ثمة تغيرات ذات طابع استراتيجي في المنطقة

 

التصنيف: دراسات ::::::

بقلم:- راسم عبيدات – القدس ::::::

واضح بان المنطقة تشهد تغيرات تحمل ابعاداً استراتيجية،سيكون لها تداعياتها وتأثيراتها العميقة على الخارطة الجيوسياسية للمنطقة،فالمشروع الأمريكي الصهيوني- الأوروبي الغربي والمدعوم من قبل الحالمين بالخلافة بتركيا ومشيخات النفط العربي،والرامي بلغة هيكل”الى تقسيم المقسم”  عبر سايكس – بيكو جديد قائم على تجزئة وتقسيم وتفكيك وتذرير الجغرافيا العربية وإعادة تركيبها على أساس الثروات والطوائف والمذاهب قد تعثر بشكل كبير،وخصوصاً ان المراهنة على ان تكون مصر حجر الزاوية في هذا المشروع قد فشل بسقوط جماعة الإخوان المسلمين،وما تحقق من إنجازات  في ثورة 30 يونيو/2013،كتراكم للإنجازات المتحققة في ثورة 25 يناير 2011،وصعود نجم القائد العسكري السيسي،وما يملكه من “كريزما” قيادية،وما قام به من خطوات جدية،من اجل ان تستعيد  مصر موقعها ودورها العربي والإقليمي والدولي،واحداث حالة من التنمية الإقتصادية والإستقرار السياسي وتوفير الأمن والأمان للمصريين، ورفض التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي المصري،وصيانة وحدتها الجغرافية والحفاظ على سيادتها وصيانة كرامتها الوطنية،ومعالجة المشاكل والهموم الداخلية من فقر وبطالة وجهل وتخلف وغيرها، ونحن بعد ثورة 30 يونيو بدأنا نلمس أن  هذا الرجل لديه رؤيا واستراتيجية متصادمة مع المشروع الأمريكي- الأوروبي الغربي في المنطقة،وما جري ويجري ليس في إطار وسياق تجميل صورة النظام،بل هي رؤيا للخروج من تحت المظلة والعباءة الأمريكية،وإحداث حالة طلاق وإفتراق عن مشروعها بشكل تدريجي،رغم كل محاولات الإحتواء والتطويع التي تمارس عليه عبر المال السعودي والخليجي،وما تقوم به القوى التكفيرية  والسلفية وجماعة الإخوان من أعمال إرهابية من تفجيرات وإغتيالات وهجمات على الجيش والشرطة والمواطنين،وحرق وتدمير للممتلكات العامة والمقرات الشرطية والعسكرية في طول البلاد وعرضها،بهدف منع أي حالة استقرار وأمن في مصر من شأنها،ان تسمح له بتحقيق انجازات سياسية واقتصادية،بالإضافة الى الإبتزاز المالي من قبل امريكا بالمعونة العسكرية والدعم غير المباشر للجماعات الإرهابية والتكفيرية وجماعة الإخوان المسلمين، وكذلك شعور المتولد لديه بأن سقوط الدولة السورية وتفكيكها،من شأنه ان يترك أثار بعيده المدى على أي حالة نهوض لمشروع قومي عربي قادم،فسوريا هي العمق الإستراتيجي لمصر،وسقوط الدولة السورية،يعني الإجهاز على مصر لاحقاً، وضمن هذه الرؤيا وعلى هذه الأساس احدث السيسي إنعطافة حادة في السياسة والإستراتيجية المصرية،وبدأ بخطوات جدية في هذا الجانب،حيث نجح الإستفتاء على الدستور،الدستور الذي يعبر عن إرادة المصريين ويكفل الحقوق ويصون الكرامات والحريات الشخصية لهم،على مختلف مشاربهم ومعتقداتهم  وإنتماءاتهم الفكرية والسياسية والمذهبية،بعد ان كان نظام الإخوان السابق،قد فصل دستوراً على مقاسه،ليجعل منه دستوراً لكل المصريين.

ولكن التطور الهام جداً في تلك الإستدارة،قيام السيسي بزيارته لموسكو،وفي خطوة غير مسبوقة في تاريخ البرتوكولات الرسمية،يقوم الرئيس الروسي بوتين بإستقباله في بيته الخاص ويثني ويمتدح ترشحه للرئاسة المصرية،وكذلك يعقد السيسي الصفقات من أجل شراء كميات ضخمة ومتنوعة ومتطورة من السلاح الروسي،،وهذه خطوة لها الكثير من الدلالات والتأثير على السياسة والمشروع الأمريكي في المنطقة،فالرد الأمريكي على تلك الزيارة وما قاله بوتين وإمتداحه لترشح السيسي للرئاسة لم يتأخر،بل  أشعل الضوء الأحمر أمام الإدارة الأمريكية،وباتت على قناعة بأن السيسي يخطو خطوات متسارعة نحو الطلاق مع الخيار والمشروع الأمريكي في المنطقة،وفي هذا السياق قالت الإدارة الأمريكية،بأن مسألة الرئاسة المصرية،ليست شأناً روسياً.

وثمة متغيرات أخرى تحصل في المنطقة،منها ما يحصل على الجبهة السورية،حيث ان النظام السوري بدأ يسيطر على الأرض ويمسك بشروط الحل السياسي،ولعل معركة يبرود- عرسال،والحسم فيها ستكون حاسمة لأي حل سياسي في سوريا،حل يفرض على الأطراف المشاركة في جنيف (3) بأن تكون الأولوية في التفاوض ليس لجهة تغيير النظام،والمرحلة الإنتقالية بالصلاحيات الكاملة،كما تريد ما يسمى بقوى إئتلاف المعارضة المشاركة في جنيف(3)،بل لمحاربة الإرهاب،والقيادة الإسرائيلية قالت بشكل واضح بأن نجاح النظام السوري وحزب الله في تدمير تحصينات يبرود،والتي هي أقوى من التحصينات الإسرائيلية،فإن هذا يعني بأن حزب الله سينجح في إقتحام التحضينات الإسرائيلية،ولذلك تعاظم قوته هذا يعني بأن لا مناص من شن حرب إسرائيلية عليه،التخوف والرعب الأمريكي والأوروبي الغربي والخليجي المشيخاتي وقوى الرابع عشر من آذار في لبنان،نابع من ان الحسم في تلك المعركة،يعني ان عليهم إستقبال ألآلاف الإرهابيين والقتلة الداخليين الى لبنان،والمخاطر المترتبة على عودتهم لبلدانهم من بعد ذلك ووصول الإرهاب الى عقر ديارهم.

والمتغير الإستراتيجي الآخر هو،ان هناك تسليم امريكي بأن ايران سواء امتلكت السلاح النووي أو لم تمتلكه،أضحت قوة إقليمية لها مصالحها ودورها وتأثيراتها الكبيرة في المنطقة،في أكثر من ساحة ومنطقة من أفغانستان ومروراً بالعراق فسوريا ولبنان وحتى فلسطين والخليج العربي،وبالتالي،هي لم تستطيع ان تفعل معها كما فعلت مع العراق من غزو وتدمير وإحتلال،لكي تبقى اسرائيل قوية ومتسيدة في المنطقة،فهي ستلتزم معها في الإتفاق حول مشروعها النووي،لأن ذلك مصلحة امريكية بالدرجة الأولى،وهي لن تسمح لا للسعودية ولا لإسرائيل بتخريب هذا الإتفاق،فإيران قادرة على ان تلحق خسائر كبيرة في المشروع والمصالح الأمريكية في المنطقة،إذا ما حاولت الإعتداء عليها.

هذه المتغيرات ذات البعد الإستراتيجي،قد لا تظهر نتائجها بشكل سريع جداً،ولكنها تكون ملامحها وشكلها وطبيعتها قد ترسمت بشكل كبير في السنوات الخمسة القادمة،وهي قد تمس بشكل جدي المشروع الوطني الفلسطيني،فالبقدر الذي تتوحد وتصمد الحلقة الفلسطينية،بالقدر الذي يمكنها من الإفادة من تلك المتغيرات،ولذلك نرى بأن الإدارة الأمريكية ودولة الإحتلال،مع عدد من مشيخات النفط والكاز العربي،يستعجلون الإجهاز على المشروع الوطني الفلسطيني،قبل أن تحسم تلك التغيرات الإستراتيجية.   القدس- فلسطين

[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة