الصدى في جدارية درويش : قراءة نفسية

 

التصنيف : اصدارات ونقد (:::)
بقلم حمزة شباب – الأردن (:::)

يمثل محمود درويش حالة من الإبداع الشعري منقطعة النظير ، و هذه الحالة تعددت في مراحل نشوئها من حيث الظروف التي مرت بالشاعر و التغييرات المناخية التي رافقته في مراحله الإبداعية ، و يزهو في مرحلته الأخيرة بنسق شعري يلخص مواقفه الشعورية مقدماً نماذج من القيم و الاتجاهات الإنسانية العالمية ، فنراه في هذه المرحلة يلفت الانتباه إلى حضوره الذاتي برمزية لا تجتليها العين القارئة إلا في علاقات الدوال التي تجتذب حضوره الفني بين مفرداته ، و لجداريته التي تجسد وقائع ملحمية في استعراض تاريخي لإثبات ( الأنا ) أثر عظيم في تصوير الإفلات من الموت الذي يمثل كل شيء في قصيدته التي تبدأ بالتنكير و التعميم إلى تسجيل الحضور اللافت لبطل ربما أعد نفسه ليكون قومياً ، و لا ينثني عن التفكير بالموت و فناء الحضارات في دائرة انتفاضة جديدة ربما تعيده لسالف أمجاده في غرف التحقيق مبشراً بالليل الزائل .

لم يعجز الشعراء الأوائل عن ذكر الصدى في الشعر مع تعدد معناه ، فمنها : شدة العطش ، و جسد الأنسان بعد موته ، و حشو الرأس ( الدماغ ) ، و الشهرة و الصيت الذائع ، و ما يرجع عليك من صوت الجبل ، و لعل هذا الأخير كان ملهماً للشعراء ، يخاطبه أثناء رحيل المحبوبة ، و يستدعيه في مروره على الأطلال المقفرة ، يقول امرؤ القيس :
صم صداها و عفا رسمها                 و استعجمت عن منطق السائل
و قد ذكره درويش في شعره غير مرة ، حيث يبدو متملكاً له ، لأنه يمشي بهدي بصيرته ، و يعطي للحكاية سيرة شخصية كما في قصيدة ” الآن ، إذ تصحو ، تذكر ” :

… لكن قيل ما سأقول
يسبقني غد ماض ، أنا ملك الصدى

و يمثل الصدى في الجدارية بنية نفسية تضرب بجذورها في لاوعي المبدع بشكل رمزي تعلو على سطح النص ، و لا بد أثناء التحليل من استحضار هذه البنية خاصة أنه أول بطل يذكر في الجدارية بعد الشاعر نفسه ، و قد كتب درويش الجدارية في مرحلة مرضية بعد أن أجريت له عمليات معقدة في القلب الذي هو منبت سيميائية الشاعر ، بالإضافة إلى أن الصدى الذي ملكه الشاعر فوظفه على نحو رمزي حتى يقبل كشخصية اجتماعية تعيش بيننا يمثل محاولة لإثبات الذات بصورة خيالية كتلك التي تشبه اللعب عند الأطفال و الأحلام عند المراهقين ، و صورة أخرى واقعية تشبه شخصية الخليل الذي يتخذه المسافر العربي كبعض لوازمه و أساسيات رحلته ، و معنى ذلك أنه اقتسم دور البطولة مع الصدى في بداية جداريته ، و قد قمت بمحاولة التقريب بين الحالة النفسية التي طرأت على الشاعر و استخدام الصدى – في مقطع قصير – كعنصر بارز في الجدارية و ذلك للكشف عن حالة اللاوعي التي تدب في أنحاء القصيدة ، و كشف المكنونات النفسية التي ساهمت في تشكيل اللغة اللاشعورية عن طريق استخدام الصدى كسلاح له أبعاده الثقافية و انعكساته النفسية دون إغفال دور الحالة النفسية في تشكيل الأدب ، لأن كليهما يفيد الآخر و يؤثر فيه إيجاباً أو سلباً ، فنلاحظ أنه عندما يبوح الحرف الغامض للشاعر فيعطيه فحولة – رغم حالته المرضية – تبقي كلامه أبد الدهر ، فكل ما يكتبه سيكون ، و كل ما يقرؤه سيجده ليتحد الضدان في المعنى .

الصدى عند النفسيين دليل الرجوع الذي يمكن أن يربط بالزمان أو المكان ، و طريق لإشهار الأنا ، لأن الصوت لا يرتد إلا إذا كان بنبرة جهورية عالية و كأنها تسمع من به صمم ، و نجد أنفسنا أمام حالة مرضية تحتاج إلى طبيب ، و نموذج من الإبداع الشعري يحتاج إلى قراءة واعية من ناقد حاذق و قارئ مكثر يسبر أغوار النص بجرأة ثاقبة ، فنرى أن محمود درويش يمثل حالة إنسانية يسودها الشعور بالقلق على وضعه الصحي نفسياً بمعنى أن العوامل النفسية التي تؤثر على الأديب هي مصدر الإبداع ، كما أنه نموذج في الإبداع الأدبي الذي سيرحل تاركاً ثروة من النصوص التي تصور واقعه و عالمه الذي عاش فيه أديباً ، فيتم التطابق بين هاتين الظاهرتين من خلال ربط أبعاد الصدى النفسية على النص الأدبي الذي هو الجدارية .

إن أبرز ما يثير في علاقة الصدى هو اسم تلك القصيدة ، و الجدارية قد تكون لوحة فنية بحجم الجدار أو قد تمثل درويش نفسه ، لأن الجدار منبع الصدى ، و تعطي هذه التسمية صفة الخلود على موضوعها بالإشارة إلى الجداريات التاريخية التي تركتها الحضارات كالآشورية و البابلية ذات الطابع الديني المقدس في المعابد و المقابر ، ثم انتقلت إلى قصور الملوك و السلاطين تسجل إنجازاتهم و تروي أخبارهم و ما يرافق ذلك من أحداث تاريخية ترسم الانتصارات الممزوجة بعنصر الإثارة في تصوير النساء عاريات .

يعطي درويش للصدى دوراً أساسياً في جداريته ، فيجعله قادراً على صناعة الأحداث ، فهو وحده من يستطيع إعادة زمن الأقوياء بآثارهم الذهبية ، و هو الذي يحمل رسائل الضعفاء فيطرحها في أروقة الزمن ليكشف عن براعتهم في صنع غدٍ أفضل ، فيعلقون آمالهم عليه ، لأنه مصدر الحياة التي يعيش فيها من يملك خبز الكفاف ، و بيده لا بيد غيره من يملك حاضراً أقوى ، و يرى درويش أن الصدى قوة قائمة بذاتها و هذا ما يتوافق مع فرويد الذي يرى ( الطاقات هي أساس الوظائف في حياتنا النفسية ) ، فلا يقلد أحداً في سلوكه و هيئته ، و يؤدي دوره في العمل الفني ببراعة ، و لا يحتاج إلى أن يتحد مع أي جسم آخر لإثبات وجوده وفق النظرة الصوفية في مبدأ الحلولية ، لكنه يقر بعدم أزليته في واقعه الذي يعيش فيه مما يؤدي إلى إبراز الصيغة الملحمية في قصيدته التي تظهر صراع البطل و الخصم ، و لأن الصدى هو بطل رواية الجدارية في هذا المقطع فإننا نرى استعماله له لا يكمن في الكشف عن تحليل شخصيته الأدبية فحسب بل يزيد عن ذلك حد الوصول إلى مرحلة اللاشعور و هي مرحلة متطورة عن تحليل الشخصية الأدبية في النص ، و نجد درويش قد أعطى للصدى دوراً تمهيدياً تبدأ بمرحلة القول ، و تصل حد اللاشعور مروراً بدوره في إعادة تشكيل التاريخ و يرقى به إلى قيمة مختزنة في نفس الشاعر مع الأخذ بعين الاعتبار مرحلته المرضية التي كونت العمل و انتقت الصدى ليعبر عن قصدية الشاعر مما جعل الصدى ملبياً له ، يسليه في معاناته و مرضه و يذكره بشاعريته و آثاره السالفة .

يعاود درويش ذكر الصدى في المقطع التالي  ، لكنه بشخصية أقل فحولة من سابقتها ، فيصفه برجل يحمل ألماً مهزوماً يتعب من الجمال و شركه ، فالجمال يتعب النفس لأنه غالباً ما يخون تابعه ، و يرى أن في الجمال نفاقاً يظهر خلاف ما يبطن ، كما استخدم التناص المكاني للبحث عما وراء بابل في سمو حضارتها التي ألهمت شعور الشعراء ، و لا يجد أكثر سمواً من السماء التي لم يتضح طريقها بعد ، فيعود الصدى منكسر الخاطر فقد أتعبه النثر في ممارسة صلواته الشعرية ليرجع إلى حلمه الذي يغنيه فسيكون يوماً ما يريد ، و مما زاد في إثارة الصدى لهذه الموجة من التقلبات في القصيدة أن الشاعر اختار له أشياء لم تقل كالنهاية المفتوحة في الروايات التي تجعل القارئ يتصورها بخياله ، لأنه يحيل في نهاية المقطع إلى مصير النشيد الذي هو صغير الصدى في قوله انكسر النشيد ، و لم يعبر عن نهاية الصدى صراحة ، و لعل هذا ما يجعل النص يرتقي عند الباحثين النفسيين الذين يرون أن المخفي في النص أهم من المعلن ، ناهيك عن أن النص يعتبر حمّال أوجه متعددة يعتمد التخمين و التأويل كأدوات نفسية في تتبع العمل الأدبي  ، يقول محمود درويش :

قال الصدى :
لا شيء يرجع غير ماضي الأقوياء
على مسلات المدى … ذهبية آثارهم
ذهبية و رسائل الضعفاء للغد ،
أعطنا خبز الكفاف ، و حاضراً أقوى
فليس لنا التقمص و الحلول و لا الخلود
….
قال الصدى :
و تعبت من أملي العضال . تعبت
من شرك الجماليات : ماذا بعد
بابل ؟ كلما اتضح الطريق إلى
السماء ، و أسفر المجهول عن هدف
نهائي تفشى النثر في الصلوات ،
و انكسر النشيد
….

كان الصدى سلسلة قوية تمسك بها درويش للبقاء في هذا الجزء من الملحمة الشعرية ، فلا شيء يقهر الموت كالإبداع ، و قد تقمص الشاعر دور الصدى أو اتحد معه في إعادة الحياة بطريقة إبداعية لاواعية  ، فلا حياة دون صدى ، لتتحول نشوة الانتصار إلى علامة فارقة يخترقها النثر أثناء تأدية الشعر لطقوسه الدينية المقدسة مستخدماً فعلاً دالاً على المطاوعة في قوله ( انكسر ) ، فيمثل حياة أخرى يبعث فيها من جديد و لكن كما يريد ، و الشاعر قد سجل لحظة من الانتصار على الموت و كيفية مواجهته ، فالجدارية بقيت شماء ، و الصدى دليل الوجود و نقيض العدم ، لكنه اعتراه بعض حظوظ الموت في الحياة الذي اتحد مع النثر ليكونان تحالفاً ضد خصم صغير و هو النشيد الأمر الذي أضفى على هذا المقطع من الجدارية الصبغة الملحمية ، و لم يكتف درويش بذكر الصدى عند هذا الحد ،  فقد أعاد إنتاج الصدى الذي ارتبط اسمه به في حواره مع ابن السجان الذي يحاول أن يحمي المدينة من نشيده ليحيا النشيد من جديد ، حيث قال ( مقاطعاً ) : كفى ، ألست اسم الصدى الحجري ؟ لم تذهب ولم ترجع إذاً ، ثم نراه يصور الصدى في نهاية الجدار بجامع المحبين ، تحتاجه الفتاة في اختيار أغنية لحبيبها البعيد لاستكمال الحياة بقيمها الجمالية و لايجاد فسحة من حب في ثنايا تلك الملحمة الشعرية ،  هذا حال مقطع قصير في جدارية ضربت بجذور أقوى من الحديد في حديقة أدب عالمي لا يعترف إلا بمقولة واحدة وهي : ( للكبار و للكبار فقط ) .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة