خواطر من الصحراء

 

التصنيف : فن وثقافة :::::

بقلم: سارة طالب السهيل – العراق  :::::

يقول المتنبى :

الخيل والليل والبيداء تعرفني السيف والرمح والقرطاس والقلم

يلخص عالم البداوة وقيمها وثقافتها التي يعكسها السلوك الإنساني لمن يعيشون فيها ، هذا البيت الشعري ، فأكثر ما يميزالرجل العربي الأصيل ارتباطه بنسبه وافتخاره بمعرفته لجذوره إلى أن تصل أحياناً إلى الجد العشرين أو أكثر. فابن الصحراء قد تعلم من طبيعتها معانى كثيرة منها الحكمة والجلد وصفاء النفس في مواجهة الظروف القاسية والوصول إلى أعماق الأمور . لم يكتف البدوى بافتخاره بنسبه بل أيضًا بنسب زوجته حتى يكون أولاده مسلسلين أى من سلالتين أصيلتين ، ونقاوة دم العربي تعني عدم اختلاطها بدماء أخرى ، وكان هذا سبب تزاوجهم من الأقارب ومن نفس العشيرة ، وإن تزوج الرجل بامرأة من غير أقاربه أو من غيرقبيلته تقع مشاكل واعتراضات كثيرة من قبل أهله أو أهلها ، وإن كانوا في بعض الأحيان يغفرون هذا الزواج إذا كانت العروس من قبيلة أخرى وبنفس مستوى قبيلة ولدهم ، ولكن كان في الغالب شيخ القبيلة أو أميرها يتزوج أكثرمن امرأة ، إحداهن من أقاربه والأخريات من القبائل الأخرى وذلك لدعم أواصرالتعاون والتحابب والتحام القبائل منعاً للفتن والحروب والغارات من القبائل الأخرى ، وبالذات لو كانت ابنة زعيم أو شيخ قبيلة أخرى .

يفتخرابن الصحراء بسيفه أى بشجاعته وإقدامه وقدرته على الدفاع عن أهله وعن القبيلة وممتلكاتها ، وقدرته على حماية المستضعفين من النساء والأطفال وكبار السن ، والسيف هنا يحمل المعنى الواقعي ، بل والمعنى الرمزي أيضاً ، فليس فقط السيف الذى ورثه عن آبائه وأجداده له صدى فى نفسه ، ولكن أيضًا هذا السيف ربما شهد معارك كثيرة ووقائع تشهد على انتصارات العشيرة وقوتها ، مما يترك داخله اثراً يجعله يعتزبنفسه وبأمجاده . في هذه المنظومة البيئية تبدو الخيل وكأنها جزء أصيل من مكونات الأسرة ، يتعلق بها الفارس الصحراوي تعلقه بولده وشرفه ، ويعتني بها عناية فائقة ربما اكثر من نفسه وينفق عليها من المال والوقت والرعاية ولايبخل عليها ، ويطلق عليها أسماء أولاده او والده ومن الألقاب ما يوحي بمدى حبه واعتزازه وتعلقه بها ، فهو يعّول عليها فى سفره وترحاله وحروبه كتعويله على السيف ، وربما كان للجواد فى نفسه قدرأكبرومكانة أعلى ، ويرتبط هذا المناخ والطبيعة الصحراوية بالإبداع الشعري و فنون الكلام من خطابه و بلاغه و نظم القصيد كمتنفس للتعبير الإنساني عما يجيش فى نفوس أبنائها من مشاعر، فلم تكن البادية بادية دون أبيات شعرية تنقل لنا عبرالتاريخ الأسراروالأخبارالعاطفية فى السلم والحرب والحل والترحال ، فهى بمثابة الجريدة أو المجلة التى تفسرلنا كل شيء ابتداء بالعلاقات الإنسانية حتى الأخبارالسياسية .. لذلك كانت أيضًا فصاحة اللسان والقدرة على التحدث وإلقاء الخطب ذات أثركبيرعلى الناس فهي بمثابة وسائل إعلام مجتمعية ، وهي التي تؤثربالناس بشكل كبير ومباشر، وتحثهم على القتال أو الصلح أو الحب أو الكره أو نصرة الحاكم أوالانقلاب عليه.

أما النسب المجيد فهو يكاد يكون أهم نقطة فى حياة البدو و نلمس هذا بالابيات الشعريه التي نقلت لنا عن التفاخر بالأصل ، و التبجح بالأنساب و ترى ذلك بترديد كنيتهم المتعارف عليها بين القبائل و التي ترمز لجدهم مثلا او احد أعلام القبيله الذي اشتهر عبر الزمن بموقف ما من مكارم الاخلاق او البطولات و الشجاعه والكرم ووصل الأمر من أهميه لديهم بأن أصبح النسب مصدر شتيمه و معايره أيضا و نرى هذه العنصريه القبليه ايضا بالكثير من القصائد التي كانت تشير لهذا الأمر علنا و دون خجل او مواراه كونه امر أعتاده الناس لدرجة عدم تجريمه ..وعندما جاء الإسلام ساوى بين الناس ، ونزلت الآية الكريمة « إن أكرمكم عند الله أتقاكم »و لا فرق بين عربي و أعجمي الا بالتقوى،و من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه .ومن جهة أخرى احترم الاسلام النسب المشرف وقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لزعيم قريش : « من دخل دار أبي سفيان فهو آمن » تكريما لمكانته القبليه و زعامته وقد كرم النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ابنته عندما دخلت عليه بأن وضع العباءة على الأرض لتمر من فوقها. حتى أن هناك مقولة مشهورة قد قالها الرسول: أنا النبى لاكذب .. أنا ابن عبد المطلب .

فقد كان من الصعب انتزاع هذه الاعتقادات من القبائل العربية التى ربما لو حاربها الإسلام ما دخل الإسلام الكثيرمن المتعصبين ، فقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتصف بالذكاء والحكمة والفطنة بأن خاطبهم باهتماماتهم ، وكما قال الله ـ تعالى ـ فى صفة رسوله : « ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك » . لم يعد الآن ابن الصحراء يعتمد على العوامل والعناصرالسابقة التى ذكرتها فحسب بل ما يثيرالإعجاب أنه الآن أصبح على درجات كبيرة من الوعى والعلم والاطلاع وقد كان افتخاره بنسبه وقبيلته دافعاً له للمنافسة الشريفة بأن يسابق

ليصل لأعلى مستويات الطموح والنجاح ، فالقديم الأصيل أدى إلى حاضرمنير ينبيء بمستقبل جميل . أما المرأة فى حياة ابن الصحراء فهي شيء أساسي ، وإن كنت أنا ابنة المدن التى عشت فى عواصم البلدان وواصلت دراستي في بريطانيا ، أجد أن ابنة المدينة لم ولن تكون أكثرحرية من ابنة البادية ، فهي امرأة جميلة وقوية ، وكما يقول المثل « أخت الرجال » قوية الشخصية ، ولها نفوذ وسلطة واسعة لدى زوجها أو والدها ، تحترم وتسمع كلمتها ولايتخذ أى قراريخصها إلابموافقتها ، وربما نجد فى بعض الحالات أن المدن وأبناء المدن أقل تقديراً للمرأة ، فأنا أجد صديقات لي أجبرن على الزواج بمن لايردن ، وبعضهم أجبرن على عدم الطلاق أو أجبرن على إنجاب عدد معين من الأولاد ، بينما المرأة البدوية لها مطلق الحرية ، ولها من الجرأة بأن تختارما تريد وبأن تحب ويدق قلبها ، وتفاخرالمرأة البدوية بأن زوجها لايكسر لها كلمة حباً واحتراماً لاضعفا وخوفاً ، فهي أمه وزوجته وابنته ، وكرامتها وقدرها من قدره. وأكبردليل على أن الرجال كانوا يتسمون بأسماء أمهاتهم وأخواتهم كأخو صبحا واخو نورا وابن هيا وأخو نشعة .

ولليل وأسرارالنجوم والسكون العليل مع فنجان القهوة بالهيل وعزف المزامير جو ساحر يأسرالقلوب ويحاكى الأرواح وربما كان المسيرإلى البئرليلتقي الأحباب فربما يزف الليل على النهاربجانب جدول ماء أو بئر، فيكون الماء والليل والوجه الحسن .

[email protected]

*  شاعرة وكاتبة وقاصة عراقية

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة