ثلاث قصص قصيرة

 

التصنيف : القصة (:::)
بكر السباتين* (::::)
“1”
“الزائر الغريب”
منذ زمن بعيد ولحظات التمني تتخطفها الإحاطات.. ليس معني بها الآن.. ثمة نواقيس تقدد ذاكرته وتتلاشى معها الأمنيات..
الطريق إلى صومعة العابد المتنسك تلتف حول قمة الجبل النائي.. تنقبض أنفاسه اللاهثة وهو يخوض تجربة استرداد أحلامه من جديد.. هاجمته حكايات الجدات عن الغولة التي تخطف أحلام الصغار.. وتبيت معهم في اللاوعي.. تنمو في عقولهم.. وتكتم أنفاس الحرية في حشاياهم الواجفة، حينما تخرج إليهم من الأساطير بعينيها المحمرتين اللئيمتين؛ إزاء كل قرار سيتخذه في حياته التي تنازعها الهموم..

الصومعة باتت على مقربة خطوات منه.. سيلج إلى رحابة قلب العابد الشفوق.. لم يحفل به يوماً إلا حينما خانته إرادته في مواجهة الرياح المتناوحة في شوارع وأزقة المدينة المكتظة.. قصده طمعاً في الدعاء.. سيطرق قلبه ربما يغشاه الأمان وتغمر حياته سترة العيش وكرامة الروح.

صرير الباب يفزع الصمت المطبق من حوله.. النافذة الواطئة ينخمد فيها الضوء المحبوس في الصومعة فتغرق في الدجى المدلهم.. لكن أنفاس العابد الرتيبة أخذت تبدد وحشته.. ردد في نفسه:
“أدخل.. قلب الناسك سيضيء المكان!!
فلم قصدته ما دمت متردداً في اقتحام العتمة من أجل الحصول على قبس من ضوء”.
ماذا سيفعل وهو متردد في الولوج.. ثمة رعشة استنهضت الخوف في قلبه المرتعد.. فيختطفه الظلام الدامس إلى قلب غرفة مهجورة تختال في أجوائها نسائم ضللتها كوة في الجدار وشقوق، في البوابة الخشبية، ونافذة عصت كما يبدو على الانغلاق..
” يا ألله”..
الأنفاس تتحشرج كأنها تستدرجه إلى ساحة متوارية تفضي إليها بوابة مفتوحة.. للأساطير زوابع يستنهضها الظلام .. كأنها الغيلان تقتحم عليه الغرفة.. تخيل الصومعة وكأنها مهجورة تتغافى في قلبها العفاريت والجن.. القلب لم يتسع له صدره وهو يدق كأنه سيتخلى عن جسده هارباً إلى المجهول.. وكان عقله أكثر جبناً منه وهو يكاد يقتلع نفسه من جمجمة رأسه المتصدع.. لم يعد لديه متسع للصبر والصمود.. في الوقت الذي تجمدت فيه أوصاله المتهالكة.. تسمر مكانه مرتجفاً.. تكوم منقبضاً داخل معطفه الصوفي.. فبات وكأنه مبطن بالأشواك..

“لن أسمح لقلبي الواجف بالهروب.. وهذا الدماغ الأرعن سأسد عليه كل المداخل والدروب”..

ثمة جلبة أطبقت عليه الأنفاس في الباحة المتوارية..

” لماذا التجأت إلى هذا المكان الموحش أيها الرعديد ما دمت متردداً.. غير متماسك الخطوات.. ترتعد فرائضك لمجرد وهم تفشى في المكان المغمور بالظلام.. الجدات وحكاياتهن العقيمة أكلتها الديدان في الأجداث النائية.. انهض أيها التافه.. لا تدع القلب الرعديد يتحكم بعقلك الملجم بالخوف.. أوقد النور في رأسك الأجوف.. وإلا ستشهد موتك وحيداً دون عزاء.. اجأر بصوتك عالياً.. أسمع الناسك صوتك لو كان حياً”..

أصبح عقله قنديلاً، فهجع القلب وفرت الغيلان إلى الأساطير المقبورة مع الجدات.. ونادى بأعلى الصوت.. فلم يفزعه نباح الكلب الذي قدد السكون.. فأعقبته جلبة متراخية لرجل عجوز محدودب الظهر.. اشتعل الشيب بلحيته الكثة الغبراء.. كانت ملامحه قد تبدت عل ضوء قنديل أشعله للتو.. والكلب الذي انفلت بالنباح هجع هو الآخر بحركة من يد الرجل العجوز المتهالك..

” أهلاً بك يا ولدي.. الصومعة ستتسع لكلينا حتى يطلع علينا النهار”..

دار العجوز حول نفسه وهو يهيئ سجادة الصلاة لمتابعة التجلي والهيام في ملكوت الله بالصلاة المفتوحة على المدى بالدعاء.. كان قلبه يدق برتابة.. وأنفاسه تتهدج مع الدعاء المتواصل.. فيما كان الزائر يكابد إرهاصات الولادة والانبعاث.. متلفع بغموض الأسباب التي دعته لزيارة رجل أهمل الحياة لأجل آخرته..

” أخرج أيها الخوف الذي تشاركني دمي وحسائي.. وتتنفس برئتي.. ويطربك خفقان قلبي والتجام عقلي.. سأبيت في العراء مماحكاً الغيلان التي طوتها الحكايات العتيقة بعيداً عن حياتي.. سأواجه الدنيا بصرختي الأولى ؛ كأنني ولدت من رحم هذه اللحظة.. سأبيت مع هذا الناسك حتى الصباح.. سأواظب على زيارته كلما تسللت الغيلان إلى حديقة بيتي.. ورافقتني في زحام المدينة التي لها مخالب وأنياب..كي أتعلم منه الصبر على مكابدة الحياة بهدوء الواثق المؤمن”

.. ولأول مرة يشعر بقلبه الذي خفق ضاحكاً.. ولولا جلالة الموقف الذي أشغله الناسك بالدعاء لقهقه عالياً.. لكنه سيباغت الوادي صباحاً بضحكاته المجلجلة وهو ينحدر إليه من قمة الجبل مودعاً الناسك في صومعته؛ فيتجاوزه راكضاً إلى دروب المدينة المتوارية خلف الجبال..

“2”
“زمن القرف”
في زمن القرف.. يحدث ذلك:
بجرة قلم
“أنت مفصول “!!
“والأسباب”!!!
مفصول وكفى!!
ضحك الموظف المقتول وهو يسعل بشدة..
” سأبحث لنفسي عن قبر ألوذ إليه”!!
– هل قلت شيئاً!!
لم ينتظر جواباً.. فقد انشغل بالرد على مكالمة زوجته.. مؤكداًً:
“السياحة في تركيا أجمل”..
في زمن القرف يحدث كل شئ!

“3”
“العامل والمساء”
تقاطرت حبات العرق على جبينه.. انغمست بدموع الشقاء التي غافلت عينيه الغائرتين.. تمازج فيهما الوجع مع الأمل المرتجى.. طال مسيرهما عبر تجاعيد وجهه الملوح بأشعة الشمس الساطعة.. فاضت بهما غمازتا ابتسامة جففها الضنك والعوز.. بللتا شفتيه المتشققتين من الظمأ.. فأسرفتا في تبليل ريقه.. ثم تقاطرت آخرهما لتسقط على التراب.. فسكن الكون في لحيظات تبجيلاً بالعامل الذي يجر خطاه المتثاقلة إلى خيمته في منافي الشقاء.. وفي جيبه نقود مبللة بالعرق الساخن.. وعلى هامته ترتفع السماء..
_______________
*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة