباب ورائي ، واندلقت بعدها من تلافيف الأزقة نحو الشارع العام .. ثم رحت ماضياً في الطريق ..
أي طريق ..!؟!
جعلت تجتاحني هواجس ، وتتلاطم في ذاكرتي أفكار ، ثم رحت مستمراً في العبور، ويدي على رأسي .. حتى أصل بيت عمتي وفي ذاكرتي ما قد يتبقى من وديعة والدتي التي أحمل إليها .. إلا أن السير في الشارع المكتظ  كقارئ الرواية .. إذ لا تفتأ المَشاهدُ تسوقه إليها .. فتأخذ منه ويعطيها في تداعيات تكاد لا تنتهي..
هناك مثلاً ما شدني!!
فثمة امرأة عجوز كانت تسير أمامي، تشق الطريق بخطوات صامدة ، غير آبهة بالريح والأمطار إلهامية ، والأرض الموحلة ، أخذت ترفع ثوبها المطرز، فتنغرس خطواتها كالوتد المتنقل في الطين هنا وهناك ، متلوثاً ما بدا من سروالها بوحل الطريق، ليتني أرى وجهها القديم عن كثب، ترى هل تعدى عمرها السبعين !؟!.
فلماذا هي قوية هكذا ..؟!
هل صحيح أن الشباب في القلب!!
كانت والدتي تنعتني بالعجوز كلما تلكأت في إنجاز مهمة ما!! لا بأس..
ففي قلب هذه العجوز ما  يفجر  في النفس نضارة الشباب!!
أم ماذا ..!؟.
أخذت الريح اللاهية تنتزع عن رأس العجوز غدفتها ، صارت كما الصاري وهو يلوّْح بالشراع، كأنفاس بحارة عكا وهم يفزعون الخوف المطوي في أمواج البحر الهادر .. فيستعيدونها كما استعادت العجوز غدفتها، ويستمرون في الإبحار كشأن العجوز الذي ابتلعها الزقاق..
ذات المشهد أخد يتكرر هناك ، كان رجل يشمر عن ساعديه فيدفع بهما عربة الخضار ، فيجأر صوته عالياً :
” بطاطا ، بطاطا ”
يا لهذا الصوت المزلزل!!
أي حنجرة يبتلع هذا المارد!!
هذا الصوت المجلجل من أين يأتي فيزلزل لقوته النوافذ، كي تسمع ربات البيوت النداء..
وهناك أيضاً..
كان الحوذي يصلي مؤخرة البغل بالسوط ، وهو يجر عربة النفط مناديا : كاز.. كاز.
راح البغل يلهث بشدة ، فيخرج البخار مندفعاً من خيشوميه بقوة، ثم أخذت سنابكه تدك الشارع المعبد..
يا ساتر!!
ثمة صغار خرجوا للتو من إحدى البقالات  وقطعوا الشارع من أمامه.
كيف يتركون صغارهم في الطرقات عرضة للموت!!.
ولاحت لي من بعيد فتاة جميلة كانت ترتدي معطفاً طويلاً،فيما أغلقت مظلتها الزاهية الألوان، ثم مسحت نعليها بحافة الرصيف، وعادت بعدها إلى عتبة واطئة ، تعدتها إلى أحد البيوت.. احدهم فتح النافذة للاستطلاع، وأغلقها بعد ذلك فوراً.. تمنيت لو أطالت الوقوف.. فقد كانت آسرة الجمال..
لا بأس!!.
قطعت الشارع العام ، واجهتني مكتبة صغيرة .. جرائد محجوبة عن الرياح المتناوحة.. مثبتة على الحبال بمشابك قوية.أخبار متكررة.. كأنها من كنس الرياح كي يبتلى بها القارئ فيأسره القلق..
إسرائيل تعلنها يهودية الدولة..
” واللاجئون!!”.
الأسعار في ارتفاع..
” كيف سنعيش منذ الآن” ).
يتآمرون على سوريا..
” وما ذنب الشعب السوري!!”.
البرد يؤذن بموسم ثلجي طويل..
” وامصيبتاه!! المحروقات أسعارها في ارتفاع!! فأين المفر!!”
كدت أنسى ما خرجت لأجله ..لذلك وضعت يدي على رأسي.. تذكرت شيئاً ..
فقبل أيام التقيت بأحد المطلوبين لأمن الدولة في بيت عزاء لأحد أقربائنا، كان يتحدث متجولاً في صمت الآخرين ، والأنكى بان جدله الممل كان منصباً على تخوين الجميع، فكانت لا تهدأ عاصفته حينما أردف بحنكة الزعيم :-
” الفلسطيني دائماً يحتاج ، لتأكيد الذات ، والسلطة الوطنية وقعت في الفخ وهي عاجزة عن اتخاذ موقف حازم تجاه المصالحة الوطنية لأنها حبيسة في قفص جاء باختيارها.
وحينما طرحت عليه سؤالاً يتعلق بجدوى هذا النقاش الذي لا يقدم ولا يؤخر ، ما دمنا نفتقر إلى الحل البديل، تحول صمت الآخرين فجأة إلى همز ولمز ، وراحت العيون تتخاطف بعضها ، وكأنهم اكتشفوا للتو بأنني غجري أو لقيط ، فطم الخوف بينهم .. ويطرق السؤال رأسي من جديد:-
“أم تراهم ظنوني رجل مخابرات؟”.
لست ادري .. فقد راحوا يخرجون فرادى ، يجر فيهم الواحد الآخر، همس الذي إلى جوار الزعيم :-
” قلت لك انه منهم ، فاحذره ..!”.
وفجأة!! كأن أحدهم وضع قبضة يده على كتفي!!
“أوه .. أين أنا ..!؟”.
فقد أفقت على صوت عمتي تناديني من على الشرفة :-
” إلى أين تسير يا عطّاف!؟ أراك تمر عن باب بيتنا .. فلا تحينينا بطلتكم البهية.
هلم اليّ يا عمتي.. كنت انتظر حاجة من والدتك!! كأنها نسيت “.
أوه .. فعلاً كما تنعتني والدتي بأنني كالعجوز أحمل ذاكرة مخرومة فأخشى أن يصيبني الخرف باكراً.. فلم أتذكر ما جئت لا جله إلا حينما فرغت من احتساء الشاي ..
” أوه .. تذكرت يا عمتي فقد نسيت .. “.
علقت عمتي بحنان :-
” دائما تنسى .. وكأن همومك أثقل من همومنا .. لا بأس يا عمتي فهات ما عندك .. “.

_______________
*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/
 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة