عام على الغربة

 

التصنيف : فن وثقافة (:::)

سعد الله بركات – كولومبيا  (:::)

عصرذلك  الأربعاء الحزيراني  ودعت ام سعدالله خلسة،  تماسكت  ولاأدري كيف غالبت دموعي ، لكن ما أخفيته  عنها بذريعة سفرة قصيرة لرؤية الأولاد والحفيد ، بدت وكأنها تحسّ به أو أنها لاتشأ تخيّله ، أليس قلب الأم دليلها  كما يقال ؟بكت وناحت بالدعاء ،  وبعيدا عنها  ونحن نهمّ إلى السيارة،   انسكب الدمع مدرارا عندما  طفرمن عيني الأخت والأخ .

لم أكن حينها أتخيل أنها لحظة فراق  قد يطول ، عن شوارع  الضيعة وأماسيها ، بل صباحاتها التي تفتح ناظريك  مع الشمس على أفق  وفضاء صحراوي مديد، وعلى من يقرئك السلام ،يدعوك أويزورك أويسألك عن الصحة والحال والعيال ،بينما في الغربة تتشهّى من يهاتفك ولوأن الناس هنا يحترمونك و يسبقون تحياتهم بابتساماتهم  لكل من يصادفون وإن من غير معرفة.

صباحات الضيعة وأمسياتها لاتطردها من المخيلة صباحات – كولومبيا  – ونضارة غاباتها  الجميلة وهي تغتسل بخير السماء ، في الصيف كما في الشتاء ، صباحات الضيعة تلك  كانت حاضنة الاستراحة والإجازات  المتواترة على قصرها ،  لطالما كنت أمنّي النفس با لعودة لربوعها والارتواء منها بعدما غادرتها يافعا إلى المدينة ، ثم أني لم أودّع دمشق بعد ، ولدمشق   حكاية مشوارعلم وعمل ، وبناء عائلة  وطموحات  أوصداقات …وذكريات …

في وداع الشام  ، كانت اللحظات أقسى وأشد مرارة  ، ونحن  نرمق بأنظارنا من سفوح قاسيون فضاء الشام  ،  فلا وداع ولامودعين ….برغبة مشتركة  … ، ولكنه الأمل ظلّ يلازمنا .

فلعلّه من ضروب آليات التحويل النفسي المعروفة في علم النفس ، أنك تدفع الغمّ أوتخفّفه  بالأمل ، فلم يكن في الظنّ أن يأتي الحول ولا نعود  للمرابع والربوع ، أو أن تصير تلك اللحظة  ذكرى تختزلها بضعة سطور .

كنّا نحمّل العام 2012 ، أحلام وآمال ، أحلام الاستقرار في الضيعة  بعد تقاعد عن اربعين عاما من عمل مركّب ومتواصل ، وآمال خلاص الوطن من محنته ،وإذا به  عام غربة واغتراب ، يلج مابعده  بكثير من الحسرة  فلا نعرف منتهاها .

هي غربة لم نخترها ،ولم يسبق أن تمنّيتها ، وإن حاولت العمل في الخارج ، اغترب معارف واقرباء ولم تغرنا كلّ ضمانات الحياة في أروبّا، فيما كنّا لانزال نشق غمار الحياة فيما يسمّى( بيت ) مستأجر ،  وعلى مدى  عقود ما خامرني ندم ، وحين زرناها ، لفتني جمال طبيعتها ومرت لحظة في الخيال لو أنّا نعيش فيها ولكنها لم تستقر مع مقارنتها  بعيشة  الضيعة(الصحرا ) إلامن الأهل والأقرباء ومن أصدقاء و معارف .

ولما عبرنا المحيط  قبل سنوات ، لم تخطر فكرة الهجرة  ، لكن ونحن نهم بالعودة ، أحسست  أنّ كفة الاغتراب بدأت تميل ، فكان عناق  الدموع ، ولمّا  تفارقنا في المطار كانت عيناي  تعاكس وجهتنا لبوابة الطائرة  والغصة تعصرنا ، وراء المحيط نترك  جزءا منّا والأسئلة تترى :متى نلتقي ؟ متى ؟ !!!! أمّا شريكة الحياة والعمر ، فلم أتجرأ النظر إليها  ولاهي فعلت !!!!!

في دمشق كان الهاتف  مع وصولنا وكأنهم يتابعوننا بالساعة والدقيقة ، ليلتها غالبني الأرق فطرد النوم من الجفون،  ولأيام  وكلّما  رمقت الغرفة ،أرجع إلى نحيبي، فيومها  يومها  بدأت غربتي ……

وقصة غربتنا تقارب الحلم ، فحتى وإن جرى عنها حديث عابر، لم تدخل الحيّز الجدي من الحسبان ، لقد داهمتنا بنوع من التجريب أو ضروب  القدر في سحب (اللتري) ،  وعلى عجل شددنا الرحال وكانت كآبة ذلك المساء الوداعي لدمشق في مطارها …! بداية يوم الفراق وصفحاته … التي راحت تتوالى  ، فهلّا توقفت  لتبدّد بعض سوادها  وما تطويه ثناياها من حرقة وغصات ..!!!؟

هاهي الحسرة  تعصف بالحلم  وعلى إيقاعها تتقطّع أوصال المشاعر،  بين هنا وهناك ليدهمك السؤال هل يمرّ الحول أيضا  ؟! وفي دوامة القلق  تتواتر الأخبار فتدمي القلب .

إنها الغربة ،  موحشة أكثربلا لغة ولاعمل ،لياليها طوال ونهاراتها ….  بل إنه الحنين الذي ينتشلك منها ،فيراكمها  وتزداد تعلّقا ،يعيدك على جناح الشوق إلى هاتيك الربوع ،في الحلم واليقظة ،في الحديث ،كما في التفكّر،في البيت وصباح مساء ،كما في المنتزه  ….

عام على الغربة وليته وحيدا ، عام على الفرقة ، وعام من شوق يتضاعف ، ولايعرف الشوق إلا من يكابده ، أمّاه  سنواتك التسعين هلاّ  أمهلتني  ؟ عفوك أمّاه   ….!!!!!  من حرقة قلب بعضي هنا وآخرهناك  ،ومن غصة توق لمرابع  ولناس ولموطن ومن ألم عليه ، بين الألم والأمل مرّ العام بليالي أرقه وأيام ترقبّه ، وماكان بالحسبان أن نباشر غيره  ونحن على هذه الحال من التساؤل وتكرار مناجاة الشاعر الفلسطيني  ابراهيم طوقان:

موطني موطني هل أراك.. هل أراك؟  سالما منعّما غانما مكرّما ؟؟؟ ومن أسف شديد أنه أنشده قبل عقود ، ولم يخطر بباله أنّ انحدار حال الأمّة ستجعله مناجاة لأبناء غيربلد عربي .

سعدالله بركات

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة