المقامه القفويـــــة

 

التصنيف : فن وثقافة ::::::

بقلم: د. جريس نعيم خوري – فلسطين المحتلة::::::

من نوادر التعليم، والذي يعيشُ يشوفْ، نادرة سأرويها لكم على المكشوفْ، خلّتني كطيرٍ حائرٍ ريشُه منتوفْ. ففي صباح مسحتُ وجهي فيه بالرّحمنْ، وتعوّذت به من الشيطانْ، خرجتُ إلى المدرسة بانفعال جميلْ، وأنا أردّد معلّقة الضليلْ، وهي مقرَّرة لهذا اليومْ، وعشقي لها أنساني النومْ! ولكنّ هاتفا فيّ ابتغى التعكيرْ، فما كففت عن التفكيرْ: كيف سأدحش في عقل الفسبُكّ ذكرى الحبيبْ؟ وبعرَ أرامٍ وسيلا رهيبْ؟ وعدوَ حصانٍ وليلا كئيبْ؟ وهل أسمحُ أن يخطئوا في القراءه؟ ويُتلفوا نصًّا عشقتُ سماءه؟ فقراءاتهم آليّة متقطّعهْ، وألفاظهم مهزوزة متخلّعهْ، بلا مشاعرَ ولا انفعالْ، ولا انسجام ولا انثيالْ، ولو توقّفَ الأمرُ على المشاعرْ، وعلى الانفعال وصدق الخواطرْ، وجدِّ أبيكَ لما استأنفتْ، ولا اعترضتُ ولا تأفّفتْ، ولطويتُ الصفحة على القذى، وقلتُ: نتغاضى عن ذا الأذى! ولكن أن يتعدّى الأمرُ الانفعالْ، ويصلَ إلى جرّ الأفعالْ، ونصب المبتدا ورفع الحالْ، فهذا وجدِّك المرضُ العُضالْ، والأنكى من المغْص والسّهالْ، والأصلى من الحمّ والسعالْ!

“قِفا نبكِ” (بالكسر) قالها الملك الضليلْ، و”قَفا” (بالفتح) جعلها الطالب الأصيلْ! وبين قَفا الملِك ورأس الطالبْ، جبال وبحار ومراتبْ!! فقُلتُ: “لعلّه أخطأ سهوا، أو ربّما أرادها لهْوا!” فأوقفتُ وبْلَهُ الغزيرْ، وقطعتُ إنشاده الأثيرْ، وقلت له بلينٍ ولطفْ، موظّفًا معه كلّ أدوات العطفْ: “من فضلك، أعدْ يا حبيبي! وأجدْ لعلّ أنْ يُطفا لهيبي!” فعاد إلى نفس القَفا، فضاع أملي واختفى! ورقصَ حنَقي واحتفى! فصحتُ: “قَفا مَن يا ولدْ! وهل تبكي القفا في هذا البلدْ؟!” ضحِكَ الطلابُ وبكَيتُ مع قيسْ، ووددتُ لو أنطح ذاكَ التيسْ! لكنني تذكّرت وزارة المعارفْ، فصمتُّ مغرما كصوصٍ خائفْ، وردّدت الفاتحة وقانون الإيمانْ، وغنّيت بسرّي: أمان يا للّي أمانْ! فهدأ خاطري وعاد الأمانْ، قلتُ: أسرّي عن نفسي بقارئ مُجيدْ، ودعْني من هذا الطالب البليدْ، فربّتُّ على كتفهِ بكلّ رأفهْ، وقلت: “يكفي، قراءتك تُحفهْ! أنتَ يا وليد، أعد من البدايهْ” (وليدٌ طالب نجيب للغايهْ، وإن كانت لديه ولدناتْ، خصوصا وسطَ غنجِ البناتْ!)، فقرأ بدقّة وانتظامْ، واستمعتُ بلذّة وانسجامْ، إلى أن وصل إلى البيت الثالثْ، فتلعثم، وزلّ ووقعَ الحادثْ. “ترى بعْرَ الأرام في عرَصاتِها”، صارت بعْرًا في “عرْصاتِها”! سمعتُها فعضضتُ الشفاهَ وأغمضتُ العيونْ، وصحتُ: “هووووب….” بصوتِ الجنونْ! “لا والله نجيبٌ، بل أنت فظيعْ! وقاموسك الأخلاقيّ رفيعٌ رفيعْ…” (عرْصات يا بن الـ… أستغفر اللهْ، وأتوب إليه وأترجّى رضاهْ!)

“آهٍ!” من قرقوحة القلب المعنّى، صعدتْ تتبعُها: “ربّي، أعنّا! شوفوا! غدًا عليكم وظيفهْ! حفْظ خمسة أبيات خفيفه، تختارونها من ذي القصيده، وتتقنون ألفاظها الفريده!”، فصاحَ أحدُهم وهو مهتاجْ: “أنت يا أستاذ تخالف المنهاجْ!” (قلتُ في قلبي: أيُّ منهاجْ! أخٍّ على زمن القهوة والمهباجْ! والعصا والكرباجْ، حين كان العلْمُ على وهج سِراجْ، وأجرة الأستاذ جبنة وكماجْ، ونحن أمام الأستاذ أخوف من نعاجْ) فابتسمتُ وادّعيتُ المعرفهْ، وقلبي مغلول ومشاعري مُقرفهْ: “أنا أدرى منك بالمنهاجِ والبلّوطْ، والنصّ في منهاجنا، مضبوطْ؟!” (ابتسَم فقهرني هذا العطعوطْ، ووددتُ لو رفستُه شلّوطْ!): “نعم أستاذ هذا ممتازْ، ولكنّ الحفظَ غيبا غير مُجازْ!” (لعنتُ المنهاجَ ودعَوتُ على الإداره، وكدتُ أعملُ في المدرسة عزاره! لكنْ تذكّرتُ أنّي مكبّل، إن لمتُ “التقدّم” سمّوني: أهبلْ! لا كفَّ لي ولا قدمْ، كأنّني في عالم المرَدَة قزمْ، وكي أحفظَ لوجهيَ بعضَ الماءْ قلتُ): “حسنًا يا أذكياءْ، منعَ المنهاج الحفظَ والعقابْ، ولم يمنعِ النسخَ من الكتابْ، فوظيفتكم نسخ الأبيات بخطّ اليدْ، مع التشكيل والتحليل حتى الغدْ… ومن يحفظ الأبيات الخمسة كما قيلْ، يُعفى من الكتابة والتحليلْ!”.

عدتُ إلى البيت وقلبي تعبانْ، وأنا أردّد قصيدة طوقانْ: إن المعلّمَ لا يعيش طويلا، وإن عاش جعلتْه الظروف ذليلا! فأهلٌ وإدارةٌ وطلابْ، ووزارة وخوف من عِقابْ، وأجرٌ ليس يُشبع بطن صوصْ، تقتصّه الضرائب والشركات واللصوصْ… واتّخذتُ قرارا بغير رجعهْ، سأنهي حالا هذه الصرعهْ، وحلفت بأولادي وبهذه القرعه، أني لتعليم الصبيان لست بعائدْ، ولو صرتُ في الأزقّة قطًّا شاردْ…

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة