حول قرار البنوك الاسرائيلية بوقف قبول الشيكل الفائض من البنوك الفلسطينية

التصنيف : فلسطين (:::)

(الواقع ومقترحات المعالجة )

محممد خضر قرش – القدس (:::)

تلقيت رسائل اليكترونية واتصالات هاتفية من بعض الاصدقاء حول المقال الذي نشر في الأسبوع الماضي حول “الاحتفاظ بالدولار مضاره أكثر من منافعه” طالبوا  مناقشة ثلاثة أمور متممة : الأول تبيان الرأي  في القرار الخطير للبنوك الإسرائيلية بوقف قبول الشيكل من البنوك الفلسطينية والثاني موضوع إصدار العملة الفلسطينية وهل الوقت قد أزف لذلك والثالث كان يتوجب الإشارة بشكل أوضح عن أثر القرار العراقي الذي إتخذه صدام حسين بوقف تسعير النفط بالدولار الأميريكي بإعتباره من الأسباب التي كانت وراء غزو العراق عام 2003 . ففيما يتعلق بالطلب الأخير فإن قرار العراق بوقف تسعير النفط بالدولار لم تكن له آثار كبيرة أو ذات دلالة – رغم أهميته- لأنه لم يلقَ قبولا من باقي البلدان المنتجة والمصدرة للنفط سواء كانت عربية أو أجنبية، فالقرار بقي محصورا في العراق ولم يتم الأخذ به من بقية الدول .هذا ولم يكن من الممكن أن يترك القرار العراقي المنفرد آثاره على قيمة الدولار وقوته التبادلية إزاء الذهب أو العملات الاخرى أو كعلة دولية ،لكون كمية النفط التي كانت تنتج وتصدر من العراق أقل من مليوني برميل يوميا وهي ليست كبيرة بل وغير مؤثرة على إستخدام الدولار .فهناك نحو 32 مليون برميل تباع يوميا في الأسواق بالدولار الأميركي عدا التعاملات في السندات والسلع والخدمات والتسويات الدولية والاحتياطيات . فتسعير النفط بالدولار ربما لا يشكل نحو 15% من التأثير عليه. بعكس الأمر لو كان القرار جماعيا بوقف تسعير النفط بالدولار لأختلفت الصورة بكل تأكيد، ولكن بالنسبة المشار إليها أيضا. اما فيما يتعلق بموضوع العملة الفلسطينية، فقد كتبت أكثر من مرة حوله سواء في أوراق بحث أو مقالات تحليلية منشورة  وبإختصار أقول ” أن إصدار الجنيه الفلسطيني سابق لأوانه بل وغير مجدي وغير مفيد لفلسطين وكل ما يقال عكس ذلك لا يخرج عن كونه فانتازيا لبيع الوهم . فإصدار عملة تحتاج إلى اقتصاد مستقل ومتحرر من الاحتلال أولا وقبل كل شيئ بالإضافة إلى مجموعة متطلبات وشروط غير متوفر منها أي عنصر على الإطلاق. فكيف يمكن لسلطة محدودة الصلاحيات لا تملك من أمرها شيئ ،ان تطبع نقودا وتحافظ على قيمتها التبادلية في الوقت الذي تنتظر في نهاية كل شهر مبالغ المقاصة الإسرائيلية لدفع الرواتب ومساعدات الدول العربية والاجنبية لاستكمال دفع رواتب المتقاعدين والنفقات الأخرى !! فالحديث عن إصدار عملة فلسطينية ليس أكثر من بقيعة يراها الظمآن ماء ، أو كمن يضع الماء والحجارة في إناء على النار بإنتظار أن تتحول إلى طبخة تقدم كوجبة للاهثين وراء الالعاب الدانكوشوتية ؟فالتفكير في هذا الأمر خسارة لكونه يستنزف الجهد والوقت والمال بدون فائدة ترتجى .فإصدار عملة ضمن الأوضاع  الاقتصادية والسياسية السائدة مضرة ومؤذية بالاقتصاد الفلسطيني .وبالمناسبة فإن إصدار العملة ليس مرتبطا بوجود بنك مركزي،فالسعودية والبحرين ليس لديهما مصرفا مركزيا والولايات المتحدة الأميريكية وبريطانيا وإسرائيل وعشرات من الدول الأخرى ليس لديها أيضا ، فالعبرة بالصلاحيات وليس بالأسم.

وعودة إلى موضوعنا محل المقال ،فليست هي المرة الأولى – ولن تكون الأخيرة – التي تقدم أو تتخذ فيها إسرائيل إجراءات أو خطوات تتعارض مع الاتفاقيات التي عقدتها مع السلطة الوطنية بدءا من أوسلو مرورا بإتفاقية باريس الاقتصادية وانتهاء بسلسلة الاتفاقيات والاجراءات التي تمت لاحقا.ففي مثل هذه الأيام من عام 2006 أعلن عدد من البنوك الإسرائيلية وقف خدماتها المصرفية عن مثيلاتها الفلسطينية وفي حينها كتبت مقالا حول الموضوع نشر في جريدة القدس في الصفحة الاقتصادية يوم 10/4/2006 وكان ذلك بعد نحو عام من تسلم المحافظ السابق لسلطة النقد الدكتور جورج العبد مهامه ،وقد أرسلت إليه رسالة يوم 11/4 من نفس العام مرفقا معها المقال المذكور والذي كان يحتوي على المقترحات والتوصيات الواجب إتخاذها أو العمل عليها (الرسالة محفوظة) ومن المفترض أن تكون موجودة في ملف الوارد لدى مكتب المحافظ ، وعلى إثرها عقد اجتماع معه في مكتبه – وهو حي يرزق أطال الله عمره – ناقشته بوجهة نظري وقلت له ” رب ضارة نافعة وعلينا ان نستغل الإجراء الإسرائيلي للتخلص من الشيكل ونتجه صوب الدينار الأردني والجنيه المصري واحتوى المقال اكثر من 11 توصية واقتراحا وتمنيت عليه أن تبدأ سلطة النقد بالتخلص التدريجي من استخدام الشيكل .لم يعترض وإنما قال “ربما الظروف لا تسمح حاليا ولكننا سنأخذها بعين الاعتبار وسنبقى على اتصال ،لكنه ولأسباب خاصة به غادر سلطة النقد وطوِي الموضوع كليا كما تطوى مواضيع أكثر أهمية في السلطة الوطنية عادة . فإعادة سلطة النقد لطرح موضوع التخلص التدريجي من استخدام الشيكل كردة فعل على رفض البنوك الإسرائيلية قبول الفوائض من الشواكل المتجمعه لدى المصارف الفلسطينية يعتبر متأخرا 8 سنوات .ولكننا رغم ذلك لن نقول لسلطة

النقد “صح النوم” بل سنقول لها أن يأتي القرار الصائب متأخرا أفضل من أن لا يأتي.ولكن العبرة دائما في التنفيذ وهذا ما ننتظره ونأمله ونتطلع إليه .

القرار الإسرائيلي إبتزاز وبدون مبرر

لا تحتاج إسرائيل وبالتالي بنوكها إلى تبرير لما تقوم به من أعمال وإجراءات تتعارض مع كل الاتفاقيات التي عقدتها مع السلطة الوطنية.فعادة إسرائيل هي التصرف وكأن لا شيئ يربطها بالسلطة ومؤسساتها . وعليه لن نقف طويلا أمام قرار البنوك الإسرائيلية بالإستنكاف عن قبول الشيكل أو استبداله بعملات اخرى بغض النظر فيما اذا كان فائضا أم لا ، فالأصل أن يلتزم بنك أوف إسرائيل – الذي يقوم مقام البنك المركزي – باستبدال أي كمية من الشواكل بغض النظر عن سقفها إلى اي عملة يطلبها حامل الشواكل وعادة تتم هذه من خلال البنوك الإسرائيلية المرخص لها العمل أو من قبل سوق الصرافة فالقرار الإسرائيلي بوقف قبول الشيكل من البنوك الفلسطينية عند حد معين – سواء على شكل ودائع أو غيرها- يعكس حالة من عدم التوازن أو الخلل أو التسرع في آلية إتخاذ القرارات ذات النتائج المصرفية والاقتصادية البالغة الخطورة بالإضافة إلى كونه إبتزازا . فهو ليس مجرد تصرف أحادي الجانب ويشكل خرقا لبروتوكول باريس وملاحقه فحسب وإنما يتناقض مع أبسط  قواعد وواجبات و دور ومسؤولية البنوك المركزية في العالم . فالأخيرة من واجبها الدفاع عن عملاتها وحمايتها وقبولها عند تقديمها للاستبدال او الإيداع ، ليس لكونها دينا على الخزينة فحسب وإنما لزرع الثقة والآمان لدى المستثمرين والمستخدمين لهذه العملة بالتداول فيها وقبولها كاداة دفع مقابل المشتريات من السلع والخدمات وأصول مختلفة .

واجبات سلطة النقد ومسؤوليتها

من المفيد التنويه هنا إلى أن نسبة كمية الشواكل المتداولة في السوق الفلسطيني تصل إلى نحو 12 -14% من كمية النقد المصدر من بنك اوف إسرائيل.وعلينا ان نشير هنا أيضا إلى أن كل مواطن أو شركة تحمل أو تستخدم الشيكل هي في حقيقة الأمر يعتبر/تعتبر، مقرضا/ مقرضة مجانية لإسرائيل .هذه الحقيقة يجب ان تكون واضحة كالشمس .ولتسهيل الفكرة فلو افترضنا ان بنك أوف إسرائيل أصدر أو وضع بالتداول 100 مليار شيكل فإن الفلسطينيين يحملوا أو يستخدموا ما بين 12- 14 مليار شيكل منها وكلها عبارة عن قرض مجاني  للخزينة الإسرائيلية .وهنا يأتي أول دورلسلطة النقد الفلسطينية حيث يتوجب عليها مطالبة بنك أوف إسرائيل بدفع ما يسمى السنيوريج Seignior age وهو رسم يجب على سلطة النقد الحصول عليه من بنك أوف إسرائيل مقابل استخدام الشيكل في فلسطين . ويقدر عادة بنسبة 2-3% من الناتج المحلي يدفع سنويا من قبل بنك أوف إسرائيل إلى سلطة النقد .والعبرة من وراء ذلك أن الفلسطينيين يستخدمون الشيكل لشراء السلع والخدمات والأصول بينما تكلفة طباعته لا تزيد عن 7 أغورات في أحسن الأحوال ،فالفلسطيني يدفع ثمن الشيكل نحو 29 سنتا أمريكيا (على أساس ان الدولار = 3.5 شيكل) مع أن تكلفته دون العشرة أغورات. إن اهمال سلطة النقد لهذا الأمر طيلة العقدين الماضيين ليس له ما يبرره إطلاقا بل وغير مفهوم ولا يمكن تفسيره . ولكم ان تتصوروا حجم الأرصدة التي أضاعتها سلطة النقد على الخزينة الفلسطينية خلال العشرين عاما الماضية بسبب عدم طرحها على الجانب الإسرائيلي علما بأن هذا يتوافق مع القوانين الدولية. وستجد سلطة النقد مؤيدين وداعمين لها في صندوق النقد الدولي وغيره ولسلطة النقد الحق في استبدالها بالدولار في نهاية كل عام وفقا لسعر الصرف السائد في ذلك الوقت .فحينما يطرح هذا الأمر على السلطات المختصة الإسرائيلية ستفكر كثيرا قبل ان تطلب من بنوكها وقف قبول الشواكل الفائضة. فعلى سلطة النقد ان تدرك أن أحسن وسائل الدفاع عن الاقتصاد الفلسطيني ،حيث يشكل النظام المصرفي عموده الفقري، هو المبادرة لطرح الموضوع وليس الاستكانة والسكوت وإهمال الحقوق .

اما الاقتراح الثاني ، الذي يتوجب على سلطة النقد الفلسطينية العمل عليه لوقف القرار الإسرائيلي غير القانوني فهو صياغة مذكرة مهنية تتضمن الخسائر التي ستترتب على استمرار تنفيذ القرار الإسرائيلي بشكل مهني ومزودا بالحقائق والارقام التي ستلحق بالاقتصاد الفلسطيني وبالنظام المصرفي وخاصة البنوك الفلسطينية اليتيمة والتي لا يوجد من يدافع عنها، ومن ثم إرسالها إلى المؤسسات المالية الدولية كلها دون إستثناء على أن يرفق معها بيان بالمخاطر المتوقعة جراء استمرار التعنت الإسرائيلي وأثر ذلك على الجهاز المصرفي ككل.فهذا الموضوع يجب أن يتصدر الأولويات فهو أهم بكثير من حضور المؤتمرات في الخارج والتي لا تحقق الفائدة المرجوة منها .فما دام لدينا خبراء فلسطينيين على درجة عالية من المهنية كما تقول سلطة النقد، يقومون بمساعدة بعض المصارف المركزية في السودان والجزائر وأميركا اللاتينية على وضع الأنظمة والإجراءات ونقل التجارب الناجحة التي يتم تطبيقها ، فمن الأجدر أن يركز هؤلاء الخبراء على هذا الموضوع لإيجاد الحلول المناسبة له. فعقد أي مقارنة بين حضور المؤتمرات أو عقد اتفاقيات مع هذا البنك المركزي أو ذاك وبين ضرورة تركيز الجهود والخبرات الكبيرة للتعامل مع النتائج المترتبة على القرار الإسرائيلي بوقف قبول الشيكل، سنجد بأن  الموضوع الثاني هو الأهم والأولى لأن تركه بدون علاج سيترتب عليه نتائج ومخاطر كبيرة ستلحق بالمصارف العاملة في فلسطين. أما الاقتراح الثالث ،فيتوجب عقد اجتماع مع كل من البنكين المركزيين الأردني والمصري وحثهما على التدخل ومساعدة الجانب الفلسطيني. فللأردن مصالح على درجة كبيرة من الأهمية بحكم أن أكثر من نصف الودائع بحوزة فروع المصارف الأردنية . اما الاقتراح الرابع ، فهو أن يبدأ خبراء سلطة النقد بوضع سيناريوهات إستبدال الشيكل في السوق الفلسطيني تدريجيا واحلال الدينار الأردني مكانه وهذا يستدعي الاتفاق مع البنك المركزي الاردني لتوريد العملة المساعدة (الفراطة) بكميات تكفي للمعاملات اليومية ، ولا اعتقد ان خبراء سلطة النقد عاجزين عن فعل هذا بما فيها تقدير الكمية المطلوبة. فمن يقدم خبراته للبنوك المركزية فهو قادر بكل تأكيد على القيام بذلك بكفاءة وبمهنية عالية .اما الاقتراح الخامس ، فهو أن تدعو سلطة النقد لعقد مؤتمر لمناقشة هذا الموضوع للوصول إلى توصيات وحلول محددة يعقد في رام الله بمشاركة خبراء سلطة النقد والاكاديميين في محاولة لوضع التصورات المناسبة حيث يتم فيها تقديم أوراق عمل متخصصة ومن الممكن دعوة عدد من الخبراء الدوليين الذين لهم باع طويل في هذا المضمار  أما الاقتراح السادس ، فهو أن توعز سلطة النقد للجهات الحكومية باستبدال دفع الرواتب من الشيكل إلى الدينار أو الدولار حسبما هو متوفر والتخلي كليا عن دفعها بالشيكل أما الاقتراح السابع ، فهو تشكيل لجنة عليا من وزارة المالية والاقتصاد وسلطة النقد ومعهد ماس تتولى إعادة هيكلة الاقتصاد الفلسطيني بحيث تنهي التعامل بالشيكل الإسرائيلي خلال فترة زمنية حدها الأقصى 5 سنوات. وهذا يعني تقليص الإستيراد من إسرائيل أو عبرها والإستعاضة عنها من الأردن أو عبرها وفق خطة محددة .فإسرائيل  يجب ان تدرك بأن عليها أن تدفع ثمن إجراءاتها الإحادية الجانب ضد الاقتصاد الفلسطيني  وإستلاب موارده . أما الاقتراح الثامن ، فهو الطلب من بقية شركات القطاع الخاص التي ما زالت تدفع رواتب موظفيها بالشيكل أن تتوقف عن ذلك وتستبدلها بالدينار أو بالدولار.أما الاقتراح التاسع ،فيقضي بالطلب من البنوك الفلسطينية أن تجد لها بنوك ممثلة في أوروبا وخاصة تلك التي تتعامل بالشيكل (المانيا كمثال) وتطلب منها إصدار الكفالات والاعتمادات بدلا من البنوك الإسرائيلية .أما الاقتراح العاشر ،فهو الطلب من شركات الكهرباء والمياه والهواتف الثابتة والمتحركة أن تعيد هيكلة أنظمة الدفع لديها والفوترة من الشيكل إلى الدينار آخذين بعين الاعتبار أن هذا التحول قد يستغرق ثلاث سنوات من العمل الشاق لكنها ضرورية للانعتاق من سيطرة وإستئثار وتحكم الاقتصاد الإسرائيلي بالموارد الفلسطينية وإنهاء عمليات الابتزاز الدائمة للسلطة الوطنية.

الخلاصة

القرار الإسرائيلي بوقف قبول الودائع بالشيكل عند سقف معين أو بدون سقف هو قرار أحادي الجانب يتعارض مع المواثيق والقواعد الدولية الخاصة بالزام الدولة المصدرة للعملة من قبولها او استبدالها بعملة أخرى قابلة للتحويل .فالسلطة النقدية التي توعز لمصارفها بعدم قبول عملتها أو إستبدالها بعملة اخرى تكون غيرر مؤهلة ولا تستحق ان يكون لها عملة . المقترحات سالفة الذكر قابلة للتعديل والإضافة والحذف والتبديل  ،لكن الشيئ الأكيد غير القابل للتصرف أو الحذف هو السماح للبنوك الإسرائيلية بإبتزاز أو الضغط على الجانب الفلسطيني لتحقيق مكاسب غير قانونية . على سلطة النقد وخاصة في الفترة القادمة أن تركز على الأوضاع الداخلية وتصليب الوضع الداخلي المصرفي ،فالأيام القادمة ستكون حبلى بالأحداث والمفارقات غير الموضوعية أحيانا مما يتوجب على خبراء سلطة النقد العمل على توقع كافة الاحتمالات بما فيها السيناريوهات السيئة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة