حيفا تعانق جنين 2002!

 

التصنيف : اصدارات ونقد (:::)

آمال عوّاد رضوان – فلسطين المحتلة (:::)

أقام المجلس الملّي الوطنيّ الأرثوذكسيّ بالمشاركة مع مكتبة “كل شيء”، حفل توقيع لرواية “جنين 2002” للكاتب أنور حامد، في قاعة كنيسة مار يوحنا المعمدان الأرثوذكسيّة في حيفا، بحضور شخصيّات اجتماعية وثقافية وأصدقاء، وقد تولّى عرافة الأمسية الأستاذ رشدي الماضي، وقراءة نقدية لد. محمّد صفوري، تخللتها قراءت من الرواية أدتها روضة غنايم، ومداخلات من الحضور، ثمّ ختم اللقاء الروائيّ الفلسطينيّ أنور حامد بمداخلة أجاب فيها على تساؤلات الحضور، وشكر كلّ من حضر وساهم في إقامة الأمسية، ومن ثم تمّ التقاط الصور التذكارية!

جاء في كلمة العريف رشدي الماضي: بينه وبين حيفا حكاية أكبر من جواز سفر، حكاية تواطأت مع الشمس، كي تواصل حيفا عدّ العائدين قبل أن تنام. انتمى إليها كإلهٍ يُؤرّخ للقيامة، كي تبقى النجوم رهينة الضوء والسماء، رهينة البرق والأرض، ومُقيمةً في هُويّة اللغة!

نعم الروائي أنور حامد! أنتَ بقيتَ تدور فيها وتعمل، ولم تتعبْ مِن رسم حيفا حبيبة، والنوم في نمَش كتفيها، لتظلّ تقول لها: تصبحين عليَّ.. فتصطفيكَ نورسًا عائدً. أخي أيُّها المُنير المنوّر النيّر أنور، أتيت فوصلت، وعبرت في أرصفة المناديل ضفة الميناء إلى جهة الخليج والبرج والكرمل، عبرت مُثقلًا شوقًا بحجم البحر، ظلّ قابعًا خلف الداليات كأسًا منتظرة.
لا تقُلْ وحدي الآن، أنت لست وحدك، اِفتح بابًا للصباح، تنجلي غابة أرجوان الحروف طرقًا كانت مغلقة! تراكَضْ مع أشجار الكلام، تقرأ حيفا قصيدة على صدر الجمال مُعلّقة. أهلا بك عريسًا، وستظلّ حيفا العروس طرحة منتظرة

وأمّا الناقد د. محمّد صفّوري، فقد حمَل ولمّا يَزل، وعيَهُ النقديّ الرائيّ، بوصلةً قارئة مُستشرفة، تبحث في مُضمر الفهم والإدراك وغوامض دهاليز الإبداع، ليترك قلمه يرتمي في موقد السؤال والتساؤل، ويبني حوارًا صادقًا بين الإبداع والحياة، حوارًا به تتسع اللغة معانيًا ودلالاتٍ ترتقي، ويكسوها الخيال والجمال والثراء الفكريّ، وتؤسّس النهضة المعاصرة فقط بعقل ناهض ومسؤول، لا يُبقي الكلمة داخل رماد الحراك الثقافيّ، تبحث عن بعث جديد، بل تدفّقًا حضاريًّا لا يتوقف عن الاندفاع.

وفي قراءة د. محمّد صفّوري بعنوان: مِن آنا فرانك إلى أريج الشّايب- قراءة في رواية جنين 2002 لأنور حامد: جنين 2002 نتاج روائيّ جديد لأنور حامد. إنّها رواية تأسر قارئها منذ أن يطأ عتبتها الأولى، يقع في شباكها فلا يستطيع منها فكاكا حتّى بعد الانتهاء من قراءتها، ليعيش في عالمها مراجعا أحداثها ومواقف شخصيّاتها المتباينة، متتبِّعا المواقف الإنسانيّة فيها، أو محاولا إدراك أبعاد النّهاية المأساويّة لبطلها. فما الّذي يمنح الرّواية هذه القدرة للاستحواذ على القارئ؟ أهو مضمونها الّذي يعبث بالضّمير الإنسانيّ فيوقظه من سباته، ويتيح للقارئ شرف المشاركة في البحث عن حلّ للأزمة المطروحة؟ أم هي جماليّاتها الأسلوبيّة الّتي تؤكّد هيمنة كاتبها على تقنيّات السّرد الحديثة، أو ابتداع آليّات سرديّة حديثة؟ أم هي سلاسة اللّغة وانسيابيّة ألفاظها المنتزعة من حياة القارئ ممّا يجرّدها من الغموض والتّعقيد؟ في اعتقادنا أنّ كلّ هذه العناصر تتآلف فيما بينها؛ لتُخرج رواية يمكن اعتبارها إحدى الرّوايات الحديثة الّتي تعكس قيمة أدبيّة خالدة، وتعالج همًّا إنسانيّا عامّا.

تدور أحداث الرّواية في محورين أساسيّين؛ الأوّل يتعلّق بشابّ يهوديّ إسرائيليّ يدعى ديفيد، والآخر يرتبط بشابّة فلسطينيّة هي أريج الشّايب، ومن خلال هذين المحورين تتولّد قضايا عديدة ومختلفة. ما يجمع بين هذين المحورين هي قضيّة الصّراع الفلسطينيّ –  الإسرائيليّ، وممارسات السّلطة الإسرائيليّة ممثّلةً بالجيش ضدّ الشّعب الفلسطينيّ الممثّل بسكّان مخيّم جنين، ومحاولات تلك السّلطة لتغييب الحقيقة التّاريخيّة في هذه البقعة من الأرض.

على المحور الأوّل تعكس الرّواية سلسلة من المآزق الّتي يعاني منها ديفيد، فيسعى بجهوده الخاصّة إلى التّحرّر منها؛ فهو ابن لعائلة يهوديّة تقطن في مدينة يافا، يؤرّقه ذلك البيت الّذي يعيش فيه، فهو بيت مبنيّ على الطِّراز العربيّ، ولم يجد، لا في البيت ولا في المدرسة، إجابة شافية لسؤاله المتكرّر عن كيفيّة تحوّل ذلك البيت لملكيّة عائلته، وكلّ ما قيل له إنّه بيت عربيّ رحل عنه سكّانه إلى لبنان لأنّهم لا يريدون العيش مع اليهود، لكنّه عند زيارته لقرية عين حوض المدعوّة عين هود اليوم والتقائه بسيّدة عربيّة تبيع المرطّبات للسّياح، يقف بمساعدتها على الحقيقة المعذّبة، ويدرك أنّ سكّانها فرّوا منها في أثناء الحرب، وأُبعد الباقون عنها إلى مناطق أخرى، الأمر الّذي يبرّر مأزق ديفيد الأوّل اعتمادا على اعترافه الّذي يقول فيه: “عرفتم الآن متى بدأ مأزقي؟ يوم زرت عين هود أو عين حوض كما سأسمِّيها من الآن فصاعدا ولو ثارت أعصاب والدي”(الرّواية، ص 18).

هكذا يعمل ديفيد على نزع القناع عن الأسطورة الإسرائيليّة الّتي لُقّنها السّواد الأعظم من الشّعب اليهوديّ، بوقوفه على جوهر الحقيقة المغيّبة في هذه البلاد، ومساندة شهادات الأمكنة الّتي تنطق معالمها بالحقيقة الّتي لا مراء فيها، سواء كانت مدينة يافا، أو قرية عين حوض، أو قرية صوبا القريبة من القدس، وغيرها. يستعين ديفيد بمحرّك البحث غوغل ليدحض الشّكّ باليقين، ويتأكّد من صحّة المعلومات الّتي جمعها، ممّا لا يُرضي سياسيّي البلاد، وفي ذلك يقول: “هل تعرفون أنّ مَن اخترع محرِّك البحث غوغل يهوديّ؟ مسكين لم يكن يعرف، ربّما، أنّه سيساهم في هدم الكثير من الأساطير في هذه البلاد، وربّما يلعنه سياسيّونا في سرِّهم مع أنّهم يشيدون بغوغل كإنجاز يهوديّ”(ص: 17 – 18).

يمثّل ديفيد في الرّواية شريحة صغيرة من الشّعب اليهوديّ، وهي شريحة غير مقتنعة بالأسطورة الإسرائيليّة فيما يتعلّق بوجودهم في هذه البلاد؛ لذا يُصاب بالاكتئاب عندما يُستدعَى للانخراط في صفوف الجيش، فيُدهشُ والداه لموقفه، ويُصدَمُ مدرِّس التّربية الوطنيّة لكثرة أسئلته عن العرب، أمّا أقرانه فينظرون إليه نظراتٍ غريبةً ويلومونه على اهتمامه المفرط بالعرب، لكنّه يصرّح قائلا: “لم أُفلحْ في الوصول إلى حالة استبعاد الآخر تماما من المعادلة أسوةً ببقيّة أصدقائي وأفراد عائلتي وربّما معظم سكّان هذه البلاد من اليهود”(ص: 19).
تصوّر الرّواية الإجماع الوطنيّ حول مهاجمة مخيّم جنين، بؤرة العمليّات التّفجيريّة خاصّة بعد عمليّة نتانيا الّتي كان أحد ضحاياها صديقه وزميل دراسته لاسلو. يُبدي ديفيد أسفه لضآلة الاحتمال في عدم مشاركته في عمليّة اجتياح المخيّم، ممّا يُشعره بالتّوتّر الّذي يأخذ يتقلّص عندما يتذكّر أنّه ينتمي لجماعة قويّة مسلّحة. يصوّر ديفيد – اعتمادا على تقرير منظّمة يساريّة يهوديّة ترصد مخالفات الجيش ويتواصل معها – امرأة فلسطينيّة تضع مولودها على الحاجز دون أن تحظى بأيّ رعاية طبّيّة، وتزداد مخالفات الجيش مع عمليّة اجتياح المخيّم، إذ يَصدرُ قرارٌ بقصف المخيّم دون تمييز، فيقول معلِّقا: “ليس هذا ما تعلّمناه عن أخلاقيّات جيش الدّفاع”(ص: 40). لكنّه حين يتذكّر أنّ عددا من منفّذي العمليّات التّفجيريّة قد خرجوا من هذا المخيّم تتوارى أسئلته المحرجة ويحلّ محلّها شبه يقين بأنّ ما يقومون به مشروع دفاعا عن أمن المدن الإسرائيليّة(ص 41). يواصل الرّاوي رصد مخالفات الجيش المختلفة، فيوجّه عنايته لجمهور النّاشطين السّياسيّين والمتطوّعين موضّحا منعهم من الدّخول إلى المخيّم لإخلاء الجرحى، الأمر الّذي يخالف قوانين الحرب واتّفاقيّة جنيف وكلّ البروتوكولات الدّوليّة كما ورد على لسان فتاة سويسريّة(ص: 43).

تزداد أزمة ديفيد حدّةً مع عمليّة اقتحام بيوت المخيّم، ويتنازعه شعوران متناقضان؛ فحينما يتذكّر أنّ المخيّم يشكّل المصدر الأساس لمنفّذي العمليّات التّفجيريّة ينخرط في العمليّة كغيره من الجنود، لكنّه عندما يطلقون النّار دون تمييز، ويسمع صرخات النِّساء والأطفال يصيح برفاقه الجنود بالتّوقّف، ولا مجيبَ لصرخاته، بل تتواصل العمليّة حتّى يعثر في أحد البيوت على جثّة سيّدة مسنّة، وجثّة أخرى لشابّة صغيرة تحتضن كرّاسةً ملطّخة بالدّماء، فينتزع الكرّاسة برفق، ويدرك أنّها كانت تكتب يوميّاتها في أثناء القصف، ويجد نفسه أمام آنا فرانك أخرى. آنا فرانك الفلسطينيّة، فيستسلم لبكاء طويل، ثمّ يمسح دموعه عندما يراه أحد رفاقه، ويخرج من ذلك البيت محتفظا بالكرّاسة في جعبته(ص: 57).

مع انتهاء العمليّات العسكريّة يعود ديفيد إلى ذاته المتشظّية، ويزداد تأزّمًا لمشاهد القتلى من نساء وأطفال، ويُذهل لما رآه خلال اجتياح المخيّم، فأبناء المخيّم يمارسون حياة عاديّة من بين الأنقاض والقنابل وكأنّهم طائر الفينيق الّذي يحترق ومن رماده يولد فينيق جديد، عندها يعرّج إلى توجيه النّقد الذّاتي في قوله: “كيف جعلونا نرى الفلسطينيّين شيئا مجرّدا لا ملامح له على الإطلاق، لا اهتمامات صغيرة أو كبيرة، لا عواطف سوى الكراهية، كراهية اليهود. هم ماكنات تفريخ ليس إلا، ينجبون أطفالا قذرين، وحين يكبرون إمّا يصبحون عمّالا وخدما لنا، أو إرهابيّين يريدون قتلنا. هذه الصّورة مريحة لوعينا الكسول ولنمط حياتنا الأكثر كسلا”(ص: 77).

لا يتحرّر ديفيد من الضّغوط النّفسيّة الّتي داهمته بعد انتهاء عمليّة الدّرع الواقي، وتزداد حالته النّفسيّة سوءا، حتّى بات يكره نفسه، فيقول: “كان يجب أن أرفض الخدمة ولم أفعل. كان يمكن أن أرفع صوتي ولم أقوَ سوى على الحشرجة. كنت جبانا ضعيفا. كنت متواطئا. أنا أكرهني. أكره كلّ شيء حولي؛ عائلتي، أصدقائي، بلدي القائم على ركام حياة الآخرين، ولا عزاء” (ص: 79– 80).

يبدو أنّ ديفيد ما عاد قادرا على مواصلة الحياة وهو ينوء بأعباء تلك الضّغوط خاصّةً بعد أن لفظه كلّ معارفه؛ فقد طرده والده من البيت بسبب زيارته مخيّم جنين بعد انتهاء الأعمال العسكريّة، وتنكّرت له صديقته شوشانا، وابتعد عنه أصدقاؤه، فأغرق في شرب البيرة حتّى ثمل، ثمّ دخل إلى أعماق البحر، ولم يخرج منه إلا جثّة هامدة، وفي هذا ما يشي بوأد الأصوات الّتي تنادي بحقّ الفلسطينيّين في هذه البلاد، وهو مصير كلّ من يخرج على الإجماع الوطنيّ.

أمّا محور الرّواية الثّاني فتكشفه يوميّات أريج الشّايب الّتي عثر عليها ديفيد في أحد البيوت الّتي اقتحمها الجنود، وعزم على ترجمتها إلى العبريّة ليعرف ما فيها، وبماذا كانت تفكّر تلك الفتاة إبّان القصف والاجتياح، ومن ثمّ سيعمل على نشرها رغم ضآلة أمله في الاتّعاظ منها، يقول: “وقصّة سأنقلها للعالم الّذي لم يتّعظ من يوميّات آنا فرانك، فهل هناك أمل أن يتعلّم شيئا من يوميّات أريج الشّايب؟ لا أظنّ، ولكنّي سأرويها على أيّ حال”(ص: 12). فمن هي أريج الشّايب وما هي قصّتها؟ إنّها شابّة فلسطينيّة في نحو السّابعةَ عشرةَ من عمرها، سافر أهلها إلى مدينة عمّان لحضور زفاف عمّتها، وبقيت هي في عهدة جدّتها استعدادا لامتحانات الشّهادة التّوجيهيّة. تقع أريج فريسة بين براثن الحرب وقذائف المدافع لتجسّد من ناحية مأساة الحياة الفلسطينيّة، وتصوّر من ناحية أخرى إصرار الفلسطينيّ على مواصلة الحياة دون أن يملك مقوّماتها الأوّليّة. تبقى أريج في ظروف الحرب سجينة في بيت جدّتها الّتي فارقت الحياة برصاصة في عنقها، وتتمنّى لو سجنت كأخيها هاني بضعة شهور تُكسبها بعض مهارات السّجن حتّى تتمكّن من قتل الوقت ومواصلة الحياة واتّقاء شرّ القصف الّذي قد يقضي على حياتها في أيّ لحظة، ممّا يُشعرها بالرّعب الشّديد الّذي تحوّل فيما بعد إلى حالة من برود الأعصاب.

تقضي أريج فترة الحصار وحيدة بعد مقتل جدّتها، وتزداد وطأة رعبها مع قلّة تجربتها وصغر سنّها، وتشرع في البحث عن وسائل لقتل الوقت وإبعاد شبح الموت عن خيالها، فتعمد في كثير من الحالات إلى استرجاع ماضيها مع أسرتها، صديقاتها، حبيبها، وغيرهم. ثمّ تفكّر في عمليّة تقنين طعامها مكتفية بالقليل الّذي يضمن لها مواصلة الحياة، وتشغل نفسها بصنع الخبز الّذي تعدّه لأوّل مرّة، متحوّلة إلى وصف عناية الأمّ الفلسطينيّة بإعداد ابنتها لتكون مستقبلا ربّة بيت ماهرة، لكنّ تواصل القصف وأصوات الانفجارات توقفها عن متابعة أعمالها بحثا عن مكان تقي به نفسها، لتعود مع توقّف القصف لمواصلة حياتها تحت الحصار.

تلجأ أريج في حالات أخرى إلى حيلة تخفّف عنها هول الحرب والشّعور بالوحدة، إذ تعمل على استحضار الغائب وتأخذ في مخاطبته ممثّلة له تارة بأدوات المنزل، وتارة ببعض الفاكهة، ونحو ذلك، ثمّ تعقد بينها وبينهم حوارا طويلا في أمور قريبة من نفسها؛ تزجيةً للوقت وهربًا من الفراغ القاتل، ثمّ تعود لتوثّق كلّ ذلك في كرّاسة يوميّاتها، وبذلك تتماثل أريج وآنا فرانك الّتي تعرّف إليها العالم من خلال مذكّراتها.

تلتفت أريج إلى البعد السّياسيّ، وتصبّ جام غضبها على العالم، ومجلس الأمن، والدّول العربيّة لمواقفها الجبانة وهي مكتوفة الأيدي لا تبدي حراكا في وجه آلة الحرب المدمّرة، ومن ذلك قولها: “كيف لي أن أرى في هذا العالم غير العبث ونحن نُترَكُ لنموت تحت الأنقاض ولا يكترث أحد في هذا العالم الواسع لمصيرنا؟” (ص: 147). أمّا عن تخاذل مجلس الأمن والدّول العربيّة فتقول: “لا أعرف شيئا عن ما يجري في الخارج، ناهيك عن ما يجري في العالم الواسع. هل يجري أيّ شيء على الإطلاق؟ هل يجتمع مجلس الأمن؟ الجامعة العربيّة؟ وزراء الخارجيّة العرب؟ ثمّ ماذا؟ يتناولون وجبة دسمة ثمّ يغادر كلّ منهم إلى حياته الآمنة. طز! يصدرون قرارات، يثرثرون، أمّا نحن فنموت هنا”(ص: 148 – 149). على هذا النّحو عاشت أريج ليس فقط خلال فترة اجتياح المخيّم، إنّما على امتداد حياتها كلِّها، إذ تقول: “منذ فتحت عينيّ على هذه الدّنيا وحياتنا سلسلة من المناكفات مع قوّات الاحتلال؛ منع تجوّل، هدم بيوت، مطاردة مطلوبين، إطلاق نار، مظاهرات، اعتصامات في المدرسة، رجم الجنود بالحجارة. أنا لا أعرف نمط حياة غير هذا، لكنّنا مع ذلك نعيش حياتنا”(ص: 131).
إنّ هذه الحياة الّتي يعيشها الفلسطينيّ تجعله لا يعرف سوى زنود البندقيّة، حتّى الأطفال تسرق طفولتهم، ويُزجّون في عمليّة مقاومة المحتلّ، فأختها وفاء تحسن استخدام الكلاشن وما زالت في التّاسعة من عمرها بدل أن تداعب الباربي والدّبدوب، ومثلها سائر أطفال المخيّم، وفي ذلك تقول أريج: “الألعاب تعوَّض وغيابها ربّما لم يُحدثْ ضررا بالغا في طفولتنا، لكن ما أمقته هو عسكرة حياتنا منذ سنّ مبكِّرة”(ص: 156).

تنفتح يوميّات أريج على البعد الدّينيّ، فتناقش جدليّة الحياة والموت تارة، أو جدليّة الجنّة والنّار تارة أخرى، وقضايا دينيّة أخرى منها قولها: “كيف تُمحى حياتُنا هكذا وتصبح ضربا من اللا شيء؟ وهل صحيح أنّنا نتابعها في الحياة الأخرى […] لكن بصراحة لم أستوعبْ موضوع الحياة الأخرى والجنّة والنّار. هل يُعقلُ أنّنا نشوى في النّار؟ وكيف يستقيم هذا مع صورة الإله الرّحيم؟ أكاد أستبعد تماما موضوع العذاب بالنّار؛ لأنّي لو آمنت بأنّه حقيقيّ فسأكفر بالكثير من خصال الله وأسمائه الحسنى”(ص: 111).

عندما يعود القصف ويشتدّ إطلاق النّار نسمع أريج وهي تلعن تلك الحياة، وتتمنّى لو تصيبها رصاصة طائشة لترتاح من الكابوس الّذي سلبها حياتها متذكِّرةً أقوال بعض رجال الدّين وهي تقول: “اللّعنة على هذه الحياة! لماذا نحن، لماذا من دون شعوب الأرض؟ أيُّ ثمن ندفعُه؟ المؤمنون يقولون إنّ هذا ابتلاء من الله. لماذا لا يبتلي غيرنا بين الفترة والأخرى؟ هل يحبُّنا إلى هذه الدّرجة؟ وهل يمكن أن يمنحنا إجازة يوما ما من هذا الحبّ لسنين قليلة فقط يا ربّ، ألا تجد غيرنا لتحبَّه؟”(ص: 149).

لا تُهمل أريج البعدَ العاطفيّ في يوميّاتها، فتنثني في عدّة مرّات عن حديث الحرب لتسترجعَ علاقتها بحبيبها عارف، ابن الجيران، وحيد أمّه، يعاني من اكتئاب وانطواء على عكس شباب المخيّم، إلا أنّها تتعلّق به وتحبّه بعدما تعرّض للضّرب من بعض الشّباب الّذين تعرّضوا لها في طريق عودتها إلى البيت، فوقف لهم بالمرصاد محاولا منعهم رغم معرفة الجميع بأنّه ضعيف “سقيطة”، لم يجرؤ على الانخراط في الانتفاضة، فظنّه الشّباب عميلا إذ استدعاه ضابط الاستخبارات الإسرائيليّة حين ظنّ أنّه يخفي ما هو أعظم من المشاركة في المقاومة، وأشبعه ضربا، ثمّ يكتشف الجميع أنّه “خالص كازو”(ص: 98 – 99). تسرد أريج علاقتها به في مواضع كثيرة من يوميّاتها، وتتذكّر مشهدا غراميّا بينهما وكيف قبّلها بتشجيع منها، فحرّرته تلك القبلة من انطوائيّته، وصار سيّد نفسه، تقول أريج: “بقبلة واحدة تحرّر من خجله وخوفه وتردّده، حين أخذ زمام المبادرة في الحبّ امتلك حياته وأصبح سيّد خطواته، حتّى مشيته تغيّرت!”(ص: 150). لكنّ صوت القنابل يحول دون مواصلة استرجاعاتها الّتي تسعى بواسطتها إلى التّخفيف من رتابة حياتها، وتسمع في إحدى المرّات صوت الشّباب، وتُميّز من بينها صوت عارف، فتدرك أنّه انضمّ إلى شباب المقاومة، وتزداد تعلّقا به، ثمّ تسترجع حوارهما حول موضوع المقاومة والعمليّات التّفجيريّة دون أن تفاجأ من موقفه المعارض لهذه العمليّات، فهو يعدّها أوّلا عمليّات إجراميّة رغم مقابلة العدوّ لهم بالقتل والتّفجير وهدم البيوت، إضافة إلى أنّها لا تحقّق الهدف الّذي يسعى إليه الشّعب الفلسطينيّ. لكنّ أريج لا توافقه على رأيه، فهي تدعم تنظيمات المقاومة رغم ما توجّه لها من نقد موضوعيّ نتيجة تعدّدها وانقساماتها حين تسعى جميعها إلى هدف واحد، هو التّحرّر من نير الاحتلال(ص: 121).

إنّ استمراريّة حياة الفلسطينيّ المنبعثة من رماد القنابل والرّصاص تدخل أريج في عمليّة مقارنة بين الشّعب الفلسطينيّ وسائر شعوب العالم لتخرج بنتيجة تقول فيها: “نحن هنا لا نخضع لدورة الحياة الطّبيعيّة كما بقيّة خلق الله؛ طفولة، مراهقة وبلوغ، شباب، كهولة، شيخوخة. طفولتنا فريدة، ولا أريدكم أن تفهموا من هذا أنّني أفضّلها كذلك، أبدا، بل أمقتها، لكن ليس معنا خيار”(ص: 152).

قبل انتهاء عمليّة اقتحام المخيّم وتدميره يدخل أخوها هاني الّذي لم يسافر مع أهله إلى عمّان، مع بعض شباب المقاومة اتّقاءً للقصف والقذائف، فيحاولون إخراج جثّة الجدّة دون جدوى، إذ يشتدّ القصف، ويخرجون لمتابعة مقاومتهم، لكنّهم يستشهدون بنيران المحتلّ، وتتناثر الجثث حولها حتّى تتمنّى لو تصيبها قذيفة، ولا يُسمع لها صوت فيما بعد، لقد استجاب الله لدعائها أخيرا.
حين يعثر ديفيد على جثّة أريج تستحوذ عليه صورتها وهي ملقاة جثّةً هامدة تحتضن كرّاستها، ويرغب بعد مغادرة المخيّم في العودة إليه قائلا: “أريد العودة إلى المخيّم حيث تركت بصماتي القاتلة، أريد التّكفير، أريد تتبّع خطى أريج الشّايب. أصبحت مسكونا بها. بهتت صورة آنا فرانك في وجداني منذ لقائي أريج. لا، لم تتغيّر مكانتها ولا خدشت رمزيّتُها، لكنّها حصلت على ما تستحقّ من اهتمام العالم بها، الكلّ يعرف قصّتها، الكلّ يحاول أن يعظ العالم باسمها، أمّا أريج فما زالت حبيسة الصّمت. أريد لصوتها أن يخرج إلى العالم. لا بدّ أن يخرج. هذه منذ الآن رسالتي”(ص: 167).

يلتقي ديفيد صديقته ليلى، وهي فتاة لأمّ يهوديّة وأب عربيّ، إلا أنّها تنحاز إلى شعب أمّها وتتنكّر لأصلها العربيّ. تخبره ليلى أنّ السّيّدة الّتي تظهر في الصّورة الّتي عثر عليها في مخيّم جنين هي امرأة يهوديّة يساريّة تدعى آرنا كانت تنشط مع أطفال المخيّم قبل المعارك، والشّابّ هو ابنها واسمه جوليانو، يعمل مخرجا مسرحيّا(ص: 70).
ترتّب أريج لديفيد لقاء مع جوليانو، ثمّ يرافقه عائدا إلى مخيّم جنين باعتباره سائقه وصديقه. يُؤخَذُ ديفيد بالتّرحيب العظيم الّذي يحظى به جوليانو من أهل المخيّم، وحين يعلّق جوليانو على ضحكهم ومشاعر الفرح الّتي تبدو عليهم، تردّ عليه امرأة شابّة بقولها: “نعم، معنويّاتنا عالية، لم ينالوا منها ولن ينالوا”، لكنّ امرأة أخرى تنفجر باكية وهي تقول: “لا، لسنا أبطالا. هذه ليست حياة. دفنوا أبناءنا في قبور جماعيّة”(ص: 182).

يتّجه جوليانو وديفيد إلى البيت الّذي وجد فيه ديفيد صورة جوليانو وأمّه، وهو المكان الّذي استُخدم لتدريباتهم المسرحيّة، فيشرع ديفيد بالعمل على إزالة أنقاضه بمعاونة بعض الشّباب، ويعلن جوليانو عن قراره بإقامة مسرح حقيقيّ في ذلك المكان؛ ليجعل من فتية المخيّم والأطفال الّذين شهدوا أهوال الاجتياح نجوما في مسرح بخشبة وقاعة وأضواء. يريد أن يرفع من هذه الأنقاض مسرحا يسمّيه مسرح الحريّة(ص: 196).

يقوم جوليانو وديفيد بزيارة عائلة أحد الشّباب الشّهداء، وتخبرهم والدة الشّهيد أنّها كانت تشعر بقرب استشهاد ابنها، ولمّا يسألها جوليانو لماذا لم تُبْقِهِ في البيت تجيبه قائلة: “والله لو يقتلوني، لو يطخّوني ما بوقِّف في طريقه […] استشهد زيُّو زيّ غيره من الشّباب اللّي زيّ الورد. كلّهم إلهم أهل، وكلّهم إلْهم إمّيات، وإلهم بلاد ساكن فيها غيرهم”(ص: 196 – 197). كانت تلك المرأة من مهجّري قرية عين حوض، يعِدُها ديفيد بأن يبحث عن بيت أهلها هناك رغم أنّه يدرك عدم قدرته على الوفاء بوعده.

أمّا ليلى فتفي بوعدها وتترجم يوميّات أريج، فيقف ديفيد على ما فيها، ويسعى إلى نشرها دون أن يفلح بالعثور على ناشر يوافق على نشر تلك اليوميّات؛ حفاظا على صورة الفلسطينيّ الّتي رسّختها السّلطة الإسرائيليّة في أذهان الشّعب، وفي ذلك يقول: “في أجواء القتل هذه من سيعنيه خدش الصّورة المثاليّة للفلسطينيّ؛ الإرهابيّ، الحاقد، المتجرِّد من الإنسانيّة. من يريد أن يقرأ قصّة حبّ ساذجة ولكن في غاية الشّفافيّة بين فتاة رومانسيّة من مخيّم جنين وشابّ خارجٍ على قوانين مجتمعه؟ من يريد أن يسمع أصواتا غير تلك الّتي اعتادها؟”(ص: 165).
يلجأ ديفيد إلى ليلى مرّة أخرى آملا أن تتوسّط له عند معارفها وتساعده على نشر يوميّات أريج ومذكِّراته.
في يافا وبعد عودة ديفيد من المخيّم يخبو حضور المخيّم الطّاغي عليه، وربّما عاد كما كان قبل زيارة المخيّم مع جوليانو، لكنّه يبقى مختلفا عن زملائه، تسيطر عليه الكوابيس، فيفكّر باستشارة إخصائيّ نفسيّ، وقد أدرك أنّه لن يستطيع مواصلة السّير في ذاك الطّريق حتّى نهايته. وحين تلفظه عائلته، صديقته، ومجتمعه يستسلم لشرب البيرة، ثمّ يُعثر عليه جثّةً هامدة على شاطئ البحر، دون أن يحظى بمعرفة ما قامت به ليلى من جهود حتّى أقنعت أخيرا إحدى دور النّشر بنشر يوميّات أريج ومذكّراته. وفي هذا ما يجعل الرّواية صرخة احتجاج مدوّية وإدانة دامغة لممارسات الجيش والسّلطة الإسرائيليّة ضدّ المواطنين الفلسطينيّين.

فنّيّة الرّواية
تعكس الرّواية قدرة فنّيّة عالية تتمثّل في جوانب كثيرة، فمن حيث المبنى يجعلها الكاتب في ثلاثة أقسام؛ يعرض في القسم الأوّل أزمات ديفيد مفصّلا علاقاته المختلفة؛ انخراطه في الجيش حتّى وصوله إلى مخيّم جنين، توثيق عمليّة اجتياح المخيّم وآثارها النّفسيّة عليه. ويوزِّع هذا القسم على ثمانيَةَ عشَرَ بابا يجعل لكلّ منها عنوانا، ويُورد في الباب الأوّل ملخّصا لأزمة أريج، وهي تواجه اجتياح المخيّم وحيدةً، وينحو نفس النّحو في الباب الثّاني فيشير إلى عثوره على كرّاسة أريج، مستعرضا في حركة سريعة ما ألمّ بالشّعب اليهوديّ إبّان الكارثة، ومظهرا إعجابه بتضحية خالته/ جدّته إستير، وبطولة آنا فرانك، ومن بعدها أريج الشّايب.

في القسم الثّاني يلتقي القارئ يوميّات أريج، فيقف على ما مرّ بها في أثناء الحصار والاجتياح، ويوزّعه على ستّةَ عشَرَ بابا دون أن يجعل لها عناوين. أمّا القسم الثّالث فيتوزّع على عشرة أبواب مجرّدة هي الأخرى من العناوين، يفصّل ديفيد فيها عودته إلى المخيّم واصفا أحوال سكّانه بعد انتهاء عمليّة الاجتياح، وبه تنتهي الرّواية. ثمّ يذيّل روايته ببعض التّفاصيل الحقيقيّة عن كلّ من جوليانو خميس وآنا فرانك، اعتمادا على موقع ويكيبيديا.

يوظّف الكاتب عدّة آليّات سرديّة كتقنيّة تعدّد الرّواة، فيجعل ديفيد هو الرّاوي الأوّل الّذي يسرد أحداث الرّواية الخاصّة به مستخدما الضّمير الأوّل، ثمّ يلقي مهمّة السّرد في القسم الثّاني على أريج لترويَ بالضّمير الأوّل أيضا، قصّة الحصار واجتياح المخيّم مع بعض الحضور للراوي الأوّل من خلال تعليقاته المختلفة على الأحداث، ويعود في القسم الثّالث للرّاوي الأوّل وحين ينتهي دوره نتيجة موته، يوكل مهمّة إتمام السّرد للصّديقة ليلى الّتي تقوم بسرد أحداث البابين الأخيرين. وفي اعتقادنا أنّ تقنيّة تعدّد الرّواة هي تقنيّة غير سهلة، تتطلّب دراية تامّة بها ويقظة دائمة من قبل المبدع حتّى يُتمَّ عمليّة توزيع السّرد على الرّواة بصورة تتّفق والأحداث المرويّة، دون أن يفقد خيوط الحبكة في الرّواية.

لعلّ من أكثر التّقنيّات إثارةً ما يسمّى بالتّناسل أو التّوالد الحكائيّ، وهي تقنيّة حاضرة على مساحة الرّواية كلِّها، وفيها يسرد الرّاوي حدثا معيّنا، فيتولّد منه حدثٌ آخرُ. ومن نماذج ذلك ما روته أريج عن فرحتها الكبيرة يوم أن صنعت الخبز لأوّل مرّة في حياتها، وعن ذلك تقول: “بلغ منّي الفرح مداه. لن تصدّقوا! بدأت أقفز من الفرح مثل طفلة صغيرة. هكذا احتفلتُ بالخبز الأوّل الّذي صنعتُه بيديّ. حين هممتُ بالتّوقف عن القفز خطر ببالي شيء، عندما كنت طفلة كنت أجد متعة غير طبيعيّة بالقفز فوق سرير والدَيّ”(ص: 114 – 115). ثمّ تسترسل في وصف تبعات ما جرّ عليها ذلك القفز من عقاب والدتها، وتسامح الوالد معها. هكذا تنبني الرّواية على تقنيّة تناسل الحكايات الحاضرة في كلّ الرّواية، فعندما تعلن أريج أنّها أفضل من يصنع الشّاي بالميرميّة برأي حبيبها عارف، تنتقل عندها لسرد علاقتها بعارف، وما يُقال عنه في المخيّم واتّهامه بالجبن والعمالة، ثمّ تعرض رأيه في تنظيمات المقاومة المختلفة وتعاطفه مع حركة فتح، وبذلك يتمّ تناسل الأحداث من بعضها بواسطة الاتّكاء على تقنيّة الاسترجاع الفنّيّ الّتي تعتبر إحدى التّقنيّات الّتي يقوم عليها سرد الرّواية، ومن ذلك استرجاع ديفيد لفترة عمله في مصنع “فيتا” للمعلّبات في مدينة رمات غان، هناك يلتقي بمروان، وهو شابّ فلسطينيّ من مدينة طولكرم يعمل هو الآخر في المصنع، وحينما يسأله أريه، مدير العمل عن سبب توقّفه عن العمل يخبره مروان أنّه يريد الالتحاق بجامعة السّوربون لمواصلة دراسته الأكاديميّة، ممّا يسبّب صدمة لأريه الّذي كان يعتقد أنّ مروان سيستمرّ في عمله هذا حتّى سنّ التّقاعد، ويوظّف الكاتب ظاهرة الاستفهام البلاغيّ البارزة في الرّواية ليوضّح دهشة مدير العمل من مخطّط مروان، إذ يتساءل أريه: “كيف ذلك؟ هذا العربيّ يريد أن يلتحق بالجامعة؟ أليس من المفروض أن يبقى عاملا هنا؟”(ص: 77 – 78).

لا يقتصر سرد الرّواية على هذه التّقنيّات فقط، إنّما يوظّف الكاتب تقنيّات أخرى كالحوارات الكثيرة الّتي تخفّف من رتابة السّرد، ليأتي السّرد فيما بعد سريّا سلسا ومتدفّقا حيويّة. يبدع الكاتب في توظيف تقنيّة ما يسمّى استحضار الغائب ومخاطبته، تلك التّقنيّة الّتي فرضتها ظروف أريج وهي تعيش الحصار وحيدةً، عندها تلجأ تارةً إلى استحضار أفراد عائلتها، وطورا تستحضر صديقاتها، أو حبيبها عارف، وتدخل في حوار يطول ويقصر وَفق حالتها النّفسيّة، ومن نماذج ذلك استرجاع جلساتها الماضية مع صديقاتها كلّ خميس، إذ تستحضر صديقاتها من الغياب وتشرع في مخاطبتهنّ ونقاشهنّ في قضايا عديدة، فتتّخذ من ثمرة الباذنجان رمزا لصديقتها سحر، أمّا  ثمرة الكوسا فياسمين، وتجعل ثمرة البندورة كناية عن جمانة، وبذلك تحقّق أريج عدّة أهداف؛ إذ تهرب من جوّ القصف المخيف إلى جوّ كلّه حميميّة، وتعمل من ناحية أخرى على قتل الوقت بأشياء مسليّة في ذلك الجوّ الخانق الّذي فرض عليها، إضافة إلى تسليطها الضّوء على جوانب من حياتها كانت خفيّة عن القارئ.

وتجدر الإشارة إلى وعي الكاتب بأهمّيّة المكان ودوره في عمليّة السّرد، فيوظّفه في الكشف عن الحقائق المستورة مثلما حدث مع ديفيد، الرّاوي الأوّل الّذي لم يقتنع، كما قدّمنا، بردّ الأهل والمدرسة على استفساره عن كيفيّة انتقال بيتهم ذي الطّراز العربيّ إلى ملكيّتهم، وعندما يزور مع طلاب المدرسة قرية عين حوض يكتشف الحقيقة دونما جهد من خلال معالم القرية، ومن المرأة الّتي أبت مفارقة قريتها، فقدمت إليها يوميّا لبيع المرطِّبات للسّيّاح تعلّقا بقريتها، وأملا في العودة ذات يوم إليها.

كلّ هذه التّقنيّات تتآلف فيما بينها لتقدّمَ للقارئ رواية سريّةً في مضمونها، ساحرةً في جماليّاتها الأسلوبيّة ناهيك ما تضمّنه الرّواية من سخرية مبطّنة يلتقيها القارئ في مواضع عديدة كتلك العبارات الّتي يقولها ديفيد عندما شارك في مداهمة أحد البيوت في كفر اللّبد بحثا عن إرهابيّين، فلا يجدون سوى النِّساء والأطفال، فيقبضون على شيخ عجوز جاوز السّبعين من عمره، عندها يقول ديفيد: “غادرنا ومعنا الغنيمة؛ إرهابيّ فوق السّبعين يرتعد من الخوف، وتركنا خلفنا عويل نساء وصراخ أطفال. هل هؤلاء هم من يُروِّعون دولتنا العتيدة؟”(ص: 34).
قد يأخذ البعض بعض المآخذ على أساليب السّرد في الرّواية كزجّ اللّغة العامّيّة في الحوارات الّتي يعقدها الكاتب بين شخصيّاته المختلفة، لكننا نرى في ذلك آليّة مناسبة ينقل الكاتب عبرها لغة الشّخصيّة بالكلام المحكيّ، الأمر الّذي قد يعكس بصورة غير مباشرة مستوى الشّخصيّة الثّقافي، أو الاجتماعيّ، إضافة لما تضفي هذه اللّغة من واقعيّة على عالم الرّواية.
وبعد؛ فإنّ ما يميّز هذه الرّواية أنّها تصوّر واقعا يكاد يطابق الحقيقة، بالإضافة إلى اللّغة الانسيابيّة الخالية من أيّ تعقيد، يقاربها القارئ وهو مغمور بشعور من الألفة، فمن أين نبعت هذه الحميميّة؟ أهي من هذه اللّغة، أم من الوجع الإنسانيّ الّذي يتفجّر منها؟ أم من الحوارات المألوفة الّتي ينسلها الكاتب من واقع النّاس؟ أم من الأساليب المتنوّعة الموظّفة فيها؟! في اعتقادنا أن كلّ هذه المركّبات والعناصر تجمّعت معا لتنتج رواية قيّمة سيطول الحديث عنها.

وتبقى لنا ملاحظة لا بدّ من ذكرها، فقد تحمل ردّا قاطعا على كلّ من يرمي الكاتب بإقحام حضور جوليانو مير خميس ووالدته السّيّدة أرنا مير في عالم الرّواية ولا فائدة من ذلك، علما بأنّ الكاتب ينوّه في صدر الرّواية إلى أنّه وظّف فيها بعض التّفاصيل من حياة جوليانو، لكننا لا نرى مثل هذا الإقحام، ونعتقد أنّ حضور جوليانو كان ضروريّا لعدّة أسباب، أبرزها أنّ الرّاوي يتّخذه وسيلة للوصول إلى مخيم جنين تكفيرا عمّا اقترفت يداه، وهو لا يستطيع ولوج المخيّم دون وسيط، كما لا نرى أيّ ضير في ذكر جوليانو وأمِّه أيضا، فهما يستحقّان التّخليد لما قاما به من نشاط إنسانيّ في المخيّم، ومكافأة لهما على المشروع المسرحيّ الّذي أقامته والدته وعزّزه جوليانو من بعدها، رغم أنّ يد الغدر لم تمهلْه حتّى يحقّق الرّسالة الإنسانيّة الّتي كان يحملها.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة