الولايات المتحدة والسلام: بين إعتبارت ألأمن والعدالة !

 
التصنيف : سياسة واخبار (:::)

د. ناجي شراب – فلسطين المحتلة (:::)

تتحمل الولايات المتحدة المسؤولية ألأولى فى فشل المفاوضات الفلسطينية وألإسرائيلية لسبب بسيط  أنها تحتكر رعاية هذه العملية وتحول دون اى دور لأى دولة أو الأمم المتحدة على أعتبار إن ألأخيرة هى من أنشأت إسرائيل ومنحتها الشرعية السياسية الدولية . والسبب الثانى إن هذا الدور إرتبط ومنذ بداياته ألأولى التي تعود لنشأة القضية الفلسطينية بتبنى الرؤية الإسرائيلية التي تقوم على إعتبارات ألأمن والبقاء لإسرائيل علي حساب العدالة الدولية للموقف الفلسطينى وحقه في قيام دولته المستقلة ، ولا يمكن تصور المفاوضات بدون تحقيق هذا الهدف الذي بدوره سيحقق لإسرائيل ما تريده من أمن . هذا الموقف الأمريكى المعيق لعملية السلام ، وتعثر المفاوضات يعود تاريخيا إلى عهد ارئيس الأمريكى روزفلت الذي أخذ عهدا على نفسه للمملكة العربية السعودية بان لا يتخذ اى قرار بشأن القضية الفلسطينية دون مشاروة العرب. وهو ألأمر الذي لم يتحقق، وقام من بعدة الرئيس ترومان بتبنى سياسة ألأمر الواقع ، وسياسة القوة والمصالح ألإستراتيجية ليعلن تحييد موقفى وزارة الدفاع والخارجية اللتان حينها كانتا تميلان لأخذ المصالح ألأمريكية في المنطقة بالإعتبار وخصوصا المصالح النفطية ، وإستمرت هذه السياسة مع كل الإدارات ألأمريكية وصولا إلى إدارة الرئيس اوباما . ومنذ إدارة الرئيس ترومان وإسرائيل تعتبر أحد أهم ثوابت السياسة ألأمريكية في الشرق الأوسط، فقد تغير السياسة ألأمريكية من أولوياتها ، لكن تبقى إسرائيل الثابت الوحيد ، وليس القضية الفلسطينية.ومنذ ذلك الوقت والقضية الفلسطينية وعملية السلام تخضع لحسابات السياسة ألأمريكية الداخلية وخصوصا أن النظام السياسى ألأمريكى نظام إنتخابات بمعنى كل شئ في أمريكا بالإنتخاب بدءا من الإنتخابات الرئاسية مرورا بإنتخابات الكونجرس إنتهاءا بالإنتخابات على مستوى الولايات كلها ، وهذه الإنتخابات يلعب الصوت والمال اليهودى دورا مهما ،

ويلعب اللوبى الصهيونى الدور المؤثر الذي لا يمكن تجاهله من قبل اى مرشح للإنتخابات ، ناهيك عن البد العقيدى والدينى ووجود أكثر من ستين مليون مسيحى أصولى يؤمنون بعودة المسيح المرتبطة بعودة اليهود إلى فلسطين.وفى هذا السياق جاء الدور الأمريكى وإحتكاره لعملية السلام في الشرق الأوسط والحيلولة دون أى دور سواء للأمم المتحدة بهدف تغييب الشرعية الدولية ، أو أى دور فعلى للجنة الرباعية .هذه السياسة الأمريكية الثابته هى التي تفسر لنا في اهم جوانبها كل المحاولات الفاشلة لإنجاح عملية السلام والوصول لحل للقضية الفلسطينية . وصحيح أن إسرائيل تتحمل المسؤولية ألأكبر كونها سلطة أحتلال، وهى من تحتل الأراضى الفلسطينية وتعمل على تهوديها وإستيطانها ، ومن يحتل القدس، ومن تأسر اكثر من خمسة آلا ف أسير فلسطينى في سجونها ، ومن تقيم حواجز الإذلال،ومن يرفض قيام دولة فلسطينية ، لكن هذه السياسة يقف ورائها الدعم ألأمريكى بكل الوسائل المالية والسياسية والإقتصادية والعسكرية.ولعل الموقفين ألأمريكيين الإيجابيين فى إتجاه عملية السلام ،الموقف الأول وهو الموقف في وجه العدوان الثلاثى عام 1956 والضغط الذي مارسه الرئيس أيزنهاور  على إسرائيل لسحب قواتها من ألاضى المصرية كان سببه الحرب الباردة التي كانت في سنواتها ألأولى مع الإتحاد السوفيتى ، والموقف الثانى الإيجابى الذي لعبه الرئيسكارتر في التوسط بين مصر وإسرائيل والذى بموجبه إنسحبت القوات ألإسرائيلية من ألأ اضى المصرية في سيناء كان الهدف من ورائه ليس تسوية القضية الفلسطينية بقدر إخراج مصر من معادلة الصراع مع إسرائيل ، وبالتالى غسقاط خيار الحرب, وبقاء المفاوضات تتأرجح بين السلام واللاسلام.وبقيت السياسة ألأمريكية ثابتة في جوهرها ، ومتغيره في الشكليات أو اللغة الخطابية ، وما عدا ذلك كانت اى محاولة للضغط من اى رئيس أمريكى كما حصل مع الرئيس ريجان الذي حاول تطوير إتفاقات كامب ديفيد لتقترب قليلا من الموقف الفلسطينى أحبطت تحت ضغط رئيس وزراء إسرائيل وقتها مناحيم بيجين ، ونفس المحاولات التي بذلها الرئيس كلينتون والتي إقتربت كثيرا من التسوية ، وأخير وصولا إلى المحاولة ألحالية التي قام ويقوم بها وزير الخارجية ألأمريكية جون كيرى والتي تنتهى مع نهاية هذا الشهر إصطدمت بالموقف المتعنت للحكومة الإسرائيلية برئاسة نتانياهو والتي وقفت عند إطلاق أسرى الدفعة الرابعة الذين لا يتجاور عددهم ألأربعين. هذا الموقف سببه التراجع في موقف الرئيس اوباما الذي إفتتح ولايته ألأولى بسلم عال من التوقعات وألامال بدور امريكى فاعل ومؤثرمتعهدا بيتنى حل الدولتين كما جاء في خطابيه فى أنقرة والقاهرة ، وبدأ هذا الموقف فى تراجع في إطار التراجع العام في السياسة ألأمريكية في المنطقة ، وتراجع القضية الفلسطينية ،

فلم تعد المنطقة العربية لها نفس ألأولوية والإهتمام ، وبدأ النفط كأمن إستراتيجى في التراجع في أعقاب الإكتشافات النفطية ألأمريكية ، وتحول الولايات المتحدة لملفات أخرى مثل الملف النووى الإيرانى ، وأخيرا الملف الأوكرانى ، وبدت مظاهر هذا التراجع فى الموقف من ألأزمة السورية ، ومن عدم ممارسة الرئيس الأمريكى لأى تدخل في إجتماعه الأخير بنتانياهو ،وهو الذي شجع إسرائيل على التعنت فى موقفها . هذا هو الموقف الأمريكى  الذي يقف وراء فشل المفاوضات، لكن الفشل هذه المرة ستكون له تداعيات على كل الأطراف بمن فيها الولايات المتحدة ألأمريكية ، وقد تدخل المنطقة في خيار الفوضى الكاملة الذي يكون مصحوبا بزيادة وتيرة العنف وإحتمالات المواجهة المسلحة ، وبدون موقف امريكى حاسم في اللحظات ألأخيرة قد نذهب لهذا الخيار ، فلا يكفى أن تعلن الولايات المتحدة التلويح برفع يدها عن السلام وهذا لن يحدث، ولا يكفى تحميل الطرفين الفلسطينى وألإسرائيلى مسؤولية الفشل ، بل عليها إن تبادر وتقدم مبادرة توازن فيها بين إعتبارات ألأمن الإسرائيلى والعدلة الفلسطينية . وإلا سنذهب جميعا لخيار شمشون أنا والطوفان ومن بعدى وهذا هو الخيار الذي تنتظره القوى المتشددة والمتطرفة والمعارضة للسلام في كلا الجانبين وفى المنطقة كلها ، وكل هذا على حساب معاناة الشعب الفلسطينى والإسرائيلى أيضا.

دكتور ناجى صادق شراب

[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة