القدس وإحتمالات التسوية السياسية

 

التصنيف : سياسة واخبار (:::)

د., ناجيب شراب – فلسطين المحتلة (::::)

القدس ليست القضية الوحيدة التي يتوقف عليها مستقبل التسوية السياسية ، وإمكانية الطرفين الفلسطينى والإسرائيلى من الوصول إلى إطار إتفاق، بدور أمريكى هذه المرة يقوم به جون كيرى من خلال زياراته المكوكية للمنطقة ، وبممارسة مزيد من الضغط على الفلسطينيين ، وعلى الدول العربية . ومع ذلك تبقى قضية القدس ألأكثر جدلا ، وأكثر صعوبة ، وتحديا ، فهى أكثرها تشابكا وتعقيدا لأنها تشكل المكون الرئيس للتصورات السياسية والرواية التاريخية للطرفين. ولا يعنى ذلك أن القضايا ألأخرى ممكن الوصول إلى تسوية بشأنها ، ولكن تبقى قضية القدس مرتبطة بالبعد الدينى المقدس الذي يصعب على أى مفاوضات أن تصل للتوافق بشأنه. والذى يجعل قضية القدس تبرز من جديد الحديث عن إلإقتراب من التوصل إلى إطار إتفاق يعالج العديد من القضايا مثل اللاجئيين والمستوطنات ، وتمسك كل طرف بموقفه من القدس كعاصمة لدولته، الرئيس الفلسطينى في آخر تصريحاته يؤكد نه لا سلام بدون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية ، وهو ما ذهب بالإعلام الإسرائيليى إلى تصوير الرئيس عباس انه ألأخطر على إسرائيل، وأنه لا يمثل شريكا للسلام ، وهذا لموقفه من القدس تحديدا. وبالمقابل تتمسك إسرائيل على لسان نتانياهو وقادة ألأحزاب الذين يشكلون الحكومة الإسرائيلية أن القدس هى العاصمة ألأبدية والموحدة لإسرائيل، بل يربطون بين الإعتراف بيهودية إسرائيل والقدس بإعتبارها تشكل المكون الرئيس للمعتقد الدينى لهم. اذا التناقض الواضح والكبير هو الذي يشكل العقبة التي يصعب حلها عبر مفاوضات الإطار.فالقدس كانت ومازالت القوة العاطفية التي دعمت كثير من ألأساطير الصهيونية بالعودة ، فشكلت مكون عاطفى وروحى وأساس للديانة اليهودية التي قد إرتبطت ووظفت لأهداف قومية علمانية جسدتها الحركة الصهيونية ، بالعودة لأرض الآباء ، وألأرض الموعودة ، وهنا جاءت القدس لتشكل الحلقة بين اليهودية والصهيونية ،هذه القوة الدافعة ما زالت تقف وراء الخطاب السياسى الإسرائيلى ، ولذا نجد إن القدس مكون مشترك وموحد في كل البرامج السياسية لجميع ألأحزاب الإسرائيلية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار،لا إختلاف علي القدس، فهى إذن ليست قضية دينية فحسب ، بل أساس الخطاب السياسى الإسرائيليى لأى حكومة . وبالمقابل لتشكل القدس أهمية دينية مقدسة ليس فقط للفلسطينيين ، والعرب فقط بل لجميع المسليمن، فالقدس هى أولى القبلتين، وثالث الحرمين، كما تضم العديد من المعالم والآثار الإسلامية وأبرزها مسجد الأقصى ، وقبة الصخرة ، والعديد من المدارس الدينية الإسلامية ، وكما للقدس أهمية للمسيحيين بتواجد العديد من الكنائس ، والطوائف المسيحية . وألأهمية الدينية للمسلمين لم ترتبط ببعد قومى ، او سياسى ، بل ببعد دينى مطلق، وهذا يجعل من القدس وأهميتها الدينية ، اكبر من مكونات الفكر والخطاب السياسى الفلسطينى ، لتصل إلى حد انها بمثابة معيار ومحدد لدرجة الإيمان الكلى ، فالتخلى عنها تخلى عن البعد الإيمانى الذي قد يصل إلى حد الخروج عن الدين ، وقد يتهم صاحبه بالردة . هنا تكمن التناقضات في الموقفين ,هو ما يجعل من القدس القضية ألصعب ، وألأكثر تعقيدا. ومما زاد ألأمور تعقيدا ما قامت وتقوم به إسرائيل من سياسات تهويد وإستيطان ، وتقليص للتواجد الفلسطينيى فيها .وتقليص عدد السكان فيها ، ويبدو أن إسرائيل قد نجحت إلى حد كبير في شراء زمن القدس ، فمنذ إحتلالها للجزء الشرقى عام 1967 ، ووقتها لم يوجد يهوديا واحدا ، ولم يكن لإسرائيل أى تواجد فيها نجحت في إن تحول القدس إلى جزء من القدس الغربية ، وتعيد توحيدها ، وزاد عددهم بما يفوق عدد الفلسطينيين ، وأنشئت العديد من المؤسسات الحكومية ، والتعليمية ،وغيرها ،بل وجعلتها مقرا لحكوماتها ، وتضغط علي عدد من الدول لتنقل سفاراتها إليها ،وأقامت العديد من المستوطنات ، وهدمت العديد من المنازل للفلسطينيين ، وأزالت الكثير من المعالم الإسلامية ، وأغلقت كل مقرات ومؤسسات السلطة أيا كان طابعها حتى لوكان تعليميا ، وعملت على عزل القدس عن محيطها الفلسطينى ، وقامت بتوسيع حدودها ، في الوقت الذي قد فشل فيه الفلسطينيون والعرب والمسلمون معهم من شراء زمن القدس ودعم سكانها علي الصمود، فهذا التواجد في حد ذاته هو الخيار الوحيد لحفاظ على هوية القدس. في هذا السياق الموجز تبدو القدس كم هى قضية صعبة ومعقدة وشائكة للوصول إلى أى تسوية ، قد تتعدد الحلول والرؤى التي تطرح ،او التي قد يتضمنها ما يعلن عنه بالإطار العام للمفاوضات ، لكن أى محاولة او مبادرة لا تأخذ في إعتبارها القدس من منظورها الدينى المقدس، فستظل عملية التسوية بعيدة ومجرد سراب.

دكتور ناجى صادق شراب

[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة