شعره من شنبات ابي عرب

 
التصنيف : سخرية كالبكاء (:::)
وليد رباح – نيوجرسي  (:::)
فيما مضى من الزمان .. كان العربي يعتبر الشنب مثالا للشرف والعفه .. فبالقدر الذي يطول فيه شنب الرجل .. كان شرفه يزداد تألقا وبريقا . اما من هو حليق الشارب فقد رفضته المجالس واعتبر مخنثا لا يجوز التحدث اليه ولا التعامل معه .
ولقد كان الرجل ينشغل بشنبه اكثر مما ينشغل بزوجته واولاده .. فتراه وقد نزل الى المدينة واشترى دهنا ولا يصبر ان يصل الى بيته لكي يدهنهما ويبرم حوافهما .. فيفتح علبة الدهون وهو يركب دابته ويبدأ البرم والتمليس حتى تصبح شواربه وسيلة لاغواء بنات القريه .. وكانت المرأة في ذلك الزمان أهبل من الرجل قليلا .. فقد كانت الكثيرات منهن يرفضن حليق الشارب ولا يتزوجنه ويقدمن على تزويج انفسهن ممن ربى شواربه وطالت حتى اذنيه .. وكن يتباهين بشوارب ازواجهن مثلما نتبارى او نتباهى اليوم بحلقها .
والرجل في ذلك الزمان رجل بمعنى الكلمه .. ناهيك عن هبله او جنونه او سذاجته .. فان حلف لك بشواربه فمعنى ذلك انه حلفان صادق .. اما ان حلف بالطلاق مرات عديدة فلا تصدقه .. ذلك ان الشنب كان اثمن عليه من زوجته سواء طلقها او ابقاها .. وليس في كل ما نكتبه بيت القصيد .. وانما يكمن في التعامل بين الناس في ذلك الزمان .. وسنأتي الى قصة التعامل فيما بعد .
وقد راعني عندما كنت طفلا ان ارى شوارب الزير او ابو زيد الهلالي او غيرهما يقف عليهما الصقر من حدة حوافهما .. وكنت ادرك ان مركز القوة يكمن فوق الشفة العليا للرجل .. وكنت اخمن ان الزير قد انتصر في حربه ضد جساس لان شواربه كانت اطول من شوارب الناقة الشارده .. وان جساسا لم يستطع ان يدانيه في طول الشوارب ولذا فقد انهزم في حربه وتفرقت قبيلته في مناحي الارض الاربعه
وما يهمنا في هذا الامر ان التعامل بين الناس كان بحلفان الرجل بشواربه .. فان لم يحلف فمعناه ان القصة التي ينوون السير فيها لا تسير قيد انمله .. وانما هي بكش في بكش .
وقد درج بعض العرب في مناحي بلادهم ان يرهن صاحب الشنب شعرةاو شعرتين او ثلاث من شواربه العتيده اذا اراد ان يستدين شيئا يحتاجه .. وعندما يخلعهما من مكانهما فهذا يعني انه ينوي سداد الدين .. وعند موعد السداد يجهد صاحب الشوارب المخلوعة ان يسد الدين حتى وان اضطر الى بيع اولاده او سرواله او منساس حراثته او حتى دابته التي كانت تقوم مقام السيارة في هذا الزمان .. يدفع الدين ثم يسترد شعرات شواربه التي يحرقها خيفة ان تداس بالاقدام بعد ان يلفها في محرمة نظيفة ويقرأ عليها ما تيسير من سورة الكوثر او ما شاكلها حتى يبعد الدنس عنها فلا تطالها ارجل الماره .
كان ذلك فيما مضى .. اما اليوم .. فان الكمبيالات والشيكات التي ليس لها رصيد والتوقيعات التي تتم وحلفان الايمان والطلاق ونتف الشارب كله او بعضه لا يمكن للمدين ان يسدد دينه في وقته المحدد.
وقد فسرها احد فقهاء الشوارب ان السبب في ذلك يعود الى اننا حلقنا شواربنا عن بكرة ابيها ولم نترك شعرة واحدة يمكن ان نحلف عليها .. وفسرها فقهاء آخرون ان السبب يعود الى ان الشوارب تخرمش صفحة الوجه النقي .. ولذا فان احد شروط العروس ان يحلق العريس شنباته قبل الزفاف .. وليس بعده ..
بعد ذلك تسألونني لماذا يقتل بعضنا بعضا .. أغلب الظن ان السبب هو طول الشنب او قصره ..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة