بطركية الروم وخطة تجنيد المسيحيين لجيش الاحتلال

 
التصنيف : فلسطين (:::)
نبيل عودة – فلسطين المحتلة (:::)
*ما يجري ضد المسيحيين هو مأساة للعالم العربي اولا قبل ان يكون مأساة للمسيحيين والرد ليس بالتجند – الانتحار في جيش الاحتلال الاسرائيلي* قال جمال عبد الناصر في خطاب الوحدة من دمشق ما معناه “ان ما يربطني بالمسيحي اللبناني اكثر الف مرة مما يربطني بالمسلم الباكستاني*
*****
مسألة تجنيد المسيحيين ، او بمعناه  السياسي دق اسفين الفصل بين الأقلية العربية الفلسطينية داخل اسرائيل من جهة وبينها وبين العالم العربي من الجهة ألأخرى هو نهج ليس جديدا بأهدافه، انما بتوقيته.
المسيحيون العرب تميزوا عبر تاريخهم بمواقفهم الوطنية، وبكونهم الأقلية التي ساهمت بدور كبير في تعزيز الهوية القومية على حساب أي هوية فئوية أُخرى، ويواصلون هذا الدور بوعي كامل منهم ان لا مستقبل للعالم العربي، لا مستقبل لطوائفه، سوية او كل طائفة على حدة، بدون تعزيز الهوية الوطنية والتكامل الاجتماعي وجعل الهوية الوطنية نقطة انطلاق مركزية.
المساهمة الوطنية للمسيحيين العرب لم تكن تنظيرية فقط، انما نضالية، تنظيمية، فكرية، ثقافية، فنية، تعليمية، تربوية واعلامية ساهمت  بدور اجتماعي وطني تربوي وثقافي متميز، احتل الصدارة في العالم العربي، بانشاء الصحف والمجلات وقيادة حركة تنوير عربية قكرية ثقافية وقومية. لا يمكن تأريخ الفكر القومي والثقافي التنويري العربي اليوم، دون ادراج الدور المسيحي العربي برأس القائمة.
حتى على المستوى اللغوي ساهم الأدباء المسيحيون العرب بدور بالغ الأهمية في تطوير اللغة العربية ومفرداتها الحديثة، يكفي ان اشير لأدباء المهجر ولفارس الشدياق وغيره على دورهم الثقافي واللغوي والتنويري الهائل، ليس سرا أيضا ان الآباء اليسوعيين في لبنان لعبوا دورا كبيرا في انقاذ اللغة العربية من التتريك  وفي ادخال اول مطبعة للعالم العربي.
قائمة الانجازات والدور السياسي والفكري للمسيحيين العرب طويلة للغاية ولا اكتب ذلك من منطلق ديني، بل للتأكيد ان من كان لهم هذا الدور التاريخي المميز لن يسقطهم الفكر الصهيوني العنصري في خانة الانفصال عن شعبهم بكل طوائفه وعلى رأسها الطائفة الاسلامية، التي نرى بها قوة وطنية عربية بالمقام الأول، لا قيام بدونهم لعالم عربي متطور ومؤثر على الواقع الدولي.
لا اتجاهل الواقع المقلق للمسيحيين العرب في ظل انتشار المد الطائفي الأصولي، لا نربط اطلاقا بين الاسلام وبين التطرف او الإرهاب ، الارهاب لا طائفة له، الإرهاب لا دين له، الإرهاب لا قومية له، الإرهاب هو نتاج اجتماعي سياسي ثقافي لواقع عربي مؤلم، يرى العالم يتقدم حوله وهو غارق تحت سيطرة جماعات الفكر الماضوي وأنظمة استبدادية سحقت الحقوق الأساسية لٌلمواطن العربي ان كان مسيحيا او مسلما ، سخرت الدين أيضا لخدمتها، أنشأت أجهزة مخابرات متعددة الأشكال والأسماء، الوظائف الأساسية لها صيانة أنظمة الاستبداد والحفاظ على امنها وتوريثها ضمن اطار العائلة او القبيلة.. واهملت بشكل مريع أي تخطيط تطويري لمجتمعاتها.
المسيحيون العرب هم الد اعداء الفكر الصهيوني واول من حذر من الأطماع الصهيونية في فلسطين في ظل انظمة عربية خاضعة للسيطرة الاستعمارية اهملت التعليم وأهملت تطوير اقتصادها وعلومها، وهذا يتواصل حتى اليوم.
ما زلت أذكر جملة لجمال عبد الناصر قالها في خطاب الوحدة من دمشق، قال ما معناه “ان ما يربطني بالمسيحي اللبناني اكثر الف مرة مما يربطني بالمسلم الباكستاني” ونحن المسيحيون العرب ما يربطنا بالمسلمين العرب أكثر أهمية مليون مرة مما يربطنا مع المسيحيين الأوروبيين او الأمريكيين!!
لا ينقص العرب العقول بل ينقصها النظام المجند والمخطط،  نظام يصون الوحدة الوطنية لشعبه، يطلق الحريات، يحرر طاقات الإبداع ، يمنع هجرة العقول المدمرة لمجتمعه واقتصاده..يكرس الميزانيات للأبحاث والتطوير التي تعود بالخر على المجتمع العربي وتقدمه واحتلاله مكانة متقدمة بين الشعوب.
في ظل مجموعة من التطورات التي شهدناها في العالم العربي في اطار القضية الفلسطينية، وساهم فيها التعنت الاسرائيلي في تأزيم العلاقات مع الفلسطينيين، تجيء السلطة العنصرية في اسرائيل لتشق صفوف المواطنين العرب باختيارها الطائفة الوطنية العربية المسيحية لزرع بذور الفتنة الاجتماعية والطائفية داخل مجتمعنا العربي الفلسطيني،بما قد ينعكس سلبا على التطورات في العالم العربي.. مستغلة بذلك واقع ابناء الطوائف المسيحية المؤلم والمأساوي في العالم العربي ، وبشكل نسبي في اسرائيل ايضا. التجنيد هنا يعني اصطفاف المسيحيين العرب الى جانب دولة اغتصاب حقوق الشعب الفلسطيني والعدوان المتواصل على الشعب الفلسطيني وشعوب عربية اخرى، وبالتالي تعميق القطيعة الوطنية والاجتماعية والسياسية بين الطوائف الوطنية العربية.. أي ضرب الحركة الوطنية العربية برمتها..وهو ضمن المشروع التاريخي الأهم للحركة الصهيونية منذ وعد بلفور واتفاقات “سايكس بيكو” الاستعمارية !!
لا يمكن عدم الربط بين واقعنا وواقع العالم العربي. نحن لن نكون الخنجر الذي تستعمله اسرائيل لتعميق مأساة العالم العربي. أجل ما يجري ضد المسيحيين هو مأساة للعالم العربي اولا قبل ان يكون مأساة للمسيحيين العرب، مأساة تنعكس على الاقتصاد ، على التعليم، على الثقافة ، على الفكر وعلى التقدم الاجتماعي والعلمي.. وعلى صياغة مستقبل جديد حضاري للعرب!!
تجنيد المسيحيين العرب في جيش الاحتلال ، الذي يرتكب جرائم ضد ابناء شعبنا، ضد أطفاله، ضد نسائه ورجاله وضد كل مسيحييه أيضا، هي خطوة انتحارية للمسيحيين العرب، يقصد منها انقاذ صورة الاحتلال الاسرائيلي واعطائه شهادة حسن سلوك مسيحية عربية – فلسطينية امام الرأي العالم الدولي بتصوير مشوه للنكبة الفلسطينية وكأنها مشكلة مع مجموعات “اسلامية ارهابية” وليس رفضا فلسطينيا وطنيا اسلاميا ومسيحيا لسياسات اسرائيل الاحتلالية والتمييزية التي ترفض الاعتراف بمسؤوليتها عن النكبة، وترفض اعطاء الشعب الفلسطيني ان يستقل بخمس ارضه الوطنية، من الناحية الأخرى تفكيك العزل السياسي لاسرائيل ومقاطعتها الاقتصادية والعلمية التي تتسع وتضيق الخناق على الاحتلال.
ما يجري في العالم العربي ضد المسيحيين العرب يقلقنا ويثير غضبنا مسيحيين ومسلمين، نرى به حرقا لمستقبل العالم العربي ، ليس لمستقبل المسيحيين فقط الذين يتميزون، حسب معلومات عديدة، بمستويات علمية واقتصادية وقدرة على الاندماج في العالم الغربي المسيحي (وهو امر حاصل بالفعل مع الأسف).انما تدميرا واحراقا للنهضة العربية التي هي حلم الجميع.
الويل لعالم عربي يتخلص من مسيحييه بسبب العقليات الطائفية   المريضة… والويل للأقلية العربية المسيحية في اسرائيل اذا توهم أي فرد منها ان اسرائيل تقدم له الخلاص او تفتح له ابواب التخلص من تمييزها العنصري، امامنا نموذج أبناء الطائفة المعروفية الذين لم يحصلوا على أي مكسب من خدمتهم العسكرية، لا في الميزانيات، لا في الوظائف، لا في تطوير التعليم ، لا في وقف مصادرة الأرض ولا في تطوير البنى التحتية اسوة بالبلدات اليهودية..
كان الناطق بلسان البطركية الأب عيسى مصلح  قد ادلى لإذاعة الشمس (الناصرة)  في اواسط 2013 بتصريحات اشار فيها الى اعتزام البطركية  اقالة جبرائيل نداف الذي دعا لتجنيد المسيحيين العرب للجيش الاسرائيلي. بنفس الفترة نشرت صحيفة “معريف” العبرية أن البطرك اليوناني ثيوفيلوس يعتزم اقالة الكاهن جبرائيل نداف بسبب دعوته لتجنيد المسيحيين.
ان ما قام به جبرائيل نداف ( بلباس كاهن) لا يمثل مجتمعنا ولا كنيستنا .
التهديد بالاقالة كانت فقاعة صابون، لدي معلومات من ارشمندريت يوناني، طلب عدم نشر اسمه، بأن البطرك اليوناني يقدم لنداف الدعم الكامل بل اعطى اوامره للكهنة الذين قاطعوه، على مستوى كنسي وشخصي، بما فيهم مطران يوناني في مدينة عربية، بان يصالحوا نداف، وارسل له المطران هدية ثمينة… ليرضى عليه ويرضي، كما يبدو، مكتب رئيس الحكومة  اذا اراد ان يصير بطركا في المستقبل!!
اذن هل بطرك الروم شريك بحملة نداف؟
صمت البطركية رهيب وستكون له اسقاطات خطيرة على مستوى العلاقات والتبعية الدينية والوطنية لأبناء الطائفة الوطنية العربية الأوروتوذكسية مع البطركية!!
هل لمكتب رئيس الحكومة نتنياهو ضلعا في التحول بموقف البطركية التي من المفترض انها تمثل العرب المسيحيين ولا تمثل سياسة نتنياهو وزمرته اليمينية العنصرية؟
هل من حق كاهن ان يتصرف بما يراه مناسبا لتفكيره ، ام ان هناك ضوابط دينية تلزم الكهنة بالتقيد بها كما قال الناطق بلسان البطركية الأب عيسى مصلح  في مقابلته مع اذاعة الشمس؟؟ ثم قرر الامتناع عن الادلاء بأي تصريح جديد…بعد ان صار البطرك الحاضن لنشاطات نداف!
هذه قضايا مطروحة أتركها لمقال قادم حول بطركية الروم وعلاقتنا معها كمسيحيين عرب ، ما هو دورها المفترض كممثلة فرضت علينا من الاستعمار العثماني بعد عزل البطرك العربي. وما هي البدائل التي يفترض بنا ان نطرحها امام استمرار تجاهل مصالح الطائفة العربية الاورتوذكسية والتعامل المهين معها وحرمانها من التصرف بأملاكها لما فيه خير ابناء الطائفة خاصة ومجتمعنا عامة، وزجها المسيحيين العرب  بمواقف سياسية تسيء  للمسيحية وللمسيحيين !!

[email protected]

 

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة