الإنكار على المؤمنين فى اختلافِهِم فى المنافقين

 
التصنيف : كتابات ومواد دينية (:::)

مروة برهان – اسكندرية (:::)

قالَ تعالى { فما لكم فى المنافقين فئتين واللهُ أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضلَّ الله و من يُضلِل الله فلن تجدْ له سبيلاً * ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا فى سبيلِ اللهِ فإن تولوا فخذوهم و اقتلوهم حيث وجدتموهم و لا تتخذوا منهم وليَّاً و لا نصيراً * إلا الذين يصلون إلى قومٍ بينكم و بينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم و لو شاءَ اللهُ لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم و ألقوا إليكم السلم فما جعلَ اللهُ لكم عليهم سبيلاً * ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم و يأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنةِ أُركِسوا فيها فإن لم يعتزلوكم و يلقُوا إليكم السلم و يكفوا أيديهم فخذوهم و اقتلوهم حيث ثقفتموهم و أولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً }
{ فئتين } أى فرقتين مختلفتين . فرقة تقولُ نقتلهم , و فرقة تقولُ لا .. { أركسهم } الركس لغةً رد الشئ من أوِّلِهِ إلى آخِرِه و المعنى : أركسهم أى ردهم إلى الكفرِ و نكسهم . و يقال : ركسهم . و قد قرأَ عبدُ اللهِ بن مسعود و أُبَى بن خلف رضى اللهُ عنهما { واللهُ أركسهم بما كسبوا } و قالَ ابن رواحة : –
و قد تأتى أركسهم بمعنى ارتدوا . قالَ أمية :
فأركسوا فى حميمِ النارِ إنهم       كانوا عصاة قالوا الإفك و الزورا
{ ودوا لو تكفرون } أى تمنوا أن تكونوا مثلهم فى الكفرِ و النفاق .

{ حتى يهاجروا } الهجرة تارة تحصُلُ بالإنتقالِ من دارِ الكفرِ إلى دارِ الإيمانِ كهجرةِ المسلمين إلى المدينة و تارة تكونُ بالإنتقالِ من دارِ الكفرِ إلى دارِ الإيمانِ كهجرة المسلمين إلى المدينة و تارة تكونُ بالإنتقالِ من أعمالِ الكفرِ إلى أعمالِ المسلمين فقد قالَ صلى اللهُ عليه و سلم ” المهاجر من هجرَ ما نهَى اللهُ عنه ” و لهذا قالَ اللهُ تعالى { حتى يهاجروا فى سبيلِ الله } ليشملُ هجرة دار الكفر و هجرة شعار الكفر إلى دارِ الإسلام , ومن شعارِ الكفرِ إلى شعارِ الإسلامِ لغرضٍ من أغراضِ الدنيا . إنما المعتبر وقوع تلك الهجرةُ لأجلِ أمرِ اللهِ تعالى , و الأعمال بالنيات .

{ فإن تولوا } أى أعرضوا عن الهجرةِ و الدخولِ فى الإسلام .. { وليَّاً و لا نصيراً } وليَّاً يتولَّى شيئاً من أمورِكُم و لا نصيراً ينصركم على أعدائِكُم .
{ يصلون إلى قوم } أى ينتهون إليهم و يتصلون بهم وينتسبون .. { حَصرت صدورهم } أى ضاقت صدورهم عن المقاتلةِ فلا يريدون قتالكم .. { و لو شاءَ اللهُ لسلطهم عليكم } التسليط فى اللغةِ مأخوذ من السلاطةِ و هى الحِدَّة . و المقصود منه أن اللهَ تعالى قذفَ الرعبَ فى قلوبِ أعداءِ المسلمين .
{ فإن اعتزلوكم } أى وجدتموهم .. { سلطاناً مبيناً } أى بياناً واضحاً .
ذكرَ العلماءُ فى سببِ نزولِ هذه الآية عدة أسباب منها : –

1 – أنها نزلت فى قومٍ قدموا على النبىِّ صلى اللهُ عليه و سلم مسلمين فأقاموا بالمدينةِ ما شاءَ اللهُ ثم قالوا : يا رسول الله : نريدُ أن نخرجَ إلى الصحراءِ فأَذّنَ لنا فيه فأذَنَ لهم . فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين فتكلَّمَ المؤمنون فيهم . فقالَ بعضهم لو كانوا مسلمين مثلنا لبقوا معنا و صبروا كما صبرنا . و قالَ قوم : هم مسلمون و ليس لنا أن ننسبهم إلى الكفرِ إلى أن يظهرَ أمرهم . فبيَّنَ اللهُ تعالى نفاقهم فى هذه الآية .
2 – نزلتْ فى قومٍ أظهروا الإسلام بمكة و كانوا يعينون المشركين على المسلمين فاختلفَ المسلمون فى أمرِهِم و تشاجروا فنزلتْ الآية .
3 – نزلت الآية فى الذين تخلَّفُوا يوم أُحُد عن رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم و قالوا لو نعلم قتالاً لاتَّبعناكم . فأختلفَ أصحاب الرسولِ فيهِم . فمنهم فِرقة يقولون كفروا , و آخرون قالوا لم يكفروا , فنزلت هذه الآية .
4 – و قيل نزلت فيمن أشاعوا حديث الإفك على عائشةٍ رضى اللهُ عنها .

و يرجعُ السببُ فى هذا إلى كونِ أعزِّ الأشياءِ و أعظمها عند جميعِ الخَلقِ هو الدين لأن ذلك هو الأمرُ الذى يتقرَّبُ به إلى اللهِ جَلَّ فى عُلاه , و يتوسَّلُ به إلى طلبِ السعادةِ فى الآخرة .

دلّ قوله تعالى { فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا } على أن الهجرة فى سبيلِ اللهِ لا تكون إلا بعد الإسلام . و هذا يدلُّ على إيجابِ الهجرةِ بعد الإسلام و أنهم إن لم يسلموا لم يكنْ بيننا و بينهم موالاة إلا بعد الهجرة .

و ينبغى أن يعلمَ بأن هذا التكليفُ إنما كان لازماً حال ما كانت الهجرةُ مفروضةٌ فقد قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم ” أنا برئ من كلِّ مسلمٍ أقامَ بين أظهُرِ المشركين و أنا برئٌ من كلِّ مسلمٍ مع مشرك ” فكانت الهجرةُ واجبةٌ إلى أن فُتِحَتْ مكة المكرمة ثم نُسِخَ فرض الهجرةِ بقولِهِ صلى اللهُ عليه و سلم ” لا هجرة بعد الفتح ” .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة