في ذكرى أربعينه : هل خبت ( أضواء) يوسف حنون بعد ( نزيف حروفه)؟

 

التصنيف : فن وثقافة (:::)

* سعدالله بركات (:::)

من جيل القدوة نعم ، من الرواد نعم ، ولكنه من المبدعين أيضا ، قدوة في الأخلاق  ومحبة الناس بل واحترامهم ، ابتسامته تسبق تحيته دوما ،  وهو من الروّاد في العطاء التربوي والتحصيل  العلمي الجامعي ثمّ في الإبداع الأدبي  ، و المربي – الأديب يوسف حنون الذي رحل الشهر الماضي، من جيل عصامي ،  شقّ طريقه في الحياة علما وعملا بجهد دؤوب  ومثمر.

يوم  كان مجال  التحصّل محدودا  ، ودونه عقبات  وعقبات ، ولج فقيدنا المجال الأرحب  لينتقل  من دار المعلمين إلى الجامعة  فحقل التعليم الخصب للغة الضاد على رحابة علومها وآدابها وعلى مافي هذا الطريق من مشاق.

وإلى ذلك خاض غمار النضال الفكري والنقابي في خدمة طبقته ومجتمعه وفي خدمة وطنه والأجيال الصاعدة في أسمى رسالة فعاش لقضية ومبدأ وتماهى مخلصا معهما . واليوم  نفتقد أباطلال ونتذكّره وامثاله ، نفتقده وهوالمؤمن بضرورة قوة الفكرة والكلمة بناء وتحررا ونهضة ، وكأنّي به يستشعروبالعمق ، بل ويحذّر من مخاطر سلبيّة الكلمة فرآها  ((أقوى من السلاح)) في حديثه لموقع حمص الألكتروني الذي قدّم لحواره بأن ((الشعر ليس ترفا عندك وإنما هو شكل من أشكاك الدفاع عن الأرض ومقاومة المحتلّ)) ، وهذا ماشكل جوهر مافاضت به نفسه  شعرا  وهو ينشد كلماته  تقديسا للأرض وإجلالا لكرامتها وينثرها دررا على صفحات  مجموعتيه (نزيف الحروف ) و(أضواء) أوفي مهرجانات الشعر و الأماسي .

وكيف لانتذكّره  وقد حمل حنين  القرية وهمّ الوطن  بين ضلوعه وأطلقه نسرا  في فضاء الشعر والأدب وعلى صفحات الجرائد من( العروبة) الحمصية إلى ( صوت المعلم ) الدمشقية إلى رأس الخيمة الخليجية ، كما  في مهرجانات رابطة الخريجين الجامعيين ، بينما كان  يحمل إلى ناسه  في الريف ليغرّد  أماسيه الشعرية  في أحضان الأرض والإنسان أريحية الانتاج والبذل وعراقة التجذر   .

أبوطلال من جيل القدوة  الفخر بما حققوا وبلغوا ، أما نحن فمن جيل المقتدين على تواضع ما بلغنا ،  لربّما كنّا نتهيّب التواصل مع الفارق العمري ، ولكن من حسن المصادفات أنيّ عرفت أبا طلال شاعرا ونقابيا عبر ما قرأت من قصائده   .                                                                    ولئن كان له الفضل مبادرة وثقة ،  فلكم كان سروري عندما كلّفني بإيداع ومتابعة  مخطوط مجموعتيه  الشعريتين  (نزيف الحروف)  و(أضواء) لتتواصل المعرفة وتتعمّق  صداقة ، فوجدتني مدفوعا لنشر قراءة  عنهما ، فقد غرفت من عبقهما عن الأرض وعن بلدتنا الحبيبة وقد نزفت لها حروفه تحية خاصة لفتت أحد النقاد   :  .((لأن الأنسام ومنذ لامست تربها . …  أسكرها عطر التراب فصاحت حبذا البلد    لو ملّوكني بلاد الأرض قاطبة    ……       لقالت النفس: لا إن الهوى صدد ‏)) ،

فكان بهذه الأصالة  لسان حال الذين اكتووا  بنار الغربة ..  فلا  يلهجون بغير هذا الهوى  و بغير الشوق الذي يكابدونه !!!! وإن أنسى  فلا أنسى يوم حفّزنا على احتفالية (أبي فراس الحمداني) فكانت لمساهماته الأدبية فيها ، كبير الأثر في بلورتها وإنجاحها حتى توقفت ومن اسف دون تحقيق الطموح المشترك  بمهرجان أدبيّ تكريما لذكرى هذا الأمير الشاعر من بلدة تفخر بأنها أجارته قبل أن يضمّ ترابها مثواه ، مع القيمة المضافة لوصول الثقافة وفعالياتها في الريف  ولعمري تلك كانت رسالته .         وكيف أنسى آخر لقاء –  لم أكن أتخيّله وداعيا – يوم جمعتنا فيه أمسية على شرفة منزله الذي ابتناه بعرق  الجبين وكدّ السنين  ، ليختزل فيه سعادته ويروي عطش الحنين لمرابع الطفولة والذكريات ، وقد غادرها يافعا  فراح يناجيها :

((هل تذكرين غلاماً كان ملعبه بين الأزاهير يغريها ويبتعد                                                              يسابق الريح في حضن الضحى مرحاً مثل الفراشات لاهمّ ولا نكد)) أبا طلال بكلّ الم نفتقدك ، وبكلّ فخرنتذكّرك وأمثالك ، قامة فكرية وتربوية ، وقامة أدبيّة ونقابيّة ، وفوق هذا وذاك قامة اجتماعية متماهية طيبة وإنسانية وموّدة وأصالة،  اكتنزت بذورا وثمارا طيّبة في نفوس طلبتك وعارفيك ، لقد (نزفت حروفك) ولكنّ (أضواء ك)  لن تخبو ،  وفي كلّ هذا عزاؤنا  في مقاربة المصير المحتوم لكلّ إنسان

أبا طلال : يؤلمنا رحيلك ،وما يؤلمنا أكثر أنّك رحلت عن دنيانا وأنت قادرعلى العطاء بل ومحب له ،فسنواتك السبع والسبعون لم تحل دونه ،وأما حين واجهت المرض برجولة الأمل ، فما آلمك أكثر ممّا شهدت من محنة وطنك وبلدتك حين أغمضت عينيك على غصة اليتامى والثكالى على  من افتدوها بالروح ليسبقوك على رجاء القيامة  .

فسلام على أرواحهم ، وسلام لروحك ، وطوبى للثرى يستولد القامات ثمّ يحتويها طهرا على طهر.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة