الاعتزاز بالحسب والنسب.. درة مفاخر العرب!!

 
التصنيف : فن وثقافة (:::)
طلال قديح *- السعودية (:::)
ظل العرب عبر تاريخهم، وفي كل العصور، يعتزون بالحسب والنسب، وهذا أمر لا تهاون ولا تفريط فيه، يرقى إلى مرتبة القداسة، فلا يجرؤ أحد على المساس به، أو التعرض له بأية وسيلة، وإلا فالحرب  والعداوة التي قد تمتد أجيالا، فقد تهدأ أحيانا، ولكنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.

الفخر بالحسب والنسب من أهم سمات العرب، ومن أخص خصائصهم..لذا وجدنا أن الشعروهو ديوان العرب، قد سجل لنا ، منذ العصر الجاهلي، ومرورا بما تلاه من العصور- غرر القصائد التي سجلت ما كان عليه هذا الاعتزاز، وما وصل إليه.
إن أغراض الشعر العربي، وأهمها: الفخر والمديح ونقيضه الهجاء والرثاء، كلها تدور في حلقة الحسب والنسب، وهو ما يعكس جلياً ما كانت عليه الحياة الاجتماعية آنذاك.

عاش العرب في شبه الجزيرة العربية، في الصحراء الجرداء، فلا ظل ولا خضرة ولا ماء.. وأحيانا في كنف الجبال وما تعكسه من الوعورة.،.كل هذه الطبيعة قد خلعت خصائصها على سكانها، وطبعتهم بطابعها الخاص الذي أهلهم لأن يتكيفوا معها ليعيشوا حياتهم..فلا خيار آخر أمامهم.

ومن هنا كان الارتحال ديدن القبائل العربية، فلامفر من تتبع الخضرة والماء وهي متغيرة دوماً، لا يستقر على حال لها شان.. فقد يكون هناك جدب يهلك الزرع والضرع، وقحط يضر البلاد والعباد.. وقد تمطر السماء بغزارة فتسيل الأودية وتخضر الأرض، وينعم بها الحيوان والإنسان.

ومن مفاخر العرب الاعتزاز بالقبيلة والأب والخال والعم، ويمدح المرء بأنه معمٌّ مخولُ، أي جمع المجد من طرفيه..
ولحكمة بالغة اصطفى الله سبحانه وتعالى، النبي محمداً صلى الله عليه وسلم، من قريش أعظم القبائل العربية ،  جده عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف، ذروة الحسب والنسب، وبهذا فخر الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بقوله: أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب. وقال : أنا أفصح العرب ، بيد أني من قريش.
وكان الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، يقول إذا رأى الصحابي سعد بن أبي وقاص: هذا خالي ، فليرني امرؤ خاله!!
وفي العصر الجاهلي كان للاعتزاز بالحسب والنسب ، شأن بلغ الذروة..فالشعراء والخطباء في أسواقهم ..المربد وعكاظ يتبارون في الفخر بقبائلهم وأمجادهم..فهذا عمرو بن كلثوم يقول:

لنا الدنيا ومن أضحى عليها  ونبطش حين نبطش قادرينا
إذا بلغ الفطام لنا رضيع   تخر له الجبابر ساجدينا
وتقول الخنساء : وإن صخراً لحامينا وسيدنا   وإن صخراً إذا نشتوا لنحار
وفي نقائض جرير والفرزدق بلغ الفخر بالحسب والنسب ذروته، وكان هناك سجال بينهما أثرى الشعر العربي، وزاده التصاقا بالواقع المعاش آنذاك.حتى قال الشاعر:
ذهب الفرزدق بالفخار وإنما   حلو الكلام ومرُّه لجرير
قال الفرزدق:  أولئك آبائي فجئني بمثلهم  إذا جمعتنا يا جرير المجامع
فأجابه جرير: هذا ابن عمي في دمشق خليفة   لو شئت ساقكم إليّ قطينا
فغضب الخليفة عبدالملك بن مروان لهذا وقال: والله ما زاد ابن الفاعلة ، إلا أن جعلني شرطياً له! ولله لو قال: لو شاء لسقتهم إليه.
تعدى جرير حدوده ، وتجاوز الخطوط الحمر، ليجعل من نفسه سيداً آمراً، والخليفة عبداً مأموراً!
وقال جرير:  وكنتم لنا الأتباع في كل موقف  وريش الذنابى تابع للقوادم

وقال أيضاً مفتخراً:
ومنا رسول الله حقاً ولم يزل   لنا بطن بطحاوي مِنىً وقبابها
وإن لنا نجداً وغور تهامة    نسوق جبال العز شماً هضابها

ورد الفرزدق قائلاً:
ومنا الذي لا ينطق الناس عنده   ولكن هو المستأذن المتصرف
إذا هبط الناس المحصّب من منى  عشية يوم النحر من حيث عرّفوا
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا  وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
وقال: فواعجباً حتى كليب تسبني  كأن أباها نهشل أو مجاشع

وقال في مدح زين العابدين:
وليس قولك من هذا بضائره  العرب تعرف من أنكرت والعجم  هذا الذي تعرف البطحاء وطأته  والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم  هذا التقيّ النقيّ الطاهرُ العلمُ
ما قال لا قطّ إلا في تشهده   لولا التشهد كانت لاؤه نعمُ

وقال جرير معرّضاً بوضاعة النسب لدى خصمه :
فغض الطرف إنك من نمير  فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وإنك لو لقيت عبيد تيم    وتيماً، قلت: أيهم العبيد؟
وقال: ملكنا فكان العفو منا سجية  فلما ملكتم سال بالدم أبطح

وقال آخر معتزاً بنسبه:
قيس أبو الأشعث بطريق اليمن  لا يسأل السائل عنه: ابن من؟
فهو أشهر من أن يُعرّف، وسارت بذكره الركبان.

وقال مهيار الديلمي:
لا تخالي نسباً يخفضني   أنا من يرضيكِ عند النسب
وها هو أبو فراس الحمداني يخاطب سيف الدولة، معاتباً:

أتنكر أني شكوت الزمان   وأني عتبتك فيمن عتب؟
ومن أين ينكرني الأبعدون   أمن نقص جد أم من نقص أب؟
ألستُ وإياك من أسرة   وبيني وبينك عرق النسب؟

ولم يذهب شعراء العصر الحديث بعيداً عن أسلافهم، فاقتفوا أثرهم، ونهجوا نهجهم..وهاهو الشاعر السعودي محمد بن عثيمين يمدح الملك عبد العزيز، مشيدا بحسبه ونسبه وإنجازاته، فيقول:

وليس يبني العلا إلا ندى ووغى  هما المعارج للأسنى من الرتب
ومشمعل أخو عزم يشيعه    قلب صروم إذا ما هم لم يهب
ذاك الإمام الذي كادت عزائمه   تسمو به فوق هام النسر والقطب
ليث الليوث أخو الهيجاء مضرمها  السيد المنجب بن السادة النجب
قوم هم زينة الدنيا وبهجتها   وهم لها عمد ممدودة الطنب

ولعل فيما أثبتناه من النصوص ما يدل دلالة واضحة أن العرب أمة مجيدة ، لها مناقب فريدة ، وخصال تميزها عن غيرها من الأمم، تؤهلها للقيادة والسيادة ، ويكفيها فخراً أن الله سبحانه وتعالى رسّخ هذه القيم الفاضلة وعززها بأن اختار منها خاتم الأنبياء والرسل ، محمداً بن عبد الله “صلى الله عليه وسلم”، الذي بلّغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة.. وأنزل الله القرآن الكريم بلسانها ،” إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون”.. وجعل البيت الحرام في أرضها ، قبلة المسلمين في صلاتهم وحجهم، ومهوى أفئدتهم. وهذا شرف عظيم أي شرف! وسؤدد خالد على مر العصور لا ينافسه سؤدد.
•كاتب ومفكر عربي

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة