رواية “الواحد” للروائي طلال قاسم، روايةٌ ثلاثية الأبعاد

 

التصنيف : اصدارات ونقد (:::)

الناقد عبد الرقيب الوصابي (:::)

“طلال قاسم” روائي عميق النظرة، خصب الخيال، يسكنه قلق معرفي شاسع، يشكل إبداعيا كل ما يستحضره وما يتمناه أن يكون، يحاول الإجابة عن أسئلة كونية كبرى، يرمي كلَّ الأفكار، ويتجرد منها، في رائعته “الواحد”.

الرواية التي تَتنامي أحداثها وتتصارع شخصياتها بتخييل مواز يفضي بالقارئ إلى تخييلات القلق المعرفي والوجودي المُتخيَّلِ بقصدِ الوصُولِ إلى ذُرى المعرفة، عبر وسائط التشويق والإثارة وإثارة المسكوت عنه، يثبت طلال قاسم بأن عقليته وقدرته على سرد الأحداث والوقائع وربطها بأزمنة مختلفة؛ قادرة على خلق خيال آخر لمعنى الوجود الإنساني، كما حاول في الآن ذاته أن ينتج زاوية أو نظرة غير معتادة، أو مطروقة، لأسطورة أو مسألة الخلق.

تهدف “رواية / الواحد” لــ طلال قاسم، إلى الإحاطة الشاملة بالإنسان بغية إدراك الحقيقة الكلية والغاية من وجوده وكامن قوته ويقظته، والتعرف إلى الإنسان ودوافعه وإمكاناته التحفيزية، وقدراته اللامحدودة على تفعيل يقظته الروحية، وفلسفة الواحد “هي الجوهر الأساسي للخليقة جمعاء، والتاريخ الطويل جدا الذي عاشته الخليقة غائبة في داخل ذلك الحلم”.

فــ”جاك” (شاب من عائلة بريطانية، تفاجأت عائلته في صباح يوم الاثنين بأنه تحول إلى شخص آخر تماماً، ويدعي أنه شخص عربي من اليمن، ويطلق على نفسه اسم إبراهيم، ويدعي أشياء كثيرة لا تنتمي بشيء إلى عائلته البريطانية أو حتى إلى بريطانيا) إذن هو شاب غريب الأطوار، كما تفيد تقارير الطبيب النفسي المشرف على حالته من الجلسة الأولى أو لعله الواحد / الشخصية اليقظة الشخصية الذي سيطول البحث عنها، والتحفظ عليها، في ظل أجواء تتميز بتنامي الأحداث، وتصارع الشخصيات، وبتخييل مواز، يؤكد أهمية تساؤلات الفكر حتى نتمكن من معرفة الوجود والحياة.

ما يعانيه جاك ليس انفصام الشخصية، وليس في المقابل مرضا عقليا يسبب اضطرابا في السلوك التلقائي والعاطفي والإدراكي وبما يجعله مهووسا ومضطربا ومتقلب المزاج والشخصية، لأنه يسرد كل شيء بثقة ويقين وسلاسة حول ذكرياته كإبراهيم، الشخص العربي، بل إنه يعرف الكثير من المعلومات عن الثقافة العربية، ولم يبدِ أي زلات تشير إلى أنه يختلق أو يصطنع أحداثا لا أساس لها، ويكأنه فعلا يستجمع كل شيء من ذاكرة حقيقية وتلقائية.

تأخذ الرواية طريق سير آخر بعد ذلك، حيث تتداخل فضاءات علم النفس المعرفي، حيث كل شيء شفاف، ولا شيء يمنع الإشارات وظهور الأسرار، وهنا تبدأ مراكز الأبحاث، والمنظمات السرية، بجمع المعلومات المتعلقة ب” جاك ” ووضعه تحت العناية المركَّزة والمراقبة الشاملة وقياس جدوى الانتباه، التذكر، التفكير، والتركيز، وكيفية انتقال المعلومات من عملية إلى أخرى، أو من مرحلة إلى أخرى.

ثمة احتمالات قوية تؤكدُ أنَّه ” الواحد:

عند هذا المستوى من تصاعد وتيرة الأحداث، يصبح العقل محورا تتمركز حوله كل أحداث الرواية والقدرات الهادفة إلى السيطرة على ثلاثي تتقارب درجة يقظتهم “سام، ويليمز، جاك” وصولا إلى تحقق فكرة “الواحد” والتي يتم عندها تحقق العودة إلى الجنة، ولكن عبر دروب المعرفة وتحققِ سقفٍ أعلى للحرية.

الحقيقة عينها بمقدورنا رؤيتها بعيون يقظة، وبصيرة مُتقدةٍ وساعتئذٍ فمهما رأيت سيتجلى حقيقة، والحقيقة تُحرّ.

تتصاعد الأحداث بديناميكية، وحيوية حتى تصل الذروة، ويتجلى الواحد من مجموع تكامل الكينونات اليقظة، وإن إنجاز ذلك وتحققه، سيؤدي إلى تغيرُ كل شيء على هذا العالم الوهمي والفوضوي، من كل هذه الفوضى، ليصبح الثلاثة “سام، وويليمز، وجاك” حينها شخصًا واحدًا، في عالم واحد حقيقي، وليصبح جميع من في هذا العالم عالما وكيانا واحداً كذلك. ولعل ظاهرة اختفاء الألوان فجأة عن الكون، تعد إشارة بارزة تؤكد أن جاك هو/ الواحد الشخصية المطلوبة بدليل تجاوب قوى الطبيعة واختفاء جميع الألوان عن مظاهر الحياة فيها باستثناء الرمادي، وهو اللون ذاته الي يشف عن يقظته الروحية في الآن ذاته، ترسل الطبيعة إشاراتها، إيذانا بضرورة البحث عن ” جاك ” وتوفير الحماية الكاملة له، خشيةَ أن يقع الخطر في استغلاله أداتيا، كما هي حال رغبات الدكتور “هومو”.

وبالتالي فــ”رواية الواحد” تقول سطورها أنَّ العلاقة بين العالم المعطى وهذا الأخير علاقة بناء وتراكم وفق تفكير ذاتي قائم على الدور أو على المعرفة الدائرية المنفتحة على اقتضاءات متغيرة بحكم أوضاع الإنسان في الزمان والمكان، وتظافر حبكات الرواية، يؤكد لنا أنَّ رواية الواحد، رواية ثلاثية الأبعاد، ولكن كيف تأتي ذلك؟ سأحاول الإجابة على هذا السؤال من خلال استعراض تشكلات عناصر الرواية.

عناصر الرواية: “1”.

الحدث:

يقول ميخائيل باختين في كتابه “الملحمة والرواية” ترجمة د.جمال شحيد “الرواية هي النوع الأدبي الوحيد الذي لايزال في طور التكوين، والنوع الوحيد الذي لم يكتمل بعد” أي أن علينا، في الرواية، ألا نضيّق على أنفسنا، وان نجرب فيها تجريباً جريئاً، فكل كمّ يفضي إلى نوع، ومع النوع ترتقي الرواية وتتطور حتى يتكامل تكوينها، والمهم في كتابة الرواية، أن يكون الكاتب قد عاش الحياة، جربها، خبرها، عانى فيها معاناة هينة، لينة، أو شديدة قاسية، وأنا مع المعاناة الشديدة، لأن منها تكون التجربة، المكتوية بنار الحقيقة، ومن هذه النار يتولد الحدث، وليس من قيمة لرواية دون حدث معاش، وهو الأهم، أو مسموع، ويأتي في الدرجة الثانية من الأهمية. ففي رواية الحدث، على رأي منظري الرواية، تفتننا المتعة بما يجري من حياة أمامنا، وما تأخذه، من انطباع عن هذا الذي يجري، وهذا تماماً ما عناه هنري جيمس بقوله “تظل الرواية انطباعاً مباشراً عن الحياة”،لكن الحدث الحي، استيقاظ جاك المفاجئ، وشعوره أنَّه آخر عربي، يمنيٌّ الأصل واسمه إبراهيم”. إنَّ مقول القول من هذا الكلام، بل الشرط الأساس، أن يكون للكاتب ما يقوله لقرائه، وهذا القول في رواية ” الواحد ” يأتي من خلال الحدث ودلالاته، في صورة الأزمنة الثلاثة ” ثلاثية الأبعاد:

ـ الماضي ـ الحاضر ـ المستقبل

كما ليس بخافٍ على القارئ، أنَّ الأحداث تتصاعد لا وفقاً لتسلسلها الزمنيّ، ولكنْ كما تتداعى في ذهن البطل أو غيره من شخصيات الرواية.

الشخصيات:

كائنات إنسانية تتحرك في سياق الأحداث، وهي في الأصل مخلوقات ذهن الكاتب، ومجملها شخصيات نامية ومتطورة يأتي تطورها غالبا نتيجة تفاعلها المستمر مع سلسلة الأحداث، أي أنها في حالة صراع مستمر أو صراع نفسي مع الذات، وقد ينتهي هذا الصراع بالغلبة كما نجده في صراع ويليمز أو الاستسلام كما هو حال جاك الذي أضطر في الأخير للتعايش مع الوضع، والانصياع، لتوجيهات كل من سام وويليمز واستسلامه لحقيقةٍ تقول إنه “الواحد” ولكنه يبدو عاديا، باعتبار كونه غائبا عن الحقيقة، وغارقا بالزيف الذي يعيقه عن أن يكون هو بذاته الحقيقية، وجوهره الحقيقي.

وهنا يبدي طلال قاسم اهتماماً بالغاً بالبعد النفسي لشخصيات روايته، يرصد بعمق الاستعدادات والسلوكيات من “آمال ورغبات وإرادة وفكر، وتقديم رسم فاحص ودقيق للشخصيات من انفعال وهدوء وانطواء أو انبساط ” إلى الحدِّ الذي يترك معه للشخصية حرية التحرك والتعبير عن نفسها بما يكشف عن أبعادها ومدى نموها بصورة تدريجية عبر أحاديثها وتصرفاتها وأفعالها وبما ينقل تصويرا صادقا عن مشاعرها الداخلية وسماتها الخلقية وأحاسيسها، فالشخصيات هي التي تنقل ما أراده الكاتب للقارئ، وشخصيات رواية ” الواحد ” شخصيات ذات أبعاد ثلاثية مثل باقي شخصيات الحياة: أشخاص لها مخاوف وآ مال، أشخاص لها نقاط ضعف ونقاط قوة، أشخاص لها هدف أو أكثر في الحياة، أي أن شخصيات الرواية لا تتزعزع مع سياقاتها.

الخصم:

–         الاستعمال الأداتي للعلم أو العقل الأداتي. –         التصورات الدينية المغلوطة، لمسألة الخلق، وأسطورة العودة. –         نظرية العلم التقليدية.

الزمان:

يعد الزمن عنصرا بنائيا هاما من عناصر الرواية، وعلى ضوئه تتصاعد الأحداث ووتجلى شبكة العلاقات على المستوى السطحي والعميق، وهنا لا بد أن أشير إلى أن الرواية يوجد فيها أكثر من زمن.

” 1- زمن الحلم” يكشف الحلم عادة هواجس الإنسان ومشاغله. وفي إطار تيار الوعي يحضر الحلم في الرواية، وهنا يكشف الحلم عن هواجس “جاك” ورغبته في إسقاط كل اهتماماته وأفكاره المغايرة، سواء المستوحى من علوم النفس أو تلك التساؤلات الفلسفية الموجودة في تضاعيف ذاكرته، والذي خلق بدوره أزمنة أخرى تداخلت على المستوى اللاوعي كنتيجة لذلك.

و”2ـ زمن اليقظة ” و “3ـ الزمن النفسي ” الناجم عن تصارع الشخصيات، وتنامي الأحداث وتناقضاتها.

مكان الرواية: ثمة ثلاثة أمكنة في الرواية، مكان تَخلق فيه الشخصيات وجودها، من مجموع كل التناقضات 1ـ “لندن” وهو ما يجعل كل الشخصيات قادرة على تحويل تلك التناقضات إلى حياة عظيمة ومثيرة، عالم السؤال والفضول، والصخب والتناقضات والتمرد والحرية، والجمال والقبح، الإثارة والدهشة، والخير والشر، التنافس والصراع والغموض والوضوح، عالما لتناقضات مجتمعة جنبا إلى جنب لتشكل معانيه في نفوس من يعيشون فيه، ومكان آخر 2ـ” الجنة “، تعيش فيه شخصية الواحد حياة لا معرفة ولا إثارة فيها، لا معنى فيه للصراع، ولا للجوع، لأنه عالم الملذات، ولا معنى فيه للموت لأنه عالم الخلود والحياة الأبدية، لا قيمة فيه للأرقام، لأنه ببساطة عالم لا يعرف معنى للزمن، أن تعيش في الجنة، فهذا لا يعني إلا أن تعيش خالداً وبلا أيِّ تناقضات حرة، ومكان هامشي 3ـ “اليمن”.

الحبكة:

تظهر حبكة رواية ” الواحد ” حبكة مركبة، إذ تبدأ الأحداث فيها من النهاية، وهنا يبدأ الصراع، وتتصاعد أحداث الرواية، وتحدث تغيرات في شخصية ” جاك ” ابتداء من مرحلة الإنكار، ثم الانتقال إلى مرحلة المقاومة، ثم مرحلة الاستسلام والتعايش، وصولا إلى بلوغ الصراع ذروته، حين يكشف بجلاء طبيعة الصراع من أجل البقاء واستغلال الإنسان والطبيعة من قبل المنظمات السرية وبما يضفي صبغة علمية وعقلانية أكبر، ليتم استعراض الأحداث التي أدت إليها بعد ذلك، أي أن الروائي بدأ بالعقدة، وصولا إلى محاولة الشروع في حلها.

الحوار الداخلي:

يدور الحوار الداخلي في إطار العالم الداخلي للشخصية، وعنده تكلم الشخصية بحديث خاص جدا، وهنا بمقدوري أن أقول بأن طلال قاسم، أعلى من شأو الحوار الداخلي، بقصد أن يكشف لقارئه ما يدور بأعماق شخصياته من مشاعر وأفكار ذاتية، كما يقوم الحوار الداخلي “المونولوج” في الرواية على استكشاف الداخلي لزمن الذاكرة وعلى الاستبطان والتداعي واستشراف المستقبل حيث تتداخل الأحداث والمشاعر والأفكار وتمتزج الأزمنة ماضيها بالحاضر على حدٍّ سواء، والحوار الداخلي هنا كسر هيمنة وسلطة الراوي التقليدي العليم بكل شيء، السائد كتقليدٍ أدبي في معظم الإبداع اليمني.

وهنا يتجلى الحوار الداخلي وفق ثلاث مستويات:

1ـ الترابطية 2ـ المقارنة 3 ـ التشيؤ

ما أودُّ أن أقوله هنا أنَّ رواية “الواحد” لطلال قاسم، تنتمي إلى الرواية النفسية “علم النفي المعرفي” مستفيداً ـ في الآن ذاته ـ من قالب الواقعية البنائية، وبهذا فإن الأحداث في الرواية” تنتقل من حركة حقيقية، أي حركة انتقال في فضاءات الزمان والمكان أو بين الشخوص، إلى أفكار، كما تنقلب الفواعل من شخوص منفصلة، إلى رمز متصلة في ذاتٍ جمعي هي الإنسان، وتتحول الأمكنة والأزمنة من التأطير إلى التعبير””2 ” وتنزاح اللغة في مستوياتها الثلاث:

1ـ معجما 2ـ وتركيبا 3ـ وترتيبا.

وقد نجح في تحقيق ذلك إلى حدٍّ كبير، لأنَّه كاتب يمتلك أدواته، ويعيش الأفكار، ويثير الأسئلة، وكما يبدو أنَّه خطط جيدا لاجتراح المعجزة، فكانت رائعته ” الواحد ” مع أنَّ المأمول منه أكبر.

هذا هو معنى الثقة بالكون ومُبدعه، هذا هو أعمق معنى للثقة والتحليق الحر.

***ويكفي من البيان ما يدهش العصافير***

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ تم الإفادة عند صياغة هذه الفقرة، من موسوعة ويكيبيديا ـ رواية (أدب).

2ـ يراجع بحث “الذهنية وتجلياتها في رواية الشحاذ ـ نجيب محفوظ، للدكتور / أنيس حيوتي

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة