الثورة الزراعية في العراق القديم

 

التصنيف : دراسات (:::)
حسن الوزني – العراق (:::)
اختلـف علمـاء الآثـار وتناقضت بحوثهـم الأثرية حـول مسألة اكتشاف الإنسـان للزراعة للمـرة الأولى فـي التاريخ ، ثم اتفقوا علـى أن الإنسان العراقي القديم مـر أوعاصر أنماط معاشيـه مختلفـة في عصور ما  قبل
التاريخ وهو في بداية تنازعه من اجل البقاء حياً على هذه الأرض وبيئتها القاسية فبـدء بمرحلة جمع القوت
ثم تحول إلى مرحلة القنص والصيد  للطيور والحيوانات الوحشية ، ثم  توصل إلى  مرحلة الرعي  البري، وعندما أراد استغـلال المياه العذبة المتدفقـة في نهري دجلة والفـرات والمسطحات المائية التابعة له قبل أن تذهب سدىً إلى الخليج ، اهتدى إلى اكتشاف الزراعـة فغيرت حياته و نمط معيشته وفكرة و وعملة …
عـصر ما قبـل الزراعـة :
منذ بداية وجود الإنسان على وجه الأرض بدء باستثمار هبات الطبيعة ولكن بطريقته البدائيـة المتواضعة ، فكما قلـنا أنـة اعتمـد في غذائـه على القنص والصيد فيصطاد في الغالب الغـزلان والثيران الوحشية وكذلك الماعز والأغنام الوحشية (1) كان أيضا ًيقـتات إلى جمـع بعض الثمـار والجـذور والإعشـاب البرية ويأكـل الحبوب البريـة كحبوب الـذرة والقمـح وكانـت له دراية بأنـواع النباتات الطبيعيـة . وبعـد أن تكاثر السكـان وتضاعفت أعدادهـم أصبح هذا العمـل لا يكفيـه و لا يسـد رمقه ، وعملا ًبمبـدأ تنازعـه من اجل البقاء فقـام بتدجـيـن بعـض الحيوانات وتربيتهـا لغرض إكثارهـا ، فأخـذ يربـي الماعـز والأغنـام بقصد الاستفـادة مـن لحومها وجلودهـا وحلبيها ، ثم عـرف مواطن الرعي لهـذه الحيوانات فسمي هذا العصر بعصر الرعـي …
عـصر الثـروة الزراعيـة :
توصل الإنسان العراقي إلى اكتشاف الزراعة للمرة الأولى في حدود الألف التاسع ق.م ،أي في فترة أواخر
العصـر الحجـري  الوسيـط  ( الميسوليتيك) وسمي بعصر الزراعـة البدائيـة حيـث ظهـرت البوادر الأولـى للزراعة التدريجيـة المحدودة .. ومثـل ذلك أول ثورة اقتصادية قـام بهـا الإنسان حيـث انتقـل بواسطتها مـن حيـاة جمع القـوت إلـى حيـاة أنتاج القـوت ، وكانت الزراعـة فـي بدايـة مراحلهـا بسيطة وشبة منتقلة تعتمـد على خصوبة التربة وعلى مياه الإمطار (2) .
وكان من الطبيعي أن يختلف الباحثون حول المكان الأول الذي ظهرت فيه الزراعة ، فذهب قسم منهم إلى أن ظهـور الزراعة بـدء في شمـال العراق حيـث المطـر الوفير والمنـاخ البارد اللـذان يساعـدان علـى نمـو الزراعة الطبيعية ، وقسـم أخر ذهـب إلى أن كون الزراعة ظهـرت أول مرة في منطقة الاهوار في جنـوب العراق حيت المسطحات المائية والجو الملائم للزراعة (3) .
وعلى العموم فأن الثـورة الزراعية المتكاملـة في العصر الحجـري الحديث فيما بعـد أصبحت هي من أكثـر التحولات الاقتصادية والاجتماعيـة أهمية في تاريخ تطورات المجتمع البشري القديم ، حيث ظهر الاقتصاد المنتـج المعتمـد على تربيـة الحيوانـات وزراعة النباتـات وقـد تطورت الزراعة بشكل ملفـت للنظر بحـدود الإلف الثامن ق.م (4) وفي هذه العصور كان عمل الزراعة مقدسا ً، وعلى المزارعين أثناء حرثهم للحقـول وتجميع المحاصيل أن يكونوا فـي حالة نقاء روحي ، وحيـن شاهـدوا المزارعـون نـزول البذور إلى أعماق
الأرض ولا حظـوا اختراقهـا للظلمـات لتجلـب بشكـل مدهــش أشكال حيـاة جديـدة ، أدركوا أن هـنـاك قـوة خفـية تعمـل ، وكـان المحصول بمثابة تجل وظهور للطاقة الإلهية (5) فادى إلى ظهور عبادة آلهة الزراعة
ظهـور القـرى الزراعيـة :
ومن نتائـج وإرهاصات الثـورة الزراعيـة تكونت القـرى الزراعية بالتدريـج ، مع ظهور العصر الحجـري الحديث حتى سمي بعصر الثورة الزراعية وكان هذا الانقلاب الاقتصادي الخطيـر في حدود  الإلف الثامـن  أو السابـع ق.م . وفـي شمال العراق تحديـدا ًتـم العثـور على مستوطنات قديمة ظهـرت فيها البوادر الأولـى للزراعـة وتدجيـن الحيوانات ، مـثل قرى ( زاوي ـ جمي )  و ( كريم ـ شهر )  و ( ملفعات ) وتعتبـر قرية
( جرمو ) التي تبعـد عـن جمجمال بنحـو 11 كم و عن كركوك بنحو 35 كم أقـدم مستوطن زراعي فلاحي في العراق والشـرق الأدنـى ، واكتشـف في هـذه القرية أمـور مهمة من الناحيـة الزراعية مثـل العثور على كميـات من القمـح والشعير البـري و العـدس والحمـص وكميـات مـن الحبوب المكربنـة على هيئـة الفحـم ، وظهور نظام اقتصادي جديـد يعتمـد على الاكتفاء الذاتـي أي أن كـل عائلـة فلاحيه كانت تنتج قوتها بنفسهـا وتصنع أدواتها البدائيـة المحدودة (6) . واكتشف أيضا ًمجموعـة من المجـارش والرحى المستخدمة لطحـن الحبـوب ، وتنانير لعمل وصناعة الخبز ويعـود تاريخ قرية جرمو إلى سنة 6700 ق.م .
ومع مجـيء العصر الحجري المعدنـي في حـدود 5600 أو 5000 ق.م اتسعـت الزراعة وانتشرت بشكـل سريع وكان ذلك سبباً رئيساً في نشوء قرى جديدة تطورت تدريجياً إلى مـدن أو قرى كبيرة عرفـت تاريخياً
فيما بعد باسم عصر دور حسونة في الموصل ، ودور حلف في المثلث  العراقي السوري ،ودور سامـراء .
وفي  زمـن هـذه الأدوار الحضارية تمتـع الإنسان  بالاكتفاء الذاتي من ناحيـة الإنتاج الزراعي كما قلـنا و
أصبح الفلاحون يتبادلون الفائض من أنتاج محاصيلهم الحقلية بالسلع والحاجات الضرورية لحياتهم اليومية
وفي  الإلف  الخامس ق.م  انتقلت  الزراعة إلى  السهل الرسوبي  في وسـط وجنوب العراق حيـث الأرض الخصبة الواسعة الإرجاء سهلـت الزراعة وظهـرت عليها مستوطنات عديدة كانت من أهم مراكـز حضارة العراق القديـم ، وعـثر على أقـدم معالـم الاستيطان في بقايـا مدينة اريدو والوركاء فيـما يسمـى بعصر دور
العبيد الأول (7) وكان العبيديين أول من استخدموا الزراعة المعتمدة على الري في جنوب وادي الرافدين .
عصر الحضارات الزراعية :
كانت الزراعـة والـري أساسـا ًلكـل الحضارات البشريـة القديمة ، ولذلك أطلقت المقولة الشهيرة أينما وجـد الـزرع والمـاء نشـأت الحضارة على ضفافهـا . وقد ساهمت الثـورة الزراعية في خلـق تحولات اقتصاديـة واجتماعيـة ومعاشيـه ذات أهمـيـة قصوى في تاريخ  تطـور المجتمـع البشري ، وبمـرور الزمـن استوطـن
السومريون جنوب العراق في الإلف الربع ق.م وفي البداية استوطنوا بالقرب من الاهـوار، قام السومريون بطريقـة الزراعـة في السهـول التي تعتمد علـى شـق جداول مـن نهـر الفرات وإيصال الميـاه إلى الأراضي الزراعية وقاموا بتنظيم الـري وإنشاء السدود والبزول ونمـى علم الـري عند السومريون جنبا إلى جنب مع الحضارة وقـد مارسـوا الزراعة بخبـرة ومهـارة فكانـت أهـم زراعتهـم الحنطة والشعيـر وقـد تعلموا كيـف يخزنون الغلال ويستغلونها في تنمية اقتصادهم وتربية مواشيهم ، وكان التمر والشعير قوام غذاء القوم (8)
كما أتقـن السومريون عـدة أساليب في زراعة الحبـوب وفـن البستنـة ومنها أصول غـرس النخيـل وتنميتهـا
والعراق أقدم موطن وجدت فيه النخيل أن لم يكن موطنة الأصلي لذا كانوا يقدسون النخلة وقد أتقنوا الطرق
الناجحة في زراعتها وكانوا أول من مارس تلقيحها ،وقد كان لاختراع المحراث اثر بارز في تقدم الزراعة
وقد اتخذه السومريون شعارا ًمن شعاراتهم المقدسـة المقرونة بالإلهة و خصوصا إلهة ( باو) إلهة الزراعـة
وهـي أنثى ومـن بعـد الآلة ( لهـار ) آلة القطعـان والحظيـرة . وكانـت تجـري في بدايـة موسـم الحراثة من كل سنة مراسيـم دينـية تقليديـة يقوم بها كهنـة المعابـد والحكام وذلك التماسا ًمن الإلهـة بان يجعلـوا الموسـم الزراعي الجديد مقرونا بالخير والبركة (9) .
أما الاكديون فقد استوطنوا في أخصب بقعة زراعية في وسط بلاد الرافدين بين نهري دجلة والفرات نزولا
إلى منطقة الاهوار فأستغل المزارع العراقي زراعة هذه المنطقة بأنـواع مختلفـة من الأشجار و المحاصيل الزراعية والحبوب الغذائية الحقلية التي يعتمد فيها على غذائه اليومي .
وفي العصر الأشـوري اشتهـر الملك سنحاريب ( 705 ـ 681 ق.م ) الـذي كـان مولعـا ًبالبستنة والتشجيـر وشغوفا بالطبيعة والرياض والمنتزهات ، وانشـأ رياضا وحدائق واسعة حـول عاصمته نينوى وغرس فيها أنواع من الأشجار والكروم التي جلبها معـه في حملاته الحربية الكثيرة فـي البلدان ، وقد عبر عن ارتياحـه لذلك وقال 🙁 وبقدرة الإلهة أصبحت الكروم والسرو والإعشاب تزهو في تلك الحدائق أكثر مما كانت عليـة في موطنها الأصلي ونما التوت وغيرة و الأشجار بكثرة وتفرع ) . ولقد زرع في حقوله شجـرة القطن بعد أن استجلبها من بلاد الهند ( وهي الشجرة التي حملت الصوف فجـزوا ذلك الصوف ومشطـروة ( حلجوه ) واتخذوا منة الملابس ) (10)  فان سنحاريب أول من ادخل زراعة القطن إلى العراق في الألف الأول ق.م
وأما البابليون  فقد كانـت مزروعاتهم الغذائيـة الرئيسية في الأراضي المرويـة هي الشعـير والتمور والثـوم
الذي يشكل الغذاء الرئيس للسكان والحنطة والقمح الرومـي ومختلف الخضار من العـدس والبصل والخـس
والباقلاء والخيار والفاصوليا  وكذلك الفواكه مثل التفاح والرمان واللوز والتين والعنب والخوخ والسفرجل
وكانت حراثـة الأرض للبذار تبـدأ في تشرين الثاني مع موسـم الإمطـار ، وكانت الحقول البابلية تخلوا مـن الدغل والطفيليات فما كاد الدغل يخرج حتى يبادر الفلاحون بقطعة مرتين ومن ثم يسحقونه بالماشية وهكذا كي تظهر البراعم وتنمو إلى سنابل ولا تتعفن وهي خضراء (11) .
ومن أشهـر الإعمال التي أنجزت في عهـد نبوخذنصر الجنائن المعلقة التي أقيمـت في بابل والتي عـدت في جملة عجائب الدنيا السبع وكانت على هيئة سطـوح قائمة بعضها فوق بعض وكلهـا قائمة على عمد وعقـود ضخمة ، وكانـت هـذه الحدائـق مربعة الشكل ، وكان الماء يصعد أليها بواسطـة آلات ترفع الماء من ثلاثـة أبار أو من النهر ، وتسقي المزروعات والأشجار والورود و البساتيـن والحدائق جميعها .
وهذه الجنائن أثبتت قدرة الفلاح العراقي على خلق العجائب من خلال خبرتـه الزراعية المتراكمة وفنونـه .
الزراعـة فـي الوثائـق والتشريعـات والقوانيـن :
عثرت بعثة تنقيبات جامعة شيكاغو عام 1950 في خرائب مدينة نفر ، على ثمانيـة ألواح وكسر من ألـواح منقوشة بأجزاء مختلفة تمثل كتاب خاص عرف بـ ( مبادئ الزراعة ) وعثرت أيضا ًعلى وثيقـة تتكون من 108 سطر مكتوبـة على رقم طينـي تشتمل علـى جملـة نصائح وإرشادات موجهـة مـن فلاح لابنـة ، بغيـة ارشادة في شؤون زراعته السنوية ويبـدأ كتاب ( مبادئ الزراعة ) السومـري بالسطر القائل : فـي ألازمان القديمة زود فلاح ابنة بهذه الإرشادات . ويهتم هـذا الكتاب بالأعمـال الزراعية اليوميـة والهدف منـا ضمان المحصول الوفير ونصائح متعلقة بأعمال الري  (12) ويعـد هـذا أول دليل في مبـادئ الفلاحة في التاريـخ .  وتم العثور أيضا على تقويم زراعي أخر في مدينة  نيبور السومرية .
وتميز تاريخ العراق القديم بوجود تشريعات وقوانين سنها ملوك وحكام العراق القديم لينظموا حياة شعوبهم
ويوطدوا حكمهم بالنظام والقانون ، ومن الطبيعـي أن هذه القوانين اهتمـت بالجانب الزراعي بشكل ملحوظ
لنتناول بعض من هذه التشريعات :
جاء في  شريعة اورنمو ( 2112 ـ 2095 ق.م )  مواد تختص بالزراعة وهي :
1 ـ من اقتحم حقلا مزروعا ًفأفسده ، فعلية أن يعوض صاحبة  بقيمة ما أفسده .
2 ـ ومن اغرق حقلا عامدا عوض صاحبة بثلاثة كور من الشعير عن كل أكـو من الأرض.
3 ـ ومن استأجر أرضا لزراعتها فأهمله وأصبحت بورا، عوض صاحبها بثلاثة كور من الشعير .
وجاء في تشريع مدينة اشنونا في ديالى الذي سن بين الأعوام ( 1900 ـ 1850 ق.م ) ونص على ما يلي :
مجموعة من القوانين اهتمت بتحديد أسعار الأقـوات الضرورية مثل الزيـت والملح والشعير فسعرت كـور
الشعير يعادل 300  لتر بشاقـل فضة ، وسعـرت  ثلاثة ( قا ) من الزيت الجيد بشاقـل  فضة وكوري الملح  بشاقل فضة ، و ( القا ) من زيت السمسم  بثلاثة سيـات من الشعيـر ،  والـخ …
واعتبـرت هـذه التسعيـرة هـي تسعيـرة الدولـة وتسـري على جميـع  المـدن التابعـة لمملكـة اشنونا  آنـذاك .
وجـاء فـي شريعـة حامورابي الشهيـرة والتي احتـوت على (282 ) مـادة قانونيـة . حيث كانت المـواد مـن  42  إلى 100 ، تتعلق بشـؤون الحقـل والبستـان والبيـت . ولنذكـر بعـض  مـن المـواد على سبيل المثـال .
المادة 52 تقول :  إذا لـم ينتج الفـلاح المستأجـر حبوبـا ًأو سمسما ًفي الحقل فلا يجـوز لـه إن يغـير عقـدة .
المادة 59 تقول : أذا سيد قطع شجرة من بستان سيد  أخر بلا موافقة صاحب البستان  فعلية إن يدفـع نصف مانا من الفضة .
المادة 61 تقول  : أذا لـم يـزرع  البستاني كـل الحقـل فتـرك قطعة بـوارا فعليهـم إن يحسبـوا القطعة البـوار
ضمن نصيبه .
المادة : 64 تقول : أذا أعطـى سيـد بستانـه لبستاني لإدارتهـا فعلـى البستانـي إن يعـطي مالك البستـان ثلـثي محصـول البستـان  أجـرة للبستـان طـوال المـدة التـي يحتـفـظ فيهـا بالبستـان ويـأخـذ لنـفسـه الثلـث  (13) .
وبهذا نلاحـظ إن جميـع التشريعـات والقوانيـن التي سنـت في العراق القديـم أكـدت على الاهتمـام بالزراعة
وإكثار الزرع وفرضت عقوبات جمـة على كل من تسـول نفسه على تخريب الزرع  أو إهمالهـا أو تركهـا
عـصـر الـتـدهـور الـزراعـي :
كما لاحظنا فأن العراق بلد زراعي من الدرجة الأولى بحكم أرضة الفيضية الرخوة ونهراه العظيمين دجلـة
والفرات والاهوار والبحيرات المتصلة بهما ،وهذه ميزة فريدة تميزت بها بلاد الرافدين ومنذ أقـدم العصور
وجاء في الكـتاب المقـدس : ( وكان يخرج من عـدن نهر فيسقـي الجنة ، ويتشعب من هنـاك فيصير أربعـة انهار ، واسم النهر الثالث دجلة ، ويجري في شرق أشور ، والنهر الرابع هو الفرات ) (14) .
يقول الأستاذ ويليم ويلكوكس أني عثرت على مكانين يتوفر فيهما شـروط جنة عدن المذكورة في التـوراة :
احدهما منطقة الشلالات الواقعة بين عانة وهيت وقد قررت أن هذه المنطقة كانت محلا ًلجنة عدن الساميـة أو الاكدية ، والثانيـة هـي منطقة الاهـوار التي تبـدأ قـرب خرائب أور الكلدانيين وقـد ذهبت إلى أنها كانـت
محلا ًلجنة عـدن السومريين وقـد توصلت إلى تعييـن مكان هذه  الجنة الأخيـرة بعد تجـوال  طويـل في تلك المـنـطـقـة مستـرشـدا بالألـواح البـابلـية للخـلـيقـة والخرائـط التـي تبـيـن مسـتويـات الأراضـي هـنـاك (15)
وفي العصور الإسلامية افتتح العـرب العراق في عهد عمر بن الخطاب وأطلقوا علية تسمية ارض السـواد
بسبب سوادها بالزروع والنخيل والأشجار وقسم ابن خرداذبة مناطق السواد إلى ثلاثة مناطق :
الأولى مناطق شرق نهر دجلة والنهروان ، والثانية جنوب العراق إلى الخليج ، والثالثة هي أوسع المناطـق
وتقع بين النهرين من الانبار على الفرات و الدور على دجلة إلى البطيحة في الجنوب .
وأصبح العراق البلد الزراعي الأول في الجزيـرة العربية عند المسلميـن  وان اقتصادياته كانت تعتمـد على الزراعـة بالدرجـة الأولى واعتبـر الفاتحـون العرب ارض العـراق ملكـا ًمشتركا للأمـة الإسلاميـة وارض السواد بمثابة وقف لهم .. وبعد مرور هذه العصور الطويلة مـن الازدهار والخضار في العراق بـدء عصر
التدهور الزراعي ، وترجع  جذور هذا  التدهـور إلى عهـد العصر العباسي الثاني حيث تقلص نفـوذ الدولة
العباسية الأمر الذي أدى إلى انحطاط نظام الري في البلد كلـه ، وسبـب في انخفاض قابليـة أنتاج الأراضي الزراعية في ارض السواد فهبط الإنتاج إلى الثلث في ظرف مائتي عام (16)
ويحدد هذا الانهيـار الكبيـر تدريجيا ًمـن عصر الفتـح الإسلامي فـي عهـد خلافـة عمر بن الخطاب مـرورا ً
بأمارة عبيد اللة بن زياد ثـم أيام الحجاج بن يوسـف الثقفي ثم أيام خلافـة عمر بن عبد العزيز ثم أيام خلافـة
المعتصم والمستعين ،وجميع هؤلاء الحكام لم يولوا أي اهتمام بالزرع والزراعة في العراق ، وكان ختامها مسك بعد تلك العصور والقـرون المزدهـرة بالزراعة والري وما حققـه الإنسـان العراقـي القديـم مـن جعـل بـلاد الرافديـن البلـد الأول زراعيـا ًفـي العالـم القديـم ، حتى جـاءت خلافـة المقتـدر باللة العبـاسي ( 908 ـ 932 م ) فكانت بمثابة الانهيـار القاتـل للزراعة العراقيـة ، ووصل الانهيـار  قمته في عهد  الغزو المغولي واستمر إلى يومنا هذا …
ولحد ألان لم نرى أي تقدم للزراعة العراقية بل بدأنا ندخل إلى مرحلة التصحر والجفاف وشحه المياه ، لذا فلنترحم على الزراعة في العراق ونبقى نتذكر الماضي الزاهر فقط …
حسن الوزني
باحث وشاعر عراقي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والمصادر:
1 ـ تاريخ حضارة وادي الرافدين ج1 / د.احمد سوسة / دار الحرية بغداد 1986 / ص 105 .
2 ـ العراق في التاريخ / مجوعة مؤلفين / دار الحرية بغداد 1983 / ص 194 .
3 ـ احمد سوسة / المصدر السابق / ص 107 .
4 ـ عصور قبل التاريخ / د. تقي الدباغ و د. وليد الجادر / مطبعة جامعة بغداد 1983 / ص 134 .
5 ـ تاريخ الأسطورة / كارين أرمسترونغ / الدار العربية للعلوم الناشرون 2008 / ص 42 .
6 ـ مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ج1 / طه باقر / دار الوراق لندن 2009 / ص 218 و ص 220 .
7 ـ احمد سوسة / المصدر السابق / ص 108 ـ ص 135 .
8 ـ احمد سوسة / المصدر السابق / ص 422 .
9 ـ احمد سوسة / المصدر السابق / ص 463 .
10 ـ احمد سوسة / المصدر السابق ج2 / ص 98 .
11 ـ أسرار بابل / ف . أ . بيلافسكي /  دار المأمون بغداد 2008 / ص 124 .
12 ـ من ألواح سومر / صموئيل نوح كريمر / ترجمة طه باقر / طبعة مؤسسة فرانكلين / ص 139 .
13 ـ شريعة حمُورابي / ترجمة محمود ألامين / دار الوراق لندن 2007 / ص 28 .
14 ـ الكتاب المقدس / سفر التكوين / الإصحاح الثاني ، 10 ــ 15 .
15 ـ جنة عدن / ويليم ويلكوكس / ترجمة د. محمد الهاشمي / دار الوراق لندن 2006 / ص 39 .
16 ـ احمد سوسة / المصدر السابق ج2 / ص 246 ــ ص 250 .

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة