تقرير صحفي : حول اللّغة العربيّة ومرجعيّتها الرّسميّة المحليّة

 

التصنيف : فن وثقافة (:::)

أعدّه سيمون عيلوطي – فلسطين المحتلة  (:::)

اللغة العربيّة، بالإضافة إلى كونها لغة للتّخاطب والتّواصل الاجتماعي، تُعتبر من اللّغات العالميّة المهمّة، وذلك لتميّزها بغنى مُفرداتها ومُترادفاتها وتوفّر التّشبيه والمجاز واشتقاق الكلمات والبلاغة والفصاحة والألفاظ المضادة والاستعارات والتّضمين .. إلخ، وقد عُني بدراستها كثيرون من المهتمّين والمستشرقين.

ماريو بِلْ، مؤلّف كتاب قصّة اللّغات، رأى أنَّ “العربيّة هي اللّغة العالميةُ في حضاراتِ العُصورِ الوسطى، وكانت رافداً عظيماً للإنكليزية في نهضتها وكثيرٍ من الأوربيّات. وقد أورد قاموس Littre  قوائمَ بما اقتبسته هذه اللّغات من مفرداتٍ عربيةٍ، وأوّلها الإسبانية ثمّ الفرنسية والإيطالية واليونانية والمجرية، وكذلك الأرمنية والروسية وغيرها، ومجموعها 27 لغة، وتقدّر المفردات بالآلاف “، وغيره من المستشرقين الذين انكبّوا على بحث اللّغة العربيّة من مختلف جوانبها، ناهيك عن مجامع اللّغة العربيّة في بعض الأقطار العربيّة التي قامت من أجل تحقيق الألفاظ المستجدّة في العربيّة وإعلاء شأنها عامّة.

تعتبر “اللغة العربية لغة رسمية في إسرائيل بموجب قانون صدر إبّان الانتداب البريطاني عام 1922. إلا أن تقاعس السلطة الرسمية في إسرائيل، وجهل قطاعات واسعة من السكّان اليهود لهذه اللغة، أفرغا هذا القانون من مضمونه. فقد تدهورت مكانة اللغة العربية حتى بين أبنائها نتيجة تهميشها وإقصائها في المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام والأماكن العامة، حتى بات من الضروري، في ظلّ هذا التراجع الملحوظ في مكانتها، العمل بشكل منظم ومدروس من أجل الرفع من شأنها وتعزيز الثقة بها”. الخصوصيّة التي تواجه لغتنا العربيّة في إسرائيل من تأثّر باللغة العبريّة، جاء لغير مصلحة العربيّة، خاصّة أن التّعليم الجامعي في مختلف المجالات يتمّ بالعبريّة، ممّا أبعد أبناءنا عن اتقان لغتهم التي تكوّن، فيما تكوّن، هويّتهم الثقافيّة والقوميّة، الأمر الذي دعا إلى ضرورة إنشاء مجمع اللّغة العربيّة، وذلك حرصا على صون الطّابع والثّقافة والهويّة العربيّة والتماثل بالتّالي مع المحيط الثّقافي والاجتماعي في الوطن العربي الكبير.

انطلاقا من هذه المسؤوليّة والوعي بأهمية اللغة العربية، كلغة ذات تراث عريق، ولغة قومية لقطاع واسع من سكان هذه البلاد، ولغة رسمية في مؤسسات الدولة، فقد تضافرت الجهود لتشكيل مرجعية أكاديمية لها، من خلال سن قانون رسمي بتاريخ 21 آذار 2007، يقضي بإقامة مجمع للّغة العربيّة في البلاد، يهتمّ بشؤون اللّغة العربيّة وإعلاء شأنها.

بناء على ما تقدّم أخذ المجمع بالعمل “.. على تحقيق جملة من الأهداف التي تسهم في ترسيخ وتعميق حضور اللغة العربية في المشهد اللغوي العام وفي المحافل العلمية والثقافية والحضارية، ومن أهمّ هذه الأهداف: دراسة اللغة العربيّة على اختلاف عصورها وفروعها؛ العمل في مجالات المصطلحيّة، والقواعد، والمفردات، واللفظ، والنقحرة (النقل الحرفيّ) والإملاء في اللغة العربيّة، بما في ذلك الاستحداثات اللغويّة وملاءمتها لعصر التقنيّة والحوسبة المتطوّر؛ إعداد قواميس ومعاجم عامّة ومتخصّصة؛ دراسة اللغة في الثقافة العربيّة، وبالذّات في مجالي الأدب والشعر؛ إقامة العلاقات وتبادل المعلومات مع مجمع اللغة العبريّة ومع مؤسّسات دراسة اللّغتين العربيّة والعبريّة في البلاد والعالم؛ التّعاون مع وزارة التّربية والتّعليم ومع مؤسّسات التّعليم العالي وتقديم المشورة لها في المجالات اللغوية؛ إصدار منشورات وأبحاث وإقامة المؤتمرات في مجال نشاط المجمع.”

ولكي يستطيع المجمع القيام بالأهداف المذكورة، بنى قاعدة تنظيميّة، فأسّس”الهيئة العامة للمجمع” التي تتألف من عشرين عضوا متطوّعا من خيرة الباحثين المتخصصين في اللغة العربية وآدابها، منهم ستة عشر عضوا نظاميا وهم: د. محمود أبو فنه، د. شلومو ألون، د. كوثر جابر، أ.د. سليمان جبران، د. رقية زيدان، أ. خولة سعدي، أ.د. ساسون سوميخ، أ.د. إليانور صايغ حدّاد، أ.د. إبراهيم طه، أ.د. محمود غنايم (رئيس المجمع الحالي)، د. نبيه القاسم، د. نزيه قسيس، أ.د. مصطفى كبها، د. محمود كيال، أ.د. فاروق مواسي؛ أ. جميل غنايم، وثلاثة أعضاء فخريين هم: أ. حنّا إبراهيم، أ. حنّا أبو حنّا، أ. سامي ميخائيل. كما انتخبت الهيئة العامة في جلستها الأخيرة في الشهر المنصرم الكاتب محمد علي طه عضو شرف، ود. كلارا سروجي -شجراوي ود. كرمة زعبي ود. حسين حمزة أعضاء نظاميين ود. عبد الرحمن مرعي عضوًا مستشارًا. تنتخب الهيئة العامة رئيس المجمع ونائبه، كما تنتخب أعضاء إدارة المجمع التي تشرف بشكل مباشر على كل نشاطاته. ويتوزع أعضاء المجمع على لجان مختلفة: لجنة الأبحاث والنشر، وتشمل لجنة قاموس اللغة العربية المعاصرة؛ لجنة المصطلحات والألفاظ؛ لجنة القضايا اللّغويّة اليوميّة؛ لجنة التسميات.

قام المجمع، حتى اليوم، بتنفيذ سلسلة من النشاطات الحيوية التي تصبّ في إطار أهدافه واهتماماته وتطلعاته، أذكر منها، على سبيل المثال، المؤتمرات والأيام الدراسية التي دأب المجمع على إقامتها، والمؤتمرات والأيام الدراسية العلمية بمشاركة متخصصين في مجالات لغوية وأدبية متعددة منها: اللغة العربية في إسرائيل: واقع وتحديات؛ الغائب الحاضر: محمود درويش؛ اللغة العربية والفولكلور الفلسطيني في الحياة اليومية؛ اللغة العربية في وسائل الاتصال؛ اللهجات العربية في اللغة والأدب؛ مئة سنة على ولادة نجيب محفوظ وغيرها.

كما قام المجمع بدعم وتمويل أبحاث مميّزة وذات صلة بمجالات اهتمامه أجراها باحثون متخصصّون، ومن بين هذه الأبحاث: التسميات الفلسطينية وعلاقتها بالحيز المكاني؛ تداخل اللغة العبرية باللغة العربية المكتوبة في إسرائيل؛ المشهد اللغوي الفلسطيني في إسرائيل؛ الترجمات العربية للكتاب المقدس؛ معجم الألفاظ المحورية في شعر محمود درويش؛ وغيرها. يجري ذلك كلّه إلى جانب حرصه على مواصلة تقديم المنح الدراسية لعشرات الطلبة المتفوّقين في الدراسات العليا في مواضيع ذات صلة باللغة العربية.

يضمّ المجمع في مقرّه في حيفا مكتبة تحوي نحو 4000 كتاب في مواضيع مختلفة تتعلّق باللغة والأدب العربيين. المكتبة مفتوحة للجمهور، كما يمكن إجراء بحث في مجموعة الكتب من خلال فهرس المكتبة المحوسب في موقع المجمع. وهناك ركن إميل حبيبي: الذي خصّص له المجمع ركنا من مقرّه لتخليد ذكراه، يشمل إبداعاته وأبحاثا مختلفة حولها كما يشمل مراجع في الأدب العربيّ الحديث.

لا بدّ من الاشارة أيضا إلى أن المجمع أصدر مجموعة من الأبحاث العلمية في اللغة والأدب، نذكر منها: سليمان جبران (2009)، “على هامش التجديد والتقييد”؛ رقية زيدان (2009)، “أثر الفكر اليساري في الشعر الفلسطيني” ؛ سيف أبو صالح (2010)، “الحركة الأدبية العربية في إسرائيل”؛ هيفاء مجادلة (2011)، “هموم المرأة العربية في أدب ليلى العثمان”؛ فؤاد عزام (2012)، “شعرية النص السردي”، كوثر جابر، “الكتابة عبر النوعية، تداخل الأنواع الأدبية في الأدب العربي الحديث”، وذلك بالإضافة إلى مجلة المجمع: يصدرها مجلة حولية تحت عنوان: المجلة، مجمع اللغة العربية، وهي مجلة علمية محكمة تُعنى بنشر أبحاث أكاديمية جديدة في مجالات اللغة والأدب كما ينشر بين الحين والآخر المصطلحات التي تقرها هيئاته في الجريدة الرسمية، وفي نشرات خاصّة يتمّ توزيعها على المؤسّسات التربوية والثقافية.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة