زهرة الجنون

 

التصنيف : القصة (:::)

قصة : سعيد الشيخ (:::)

النافذة مشقوقة دائما الى السماء، يتركها على هذا النحو صيفا وشتاء. حينما هي تأتي تجدها هكذا بما يكفي لأن تمد يدها من خلال الشّق وترفع المغلاق لتنفتح النافذة.  لم تكن النافذة تطل على سطح البناية مباشرة حيث تقف هي عند الحافة، لذلك كان يلزمها ان تقدم قدما في الفراغ وهي مستندة على الأخرى ويديها تتشبث بقضيب من الحديد دُقّ في الحائط ليس لسبب ظاهر .. ترفع قدمها حتى تصل الى حافة النافذة ثم وبخفّة غريبة وبرفعٍ كلّي لجسدها تجد نفسها قد أصبحت داخل الغرفة .. تذهب الى الباب وتفتحه وتعود الى غرفتها المقابلة لتحضر الاشياء التي ستتركها له.

سيأتي متأخرا في المساء وغالبا ما يكون ثملا، وما أن يقع نظره على التغييرات التي طرأت على الغرفة حتى يطير مفعول الخمر من رأسه.

سيكتشف ان يداً حانية قد صنعت هذا الترتيب للغرفة، النظافة قد طالت كل الزوايا والأثاث، الملابس التي كانت مرمية بفوضى متقنة، ها هي مطوية على رفٍّ خشبي ولها رائحة دواء الغسيل، هذا الطعام المغطّى بعناية لكي يظل ساخنا، وهذه الوردة الحمراء في مزهرية فخارية يراها لأول مرة في غرفته، ولا يذكر انه إقتناها من قبل. حتى انه لا يفكر بإقتنائها لضيق يده.

أي وعد فردوسي يتحقق، هذا الذي يتجسّد أمامه. أية هِبَة هذه التي تحضر دفعة واحدة من حيث لا يدري، وكل ما تمنّاه في ليالي وحدته الموحشة يصبح حقيقة، وها هو يتراءى أمامه بلا غبش.

ولكن العقل.. كيف للعقل ان يصدق هذا العبث الذي يهدم نسق نظامه المبني بحميمية مع الوحدة وخيالات القصائد التي يكتبها، وحياته سيل من التيه يجعل نهاراته مشهد من السراب، وهو الرجل ذو الروح المتصحّرة، تهتدي اليه هذه الرحمة وتدخل غرفته والباب مغلق وهو غائب .. دائما وهو غائب. عقله ارجوحة وهو طفلها اللاهي.   قشعريرة من الخوف تنتابه، تحت وقعها يحدّق بريبة في أشياء الغرفة ويصيخ السمع الى .. لا شيئ، فقط يريد أن يتأكد إن ما هو فيه حقيقي وان هذه غرفته التي يستأجرها منذ سنين طويلة، منذ ان جاء الى العاصمة ليرصف شوارعها ومقاهيها بقصائد ومقالات يشيّد فيها للحداثة والحرية أبراجا عالية. ومن هذه الصنعة التي لا يجيد سواها يظل معدما بالكاد يجد قوت نهاره .. سجائره وخمرته الرديئة خبط طيش لذيذ يفضي الى إنتحار بطيئ.

سوى في كنف أمّه لم يجد النعيم، وهذا كان منذ أمد بعيد. هي ماتت ودفنها بيديه ليرتحل بعد عدة شهور الى هنا، كما يرتحل طائر لا يطيق الخريف .. أمه في روحه طيف دائم التجلّي، ملاك يسبّح له البياض كرمز للطيبة والخير. كم مرة وصفها على هذا النحو في قصائده المتناثرة على صفحات صحف المدينة. – “هذا خير ما أنا فيه لم انتظره منذ موت امي، ولا يصنعه الآن بشر إلا من صنوِها ، أو ملائكة لا تظهر للعيان انّما لها الحضور الدائم على جنباتنا كما يؤكد الإحساس … أمي قد ماتت ودفنتها بيدي … فمن أين يأتي كل هذا الخير لو أخبرت حكايته لأحد أصدقائي في المقهى لذهبت ظنونه بقواي العقلية؟ أي ملاك وجد الدرب سالكة الى غرفتي ورمى لي بياضه كي أقعي متعرِّقا في حيرتي ودهشتي ..”

بالرغم من حاجته للطعام، الا ان الوردة ظلّت هي الأكثر لجاجة في إنبعاث السحر لطقوس خيالية تكتمل بحضور إمرأة، وهي في أوان شبقها لتحيله منسحقا الى عوالم من الشهوة.

****

لم ينتبه يوما الى جارته، لم يفكر بها على نحو خاص .. لولا الصوت الخافت في طرح السلام حين يلتقيان على درج البناية لكانت بالنسبة اليه إلا خيمة سوداء أو قطعة غيم مكفهرّة تمضي في سبيلها.

يمقت اللون الأسود لذلك هو لم يجد في نفسه رغبة في ان يعيرها إهتمامه، إنما هي وكلما التقته ونظرت اليه من تحت خمارها تحاول أن تضم زنابق روحها التي تنفلش في تلك اللحظة، وتشعر ان عليها ان تتماسك ولا تجعل عاصفة الحب ان تجرفها بعيدا وهي تحس ان قلبها يتخلّع. وتظل لوقت وهي تجمع صورته في خيالها، تعيد الشريط في رأسها لمرات وهو يمر كالسهم بمحاذاتها غاضّا النظر عنها لا يلوي على شيئ. هو هذا الشيئ الذي يصيبها بالإهتزاز ويجعل من أمر عدم الإلتفات اليها أن يأتيها بالكرب ليخط قتامته فوق صفحات أحاسيسها.

هو لا يعرف أن تحت هذا السواد تقبع روح نضرة لم يطالها ذلك الحريق .. لو يقترب منها ستصارحه وتقول له: “ان هذا السواد ليس لسبب ديني، انما اتلفّحه لتغطية ندوب الحريق الذي طال وجهي قبل سنوات وأنا أخدم في واحد من البيوت الكثيرة التي خدمت بها. ندوب أخجل ان أبدو بها. أُغطّي الخجل كي يظل لي وجه أمضي به حيث تتوفر لي المعيشة، ليس من السهل ان تُفتح الأبواب لوجه مشوّهٍ، خاصة ان الأمر يتعلق بالشهية للطعام، من سيتناول طعاما أعدته يدان مسلوختان تبعثان الى القرف … لكن العالم القاسي هذا لا بد في النهاية ان يجد المرء المسحوق فيه ثغرا طريا ينفذ منه … أعمل الآن في بيت عجوزيْن حيث أقوم بكل الاعمال المنزلية قبل ان أعود ظهرا الى حجرتي، وألتقيك على الدرج تمضي كالسهم حيث نهارك يكون قد إبتدأ”.

تطمئن بغيابه لكي تنفذ الى غرفته من خلال النافذة المشقوقة كل يوم، لتهيئ له حين يعود في المساء كل ما ينتظره رجل متعب من إمرأته التي تنتظره، وقد جعلت من  البيت أن يسبح في فضاء من الضوء تتلألأ فيه نجوم السلام وتفوح منه رائحة الشعور بالعائلة.

مر وقت على عقله وهو يتخبط .. من أين، وكيف؟ ولكن ها هو الآن يجد نفسه مستسلما بخدر لذيذ لهذا الغيب الذي يهمي عليه بالطيبات التي يلمسها ويشعر بها تسري في أمعائه، والشهوات القصية التي تستحثها مخيلته كل ليلة أمام الوردة المتجددة.

مأخوذ بسحر النعمة يتواطأ عقله مع ما يرى، لذلك لم يفكر بنصب شرك يؤدي الى إكتشاف مصدر هذه النعمة. وما عاد يفكر كيف يستنبط اليقين من هذا الغموض.     ولم يعد ينتبه الى نفسه كيف هي تدخل مدار الإلفة مع هذه الغرائب اليومية، مما يجعله أن يكف عن طرح الاسئلة المؤرقة التي كان يحاول أن يستل منها أجوبة عقلانية عن الأحداث التي تصادفه … لقد أسلم روحه للعبث، كأن الحياة قصيدة سوريالية لم يفكر انها ستنتهي في يوم من الايام.

****

روحه تحت سحر كثيف، ورأسه يرنّ بالأُمسيات الطيبة. حين عاد هذا المساء ووجد غرفته على حالها. وردة الأمس ذابلة في بقايا ماء عكر، ولا طعام على الطاولة وهو المهدود من الجوع.

في الخارج خَلِفَ وراءه رياحا شرقية عاتية تحمل هواء ساخنا وثقيلا يثيرغبارا يصيب مرضى الصدور بالاختناق. ضيق يضرب النفوس ويستحث الناس للعودة الى منازلهم على غير أوان، ممّا يجعل المسنّون يحبسون أنفاسهم داخل غرف مغلقة وهم يتمتمون بأدعية لأن يمنحهم الله خير هذه الريح، أما شرها لتأخذه المشيئة الإلهية بعيدا عنهم وعن أحبائهم وعن بني البشر أجمعين.

ها هو يسمع خبط الريح على الاشياء المتروكة من غير تثبيت، حدس انها تتطاير وها صوت قرقعة المعدن يشق الفضاء كلما حدث إرتطام ما. تثيره الأصوات وتجعل من دمه أن يصطخب في شرايينه كأنه أنهار هائجة وتفيض غاضبة. آخذة معها الأشجار وحتى الصخور.

فجأة يجد نفسه وسط عتمة حالكة إثر انقطاع التيار الكهربائي، رفع نظره صوب زجاج النافذة التي ما عادت مشقوقة إذ أغلقها عند عودته، فرأى المدينة كلها كتلة فحم هامدة بالسواد، ولم يجد في نفسه رغبة لأن يشعل شمعة. جلس في العتمة يستمع الى أصوات بدأت تتلاعب برأسه ورويدا تتعالى وتفرض نفسها على الاصوات التي تسببها الريح في الخارج.

كان لديه وعي ضئيل لأن يربط أحداث المساء ببعضها، وراح يتساءل عن سبب قطيعتها له هذا النهار. عن غياب وردة تَوَلَّه في تجلياتها، عن نعمة طعام لم تمنحه أياه سوى امه وهذه الغريبة التي تتركه له منذ شهور دون ان تفصح عن ماهيتها … لماذا لم تحضر اليوم، وما سر هذه الريح في أن تحرك عصفها في هذا النهار بالتحديد؟ هل سمع خبطا على الباب؟ إذن ما هذا الارتجاج في رأسه يدفعه غير متوجس ليفتح كما يتخيّل الباب لها كي تدخل وتفك لعقله طلاسمها وتتجسد له باليقين، ولكن في الخارج ليس سوى الريح والظلام. وربما لمح طيف قطة شريدة تعض على فأر أو وطواط.

من أين يأتي هذا الشخير المصحوب بصفير غامض وهو لم ينم بعد؟ أمن صدره الذي يعلو ويهبط أَم من شقًّ في جدار؟ يخونه عقله في هذا الليل.

الأصوات جوقة يتناغم صداها الموحش، فلماذا يظل صوته بينها هو النشاز. يحتاج للإلفة مع مكوّنات غريبة تتشكل وتفرض نفسها في غرفته وسط عتمة بدأت تطال حواسه. فيطلق صوته بالصراخ فيخرج من أعماقه وكأنه من قاع بئر جف به الماء، أو هو عويل حيوان مجروح في غابة. ينطلق كالسهم الى خارج الغرفة ويكشف عن صدره للريح فيما رأسه الى السماء .. يريد ان يكون طليقا في قلب العاصفة.

يصل صراخه الى غرفتها فيقتلعها من ذاتها، فكرت ان تخرج اليه وتكشف له عن نفسها، تفضي اليه وتصارحه بمكنون قلبها، تعتذر عن عدم زيارتها لغرفته اليوم بسب نوبة ربو ألمّت بها ومنعتها من الخروج حتى الى عملها، الا ان الجرأة خانتها. أحست بعجزها وتخاذلها يدفعانها الى التقوقع على نفسها باكية وجسدها تأخذه الرجفة والحمى. أما روحها النضرة فكانت تطفح وتفيض حزنا وألما عليه.

الهستيريا تحوّل حيواته الى طيف متثاقل الحركة، يتخبّط في الظلام على غير هدى، حينما بعماء تام راحت خطواته تأخذ هبوط درج البناية المتهالكة نحو الشارع. وكان يضم الى صدره العاري وردة الأمس الذابلة .. الشوارع خالية من المارة والسيارات، وما كانت الريح تتوقف عن االصفير يمزجه هدير صوته الذي يشبه عواء ذئاب جائعة، فترتج أركان المدينة.

كانت ومضة خاطفة غير محسوبة وكأنها خارج الزمن حينما جسده تعثّر بالريح .. كأنه ريشة.

لم يكن من الواضح كيف حدث ذلك. هل هو من ذات نفسه قرّر أن يرمي بنفسه تحت عجلات سيارة ظهرت فجأة في المكان، أم أن الريح هي التي دفعته كريشة ليستقر تحت عجلات سيارة حمراء ملأى بزهور حمراء.

* من مجموعة “جنائن الهستيريا” تصدر قريبا

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة