غبار انتخابي بعد تسانومي الناصرة

 

التصنيف : فلسطين (::)

نبيل عودة – فلسطين المحتلة (:::)

تلاشى غبار معركة الانتخابات المعادة لرئيس بلدية الناصرة  وظهرت النتائج بسطوع حسم الإنتخابات قبل فرز جميع الصناديق. قرار الناخب النصراوي كان حاسما بشكل لا سابقة لنا به الا في التصويت للمرحوم توفيق زياد في اول انتخابات خاضتها  جبهة الناصرة الديمقراطية (1975) وكانت حقا جبهة نصراوية.. ان لم نقل جبهة كل الجماهير العربية التي اصطفت وراء جبهة الناصرة ونسخت  تجربتها في بلداتها.

السؤال اليوم يجب ان يتمركز حول اسباب انتهاء الدور الطليعي للجبهات الديمقراطية في الوسط العربي في اسرائيل عامة والناصرة على وجه الخصوص. اي محاولة اخرى لتفسيرات ضيقة هي مجرد مبررات لتغطية الأخطاء التي قادت الى الفشل.. وهي أخطاء تتعلق بالتعامل الفكري والسياسي مع الواقع الاجتماعي، ادارة الأزمات الإجتماعية بشكل ارتجالي وشخصاني، أخطاء التجربة التي تراكت دون ان يجروء احد على الاعتراض حتى بلغ السيل الزبى. تفكيك التنظيم باستقالة شخصيات مركزية بسبب قرارات شخصانية مناقضة لقرارات ودستور التنظيم والمنطق السياسي والتنظيمي السليم، يمكن طرح العديد من العوامل الأخرى الأقل أهمية ولكنها هامة ومؤثرة سلبيا بحد ذاتها.

لا بد من اسئلة كان يجب ان تطرح قبل سنوات طويلة: ما الذي تغير؟ ما الذي يدفع للفشل؟ هل تغير شعبنا ؟ هل تغيرت قياداته؟ هل اختلفت قيمه وأهدافه؟ ما السبب وراء هذا الشرخ بين الأمس واليوم؟ هل انجزنا اهدافنا في السلطات المحلية؟ ام نقف اليوم في اوضاع داخل سلطاتنا المحلية لا يحسدنا عليها أحد؟ كيف ساهمت الطائفية السياسية والعائلية السياسية بتحولات إجتماعية – سياسية  ازاحت الجبهة (وحزبها) من مكانته المؤثرة والمقررة في الكثير من الحالات دون ان يثير ذلك قلقا واعادة ترتيب الأوراق؟

السؤال الأهم اين تلاشت الأجسام السياسية الوطنية والثورية التي تدعي انها من اجل مستقبل حضاري يؤكد على ما يوحد بيننا (الانتماء القومي) وليس على ما يفرق بيننا ، وما هي دوافعها ومبرراتها لهذه العدائية للجسم السياسي الذي مهد لهم الطريق للنشاط السياسي؟

كيف نفسر تصرفات حزب سياسي علماني لا هم له الا ضرب حزب سياسي علماني آخر. من استفاد من هذا الصراع ومن خسر؟  قرأت واستمعت للكثير من التفسيرات، لا انكر ان كل التفسيرات تضع يدها على الم ما، على عاهة في طور النشوء أو التأزم، على ظاهرة سلبية ما ، طائفية مثلا، او عائلية.. لكنها تتوقف عندما يصل التساؤل الى عقر دارها. يبدأ الخطأ بتبرر النهج السياسي ، الفكري  الأخلاقي ، التربوي والإجتماعي الذي قادنا ( او دحرجنا) لهذا الحالة الكافكية (الكاتب فرانس كافكا كان رائدا للكتابة الكابوسية). لماذا أكتب وقد ترددت كثيرا قبل ان اقرر الكتابة عن هذا الموضوع الذي سيعرضني لغضب اصدقاء ورفاق عمر ودرب اراهم الأقرب لي سياسيا وفكرا وهكذا سيبقى الأمر ..

للأسف تسود أخلاقيات غير صحية:  اذا لم يقرأوا ما ترغب به نفوسهم يثور غضبهم!!  يجب ان اكتب انهم معصومون عن الخطأ وان “الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية” هي وراء استمرار تراجعهم.. تراجعنا كلنا كأفراد وكاقلية عربية!!

يقول كافكا: “الكتابة انفتاح جرح ما.” وحياتنا مليئة بالجروح المتقرحة، دائما نحاول ان نقنع جمهورنا ان  التراجع أو الانتكاسة هي ظاهرة عابرة، لكن بعد تسانومي الناصرة أضحت التبريرات ضحك على الذات . من الممكن طرح الف شعار يعالج جرح الخسارة، يقفز فوق الحقائق التي لا يريحنا  الخوض فيها وبناء اوهام سياسية أشبه بكتابة حوالات مالية ونحن نعرف سلفا انها بلا رصيد.

انا لا اتحدث عن فوز انتخابي  وبالتحديد فوز علي سلام برئاسة بلدية الناصرة، بكلمات اخرى ، فوز الشخص ، البرسيونال ، على تنظيم تاريخي عريق  لا يمكن تجاهل دوره العظيم في حياة الجماهير العربية في اسرائيل ( وأعني الحزب الشيوعي) هو فوز لا يمكن الاستهتار به وبتفاعلاته السياسية على مجمل الحياة السياسية بدائرة تتجاوز حدود مدينة الناصرة.

مدينة الناصرة ليست بلدة هامشية. مدينة الناصرة هي المقياس البارومتري لواقعنا السياسي. اذن ماذا حدث .. هل الخسارة هي وليدة حالة فجائية، خطأ مطبعي مثلا ؟  خطوة الى الخلف من اجل قفزة الى الأمام ، حسب نظريات ماو تسي تونغ؟!

البعض يقول تسانومي سياسي أغرق سواحل الناصرة وأحيائها ودمر كل ما وقف في طريقه.  المبررون سيقولون اننا لا نملك “أجهزة رصد” لكوارث السياسة. أو ميزانياتنا فقيرة لذلك اعلامنا فقير. يبدو من كلامهم أن العقل لا يصبح فعالا الا بشيء من الفضة .. بالتالي يمكن ان نستنج ان الفكر الماركسي الذي يعتبرونه ( وانا معهم) أفضل اجهزة رصد في حالتنا السياسية، الاجتماعية ، الثقافية، الدينية، الاخلاقية والفكرية ، بات بلا رصيد فاعل .. بل مفعول به!

الفكر يحتاج الى رجال فكر، هل اقول ما يقف على طرف لساني؟  سامتنع حتى لا افهم خطأ!!

قد أجتهد مثل الأخرين وابرر وأفسر واتهم. لكن لا تفسير منطقي مهما تمسكنا بما يمليه علينا خيالنا الجامح، الموضوع ليس التمسك بقميص عثمان. بل الخروج الى الهواء الطلق، ولأكون واضحا أكثر ، كفى نوما داخل الكهف ، حان الوقت للخروج الى الشمس والهواء الطلق. لا أعرف من قال ان “الانسان قادر على تنظيف ملابسه، لكنه ليس قادرا على تنظيف ضميره”!

من كان ضميره نظيفا ليعلن ذلك!! أقول ببساطة اننا نحتاج الى المصارحة القاسية، الى عقل فعال وليس الى عقل منفعل!عقل قادر على وضع ترسبات الماضي جانبا وان يعيد ترتيب اولويات وعيه  وبرمجة فكره واصلاح الغبن مهما بدى ذلك متأخرا. اعرف اني مُقاطع اعلاميا من الجهة السياسية التي اعتبر نفسي جزءا فكريا منها ودعمتها اعلاميا بقلمي (رغم مقاطعتي اعلاميا منذ ثلاث دورات انتخابية) في الوقت الذي وقفت هي عاجزة عن لعب أي دور اعلامي مؤثر او تظاهري على الأقل، بصراحة.. بعد قرار إعادة الانتخابات رأيت ليس خسارة الانتخابات امرا مفروغا منه،رايت الهزيمة السياسية للأجندة التي أصبحت ايديولوجيا اعلامية وسياسية لا تسوى قشرة بصل.. فلزمت الصمت مجبرا.

احيانا هذا التعبير “اعلام” يضحكني، هل حقا لدى الأجسام السياسية اعلام مؤثر بمستوى يمكن ان نطلق عليه تسمية :”السلطة الرابعة”؟ كما هو حال الاعلام في فرنسا مثلا او الولايات المتحدة او حتى تحت انفنا : الاعلام العبري في اسرائيل؟ لا اريد ان أشمل كل اعلامنا.

لا شك لدي ان الاعلام هو سلطة رابعة الى جانب السلطات الثلاثة : التشريعية ، القضائية والتنفيذية. هذا صحيح لكن ليس في حالتنا. ليس في واقعنا العربي داخل اسرائيل مع شديد الألم والأسف.

الصحيفة التي شكلت وعينا الوطني، الطبقي، الفكري، الثقافي، التربوي، السياسي، والاعلامي كانت عاجزة واقرب لحالة التسول السياسي منها لحالة اعلامية يحسب حسابها. من الخطأ الظن ان هذه الحالة الاعلامية هي حالة طارئة لمعركة معرفة بالإسم والمكان، انما هي حالة يومية مستديمة منذ سنوات طويلة تتجاوز العقدين على الأقل.

كنت قد سؤلت ببرنامج اخباري عن دور الاعلام في انتخابات بلدية الناصرة ، فاستهجنت مقدمة البرنامج انكاري لأي دور ملموس للإعلام. قلت لا انكر دور الاعلام وأهميته، لكن ليس اعلامنا وليس في هذه المعركة الانتخابية. تساءلت: هل لعبت اعلانات القوائم او المرشحين التي زينت الوسائل الاعلامية، أي دور انتخابي؟ أجزم بالنفي. لم يكن أي اعلام يخاطب العقل. بل كان سقوطا مدويا خاصة شعار الجبهة الذي طرح الشخص رامز جرايسي ( مع رامز جريسي الناصرة بخير) مقابل الشخص الآخر علي سلام ، انتبهوا لخطأ هذا الاعلام، الاعتماد على الشخص وليس على المجموعة التي مع الشخص، من ناحية علم النفس الاجتماعي في هذه السقطة الجبهوية جرى التأكيد على الأمر الذي نرفضه ، الجانب الطائفي البغيض للشخص مقبل الشخص الآخر بدل الاعتماد على المجموعة البلدية ولو في خلفية صورة المرشح.الى جانب نفي المجموعة واعلاء شأن الفرد… راجعوا ماركسيتكم، قبل ان تردوا علي!!

الذي اختار للجبهة هذا الشعار اوقعها باشكالية انعكست ب 10.400 صوت فجوة بين المرشحين. هل نحن مجتمع حضاري، مجتمع منفتح بلا ترسبات طائفية؟  نتأثر سلبيا بالحضارة هذا مؤكد، نعيش على ضفاف الحضارات العالمية هذا مؤكد. ما يهمني معرفته هو ماذا فعلنا لنعزز انتمائنا القومي فوق أي انتماء فئوي آخر؟!

الجواب : لا شيء… العزف على الحان تاريخنا ، وعلى الشخص (بمفهوم المخلص) كانت اكثر قوة من العمل على حاضرنا وتخطيط مستقبلنا.  الاعلام استفاد ماديا، ولم يؤثر على قرار المصوتين. وهذه حالة متطابقة مع التسونامي الذي عصف بالتنظيم التاريخي صاحب الدور الحاسم في صيرورتنا وتثبيت اقدامنا فوق ارضنا  وتطوير ثقافتنا القومية وتعزيز انتمائنا القومي… وهذا يقلقني ..!!

ليس سرا انه في مرحلة النضال الشرس والصعب والأسطوري ، لم يبرز الا قادة الحزب ورفاقة القدامى البواسل، كانوا درعا للشعب ودفعوا الثمن عنا جميعا. لكن في مرحلة الرفاه الديمقراطي وتحول الزعامة من تكليف قاس الى منصب اقتصادي واجتماعي صار الازدحام السياسي والمنفعي هو الظاهرة البارزة ولا بأس من ضم قطر لحالتنا !!

لا بد من كلمة أخيرة، لست رافضا لعلي سلام ، بل انا على ثقة انه سيكون عند توقعات الجميع مواصلا لطريق التطوير ، المشاريع المقررة او التي ستقرر لا صبعة فئوية لها ولا صبغة حزبية، بل صبغة نصراوية تخدم جميع المواطنين. هناك عمل كبير ينتظره، المقرر في نهاية الأمر مصلحة مدينة الناصرة ومواطنيها، صيانة انجازاتها السياسية على وجه الخصوص، العمل على تخفيف وتقليص الظاهرة الطائفية التي ستلحق الضرر باي رئيس بلدية، لأن مقياس النجاح يعتمد ايضا بشكل واسع على تعميق النسيج الاجتماعي للمدينة، تعميق النسيج الذي يجمعنا (الانتماء الوطني) على حساب ما يفرق بيننا (الانتماء الطائفي).  ويجب وقف البكاء على الأطلال واعطاء الدعم الكامل لكل مشروع حيوي يطرح للتنفيذ وان لا يجعل موضوع الاعتذار فوق المصالح الحيوية لمدينة الناصرة.

لدينا رئيس بلدية نريد له النجاح تماما كما كان لنا رئيس بلدية يعتبر من أفضل رؤساء البلديات ويستحق التكريم من الجميع.

يقول مثل اجنبي: وقت الطبيخ لم يحضر أحد ، وقت الطعام لم يعد مكان لأحد!!

يجب الحذر ان لا تصبح هذه حالنا في بلدية الناصرة.

الناصرة لنا جميعا، رئيسا وبلدية!!

[email protected]

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة