الثقافة الشركسية بين الخصوصيه والعالميه

 

التصنيف : فن وثقافة (:::)
بريهان قمق – الاردن (:::)
عندما يسألونك من أنت، تستطيع أن تبرز وثيقة، أو جواز سفر، يحتوي على المعلومات الأساسية، أما إذا سألوا شعباً من أنت، فإنه سيقدم علماءه، كتابه، فنانيه ، موسيقيه، رجاله كوثائق..
ثمة عبارة تمر بشكل عرضي في أحد المواقع الشركسية على الانترنت تقول: ستكون شركسيا فقط عندما تكون في بلاد القفقاس .!!! صدمتني العبارة ، وبرأي أنها تشكل شكلا مأساويا يضيفه هذه المرة الأهل بأنفسهم -دون قصد منهم – لمأساة الشعب الشركسي في الشتات –
عبر منطق الإقصاء هذا – في عدم الاعتراف بأهلية الانتماء للشراكسة ثقافيا وعبر ذاكرة جمعية متوارثة على غاية من الأهمية قد تمتع بها المهاجرون طوال عقود طويلة . لكأن شراكسة الشتات ما كان ينقصهم من رحلات التيه والعذاب والمعاناة سوى مثل هذا الإقصاء ..!!
لست في الوطن الأم الآن ، وقد لا أصل إليه ، فقد راحت عني غيمات كثيرة – لم أمتلك خيارها- و لكن مثل هذا الإقصاء الذي يستقبل فيه الموقع زواره يدفعني لحواف الألم بكل عصارة قلب الحياة ، عند تتبع تلك الخلايا السابحة في الشريان ولحظات تفتحها كزهرة لوتس عند الإصغاء لتراتيل الآلهة المنسابة نوتات موسيقية ، عالقة في برزخ الروح . فنستعيد – نحن من في الشتات – ذاكرة ندية لكل ألق حكايا هؤلاء الذين باتوا غبارا مضيئا في الطبيعة اليوم ، لكنهم وبما تمتعوا به من سمات وقيم في غاية السمو الإنساني ، تمكنوا من التغلغل بثقافات الأمم الأخرى كالإغريق مثلا أو بلاد الرافدين ، ولكن بتسميات أخرى وإن كانت بذات الروح في بدئها الطهري النوراني الأول .
لا بأس ، فسواء قد تم الاعتراف أم لا ، بشركسية من في الشتات ، فثمة جينات تحمل خريطتها تترنح بذاكرة يتشققها الرعد وأنين الأمهات ، تستعيد عبر وعيها وذاكرتها الجمعية ، جبال الماضي والسهام الثلاثة المؤمنة بالقدر وتصاريفه ، حسب رحلات كونية تتوالى ، بالإضافة لنجمات الكون المكثفة باثنتي عشرة نجمة محمولة بأسرار الحياة ..
أرقام و أسرار الخلق والتكوين مخبوءة في جرار ستناي وانانا .. فمن ذا سيفرق بين العظام ولهاث الوحشة ..!؟
سرب من الفراشات يعلو أنين امرأة تفكك الشمس بكفيها كل مساء أجزاء صغيرة ، ترشها في الصندوق الخشبي المطعم بدبابيس فضية قفقاسية سحرية .. مرددة أغنيات الليل العاصف في دم الهجرة القسرية ، قد رمت فراخها الذين أصيبوا بالطاعون من على ظهر المركب العثماني الذي صادها كغيرها لرحلة التيه ، واحدا تلو الآخر في بحر باتت مياهه واسمه أسود حتى اليوم .. ماذا أقول لها هل أنت يا سيانا وأنتِ يا نينج لست بشركسية..!! ؟؟؟
انانا أو النانا أو نينانج تمسد الصباحات والمساءات بابتهالات سكان قاع البحر ..
وثمة صغيرة فضولية واقفة عند الباب تسترق النظر كي تحظى بسر الصندوق الخشبي الموشاة بفضة الليل العجيب، تنادي الجدة العجوز كي تقترب الصغيرة التي حتى اللحظة لم تبارح ذاكرتها الدهشة من كل هذه الأخاديد العجيبة المحفورة في وجه الجدة ..
وما أن تقترب منها حتى تلتمع عينا العجوز المخبوءتان في عمق الجمجمة فتضيء كل الأجزاء والقطع الصغيرة في الصندوق ، تعود كرة شمس مستديرة بكف العجوز تمسد بها ضفيرة الصغيرة الفضولية منفلتة للريح ..
وتهمس بحزم شركسي حنون : لما جديلتك مفككة يا حانتسة جواشا .!؟
فتستيقظ الغيمة ويهطل مطر تشرين ..
تجتمع القبيلة على حكايات العجوز المتشابكة بأغصان شجر البلوط وحبات الكستناء ليغنوا مع الجدة التي تجيد العزف على الأكورديون . وكالعادة ترفض العزف بحجة الشيخوخة ولكن سرعان ما تلبث الاذعان للرجاءات فتمسك الأكورديون بكل طاقات كونية وبما تمتلكه من سلطة الأم الأولى مستدعية كل النارتيين ليصطفوا أمام البيت الطيني القديم كل يعانق جواده، كلهم / كلنا / أنا / أنت/ نحن/ هم يبتهلون لأرض النجوم السبعة ، لقديسة القديسات الإنسانة الشفيفة : ستناي الجميلة البعيدة الحبيبة ، الحلم ، الساكنة في الصندوق السحري في أقصى الشمال هناك البعيد القريب جدا في القفص الصدري ، حيث أربع حجرات بحجم الكف ولكن بوسع الكون ..!
فتتيقن صاحب الجديلة المفككة اللاهثة في الريح أن النارتيين قد دخلوا بجيادهم المجنّحة صندوق الجدة ، وباتوا عن طيب خاطر وبكل محبة ، أجزاء شمس متناهية في الصغر تبحر مضيئة في الشريان ، يشتعلون ويشعلون سلالم الآلهة نجمات تضيء وحشة الاغتراب والموت المجاني وكل الأحزان القفقاسية ، كلما أصغى القلب إلى موسيقاهم .
________________________________________
اليوم ونحن نعيش القرن الحادي والعشرين الذي يتسم بوضوح شديد تجاوزه إشكاليات الزمكان وانهيار الحدود الجغرافية بين دول العالم ، وفي ظل هيمنة المفاهيم الاقتصادية عبر نظم ونظريات تعدت تماما الحدود والمكان ومفاهيم الدولة القطرية ، بالتالي يصير الوطن الأم قادرا أكثر من أي وقت مضى على احتواء كل شراكسة العالم أينما كانوا بوعي ومنطق جديد . عبر ثقافة تتكئ الرموز العظيمة التي يمتلكها وعينا للأجداد العظام كالنارتيين الذين بعد هم في كل صناديق الشراكسة شموسا مضيئة سواء أكانوا في الوطن الأم ، أم في الشتات حيث نتساوى ونتسامق هذا الولع فيهم ..
اليوم لم يعد من المبرر أبدا ترديد عبارات الشعور بالذنب لانهيارهم ، أو أنهم لم يستطيعوا الاحتفاظ بحديقة ألهة السماء ، وباتوا – أي الشراكسة المهاجرين – خارج مساحاته الضوئية .
بل بات من الأهمية بمكان الاستفادة من متغيرات العصر التي وضعتنا اليوم بمواجهة جملة حقائق يمكن تطويعها لصالح الإثنيات والعرقيات المتعددة بغية إثراء الثقافة والتنوع الحضاري الإنساني عبر تواجد شركسي فاعل ، رغم التخوفات التي تشيع بعكس ذلك ..
فمثلا من الضروري اليوم إجراء دراسات واعية عميقة لحديقة السماء بمنظور ما بعد حداثي ودراسة الإرث الأسطوري والثقافي بوعي شديد ودقيق الاختصاص للحفاظ عليه ، ولكشف المزيد من أسراره الجمالية ومحمولاته المعرفية ، ودلالاته القيمية الإنسانية ، لنشره بين كل الأوساط الثقافية عالميا ، مستفيدين من تعدد الأمكنة الجغرافية للتواجد الشركسي .
للاستفادة أيضا من أصوات ومطالب الشعوب الأخرى التي تشاركنا هم الخوف من الامحاء أو التهميش ، وذلك عبر أكبر هيئة ثقافية رسمية في العالم أي اليونسكو بأهمية الحفاظ على التعدد والتنوع الثقافي بل إحياء النائم منها لمواجهة ثقافة أحادية توغلت و تغولت بما تمتلكه من وسائل اتصال حديثة وإمساكها زمام مفاتيح القوى الاقتصادية الضاربة كل ثقافات الأمم والشعوب بهدف حماية مصالحها الخاصة مكرسة ثقافتها لخدمة غاياتها ..
وبالتالي كي لا تذوب هذه الثقافة – الاثنية والعرقية بما في ذلك الشراكسة والقفقاسيين عموما – وتمحي تماما من خريطة التنوع الثقافي العالمي وكي لا يصير الوطن الأم مجرد ملحقية تتواجد في كتابات متفرقة ، دعونا نقفز عن مقولات الشركسي لا يكون شركسيا إلا في الوطن الأم ، إلى ما هو مجد ومؤثر وفاعل عبر الاستفادة من وسائل تنوع الميديا الحديثة لتوظيفها للتقارب بين شراكسة العالم للذهاب للعالمية قدما وبفاعلية..
فنحن نلحظ إن التقاليد المطبقة بحذافيرها “الاديغة خابزة ” المتوارثة شفاهيا عبر قرون طويلة من الزمن ، لا تمجد الإنسان كفرد في حد ذاته، بل تنظر لقيمة ما يتركه من إبداع وأثر ، وهذا جوهر البشرية في حضارتها المتعاقبة للارتفاع بالخصوصية إلى مستوى عالمي . وبالتالي ما نسميه ضعفا مثل التبعثر الشركسي اليوم ، سيكون من أقوى وسائل العالمية ، بالرغبة الحقة في الأخذ والعطاء في التعارف والحوار والتلاقح, إنها طريق الأنا للتعامل مع الآخر بوصفه (أنا ثانية) طريقها إلى جعل أنا ملموسة معروفة مهمة للثانية.
هي الفرصة إذن لشراكسة الداخل في الوطن الأم والخارج في الشتات لتقديم ثقافة شركسية غنية كي تكون عالمية عوضا أن تكون فقط للداخل في الوطن الأم لا يعرفها سوى المختصون والشراكسة فقط في الخارج الذين هم في تناقص عددي لا يستهان به قياسا بأعداد سكان الشعوب الأخرى ..
وبذلك تكون لأرض النجوم معنى واعتبار، ولشعبها الذي تسبح في شرايينه خلايا أول بشر القارة الأوروبية الذين وقفوا بقامتهم يطالون قمم الجبال البيضاء النقية كأرواحهم تماما ..
بذلك ستشرق آلاف الشموس من صناديق الجدات الخشبية ليسقط رذاذ مطر مضيء بروح ستناي الأرض الجميلة ليس فقط لمن هم في الوطن فحسب بل أيضا لمن هم مثلنا باتوا بعيدين جغرافيا ولكنهم بعد ذاكرتهم ندية للغاية ، فنردد مع الشاعر الشركسي الكبير غوبجوقة ليوان:
إن أمجاد أولئك الذين قاتلوا من أجل ضوء الحياة
ستزيَّن بيارق مستقبلي إلى الأبد
________________________________________
والمستقبل ليس الأنا الشركسية بل الأنا والانا في نحن الدافئة ، وماذا قدمنا للثقافة الإنسانية ولكل من يشاركوننا الهواء على الكرة الأرضية ويتقاسمون معنا ضوء الحياة ..
استذكر مقولة للشاعر الداغستاني القفقاسي العظيم رسول حمزاتوف :
عندما يسألونك من أنت، تستطيع أن تبرز وثيقة، أو جواز سفر، يحتوي على المعلومات الأساسية، أما إذا سألوا شعباً من أنت، فإنه سيقدم علماءه، كتابه، فنانيه ، موسيقيه، رجاله كوثائق..
فماذا صنعنا كشراكسة في الداخل والخارج لسؤال كهذا ؟؟؟
وللحديث كثير من بقية
________________________________________
ستناي : المرأة الجميلة رمز الوطن والأرض لدى الشراكسة
انانا : الأم الكبرى ورمز الحكمة
نينانج : الأم الكبرى وتحديدا الجدة
حانتسة جواشا إلهة المطر ورمز المحبة باتت بسبب قوى الشر دمية خشبية
النارتيون : مقاتلون أشداء وسارقو المعرفة من السماء
ارض النجوم السبعة : بلاد القفقاس كما يسميها أهلها

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة