معالجة الشقاق بين الزوجين

 

 

التصنيف : مقالات وكتابات دينية  (::::)

مروة برهان – اسكندرية (::::)

قالَ تعالى { الرجال قوامون على النساءِ بما فضَّلَ اللهُ بعضهم على بعضٍ و بما أنفقوا من أموالِهِم فالصالحات قانتات حافظات للغيبِ بما حَفِظَ الله و اللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن و اهجروهن فى المضاجعِ و اضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن اللهَ كان علَّاً كبيراً * و إن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حَكَماً من أهلِهِ و حَكَماً من أهلِها إن يريدا إصلاحاً يُوفِّقُ اللهُ بينهما إن اللهَ كان عليماً خبيراً * و اعبدوا اللهَ و لا تشركوا به شيئاً و بالوالدَينِ إحساناً و بذى القربَى و اليتامى و المساكين و الجار ذى القربَى و الجار الجنب و الصاحب بالجَنبِ و ابن السبيلِ و ما ملكتْ أيمانكم إن اللهَ لا يحب من كان مختالاً فخوراً }

أصل القنوت دوام الطاعة و منه القنوت فى الصلاة , و المراد أنهن مطيعات للهِ و لأزواجِهِن .

{ فعظوهن } أى ذكروهن بما أوجبَ اللهُ عليهن من الطاعةِ و حُسن العشرةِ للأزواج .. { المضاجع } المراد بهجرِ المضاجعِ هجر الفراش .. { الصاحب بالجَنب } هو الرفيقُ فى السفرِ أو طلب العلم أو الزوجة .

فى هذه الآيات الكريمة يقولُ الحقُّ جلَّ فى علاه إن الرجالَ لهم درجة الرياسةِ على النساءِ بسببِ ما خصَّهُم به الله من الإنفاق فهم يقومون على شئونِ النساءِ ثم بعد ذلك فصَّلَ سبحانه حال النساءِ تحت رياسةِ الرجال , و ذكرَ أنهن قسمان :

قسم صالحات مطيعات و قسم عاصيات متمردات .

فالصالحات من النساءِ مطيعات للأزواج , حافظات لأوامرِ اللهِ تعالى , قائمات بما عليهن من حقوق , يحفظن أنفسهن عن الفاحشةِ فهن عفيفات أمينات فاضلات . و أما العاصيات المتمردات هن النساء الناشزات فعليكم أيها الرجالُ أن تسلكوا معهن طريق النصح و الإرشاد فإن لم يطيعوا فعليكم بهجرِهِنَّ فى الفراش , فلا تكلموهن و لا تقربوهن , فإذا لم يرتدعن بالموعظةِ و لا بالهجرانِ فلكم أن تضربوهنَّ ضرباً غير مُبرِح , ضرباً لا يؤذِى . ثم بيَّنَ سبحانه حالة أخرى , إذا كان النفورُ لا من الزوجةِ وحدها , بل من الزوجينِ معاً , فأمرَ بإرسالِ حَكَمَينِ عدلَين واحد من أقرباءِ الزوجةِ و الثانى من أقرباءِ الزوجِ ليفعلا ما فيه المصلحة فى إطارِ ما يُرضِى الله سبحانه فإن رأيا التوفيق وفقا , و إن رأيا التفريق فرَّقا , فإن كانت النوايا صحيحة , بُوركَ فى وساطتهِما . ختمَ اللهُ تعالى هذه الآياتُ بوجوبِ عبادتِهِ تعالى و عدم الإشراك به , و قرنَ وجوب عبادته بوجوبِ الإحسانِ إلى الوالدَينِ و إلى الأقرباءِ و اليتامى و المساكين و مَن لح حق الجوار من الأقارب .

جعلَ اللهُ تعالى للرجالِ حق القيام على النساءِ بالتأديبِ لسبَبَينِ هما : –

الأول : كسبى و هو ما فضَّلَ اللهُ به الرجل على المرأةِ فى القوة . ولذلك خَصَّ الرجالُ بالرسالةِ و إقامةِ الشعائرِ كالأذانِ و الإقامةِ و الخُطبةِ و الجمعةِ و أباحَ لهم تعدد الزوجات .

الثانى : ما ألزمَ اللهُ به الرجال من المهرِ و النفقة .

قالَ تعالى { بما فضَّلَ اللهُ بعضهم على بعض } و لم يقل ” بما فضلهم عليهن ” أو لم يقل ” بتفضيلِهِم عليهن ” لِحِكَمٍ جليلةٍ تظهرُ فى أمرين : – 1 – إفادة أن المرأةَ من الرجلِ و الرجل من المرأة و لكلِّ واحدٍ منهما وظيفته فى الحياة .

2 – كم من امرأةٍ تفضُلُ زوجها فى العلمِ و الدينِ و العمل .

أرشدت الآية الكريمة إلى الطريقةِ الحكيمةِ فى معالجةِ نشوزِ المرأةِ و دعت إلى الخطواتِ التالية : –

1 – الحكمة و الموعظة الحسنة لقولِهِ تعالى { فعظوهن } .

2 – الهجران و ترك معاشرتها جنسياً لقولِهِ تعالى { و اهجروهنَّ فى المضاجع } .

3 – الضرب غير المبرح بسواكٍ تأديباً لها لقولِهِ تعالى { و اضربوهن } .

4 – التحكيم لقولِهِ جلَّ فى شأنِه { فابعثوا حَكَماً من أهلِهِ و حَكَماً من أهلِها } .

ينبغى أن يُعلَمَ أن الضربَ قد وضحه النبى صلى اللهُ عليه و سلم بقولِه ” فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح ” هذا فى حديثِ جابرٍ رضى اللهُ عنه عن النبىِّ صلى اللهُ عليه و سلم أنه خطبَ بعرفات فى بطنِ الوادى فقال ” اتقوا اللهَ فى النساءِ فإنكم أخذتموهن بأمانةِ اللهِ و استحللتم فروجهن بكلمةِ اللهِ و إن لكم عليهن ألا يوطئنَ فرشكم أحداً تكرهونه فإن فعلن فاضربوهنَّ ضرباً غير مبرح و لهن عليكم رزقهن و كسوتهن بالمعروف ” .

قالَ العلماء : ينبغى أن يتقِىَ الوجهَ فإنه مجمع المحاسن , و لا يضربها يسَوطٍ و لا بعصا و أن يُراعى التخفيف فى هذا التأديب . و مع أن الضربَ مباحٌ فقد اتفقَ العلماءُ على أن تركَهُ أفضل .

اختلفَ العلماءُ فى العقوباتِ الواردةِ فى الآيةِ الكريمةِ هل هى مشروعةٌ على الترتيبِ أم على خِلافِه ؟

قالَ بعضهم : إنها مشروعة على الترتيبِ فمثلاً عند النشوزِ يكونُ بالوعظِ ثم الهجر ثم الضرب , و اتفقَ العلماءُ على أن تركَ الضرب أفضل .

قالَ البعض : إن الواوَ العاطفة بين العقوباتِ لا تدل على الترتيب .

و يرى الأستاذُ الدكتورُ محمود عبد الله العكازى رئيس قسم الفقه المقارن بكليةِ الشريعةِ و القانون / القاهرة سابقاً أن القولَ الأولُ هو الأرجحُ لأن ظاهرَ الآية يدلُّ على مراعاةِ الترتيب .

{ فابعثوا حَكماً من أهلِهِ و حَكماً من أهلِها } و فى التعبيرِ بفعلِ الأمر { فابعثوا } ما يوحِى بأن ذلك على سبيلِ الوجوب , و لكن جمهورُ العلماءِ حملوا هذا الأمرُ على وجهِ الإستحبابِ و الندبِ بمعنى أنه إذا بعثَ القاضى حَكَمَين من غيرِ الأقاربِ جازَ لأن فائدة الحَكَمَين إجراء الصلح بينهما , إلا أن الأقاربَ أعرف بحالِ الزوجينِ طلباً للإصلاحِ من الأجانب , لذلك كان من الأولَى أن يكونَ أحد الحَكَمَين من أهلِ الزوجِ و الآخر من أهلِ الزوجة . و لا شك أن الآيةَ خصَّصَتْ الأهل لأنهم أطلب للصُلحِ و هذا على وجهِ الإستحبابِ و هذا لا يمنع كونهما من الأجانب .

قالَ تعالى { و إن خفتم شقاقَ بينهما } :

يرى الجمهورُ أن الخطابَ هنا للحُكَّامِ و أولياءِ الأمرِ لأنه تعالى لَمَّا ذكرَ نشوز المرأةِ وأن للزوجِ أن يهجُرَها فى المضاجعِ و يضربها بَيَّنَ تعالى أنه إذا لم تجدْ هذه الوسائلُ المذكورةُ فى قولِهِ تعالى { فعظوهنَّ و اهجروهنَّ فى المضاجعِ و اضربوهن } فبيَّنَ سبحانه أنه لم يبقَ بعد الضربِ إلاَّ أن يبعثوا حَكماً من أهلِهِ و حَكماً من أهلِها .

اختلفَ الفقهاءُ فى الحَكَمَينِ هل لهما الجمع و التفريق بدون إذنِ الزوجينِ أم ليس لهما تنفيذ أمر بدونِ إذنِهِما ؟

1 – ذهبَ مالك إلى أن لهما أن يلزِما الزوجين ما يريانه فيه مصلحة و لو بدونِ إذنِهِما مثل أن يُطَلِّقَ الرجل .

2 – يرى الشافعى : للحَكَمَينِ أن يُفَرِّقا بإذنِهِما فقط و ليس لهما أن يُفَرِّقا بين الزوجينِ إلاَّ بإذنِهِما و رضاهما لأنهما وكيلان للزوجين . الآيات التى معنا ترشدُ و تهدفُ إلى أمورٍ كثيرةٍ من أهمِّها : –

1 – للزوجِ تأديب زوجته و منعها من الخروجِ فى حدودِ تعاليمِ الإسلام . 2 – وجوب النفقة على الزوجِ لزوجتِه . 3 – أن على الزوجة طاعة زوجها إلاَّ فى معصيةِ الله . 4 – للزوجةِ حق المطالبةِ بفسخِ النكاحِ عند إعسارِ الزوجِ بالنفقةِ عليها أو كسوتِها . 5 – وجوب عبادة اللهِ تعالى و عدم الإشراك به . 6 – الإحسان إلى الوالدَينِ و الأقربين و الجيران و اليتامى و المساكين و المحتاجين . 7 – النهى عن التكبّرِ و الإفتخارِ على خَلقِ الله .

لَمَّا كان الرجلُ أقدر على تحمُّلِ المسئوليةِ من المرأةِ و بما كلفه من السعى و الإنفاقِ على المرأةِ و الأولادِ كان هو الأحقُّ بهذه القوامة التى هى فى الحقيقة ” درجة مسئولية و تكليف ” لا درجة ” تفضيل و تشريف ” فهو عليه تحمُّل الأعباء .

قد جعلَ اللهُ للرجالِ حق القيام على النساءِ بالتأديب , و لعلَّ أخبث ما يتخذه أعداء الإسلامِ ذريعةً للطعنِ فى دينِ اللهِ زعمهم الكاذب أن الدينَ الإسلامىَّ أهانَ المرأةَ حين سَمِحَ للرجلِ أن يضربها و يقولون كيف يسمحُ اللهُ بضربِ النساء ؟ و كيف يحوى كتابه المقدس قوله { فعظوهنَّ و اهجروهنَّ فى المضاجعِ و اضربوهن } ؟ أفليس هذا اعتداءٌ على كرامةِ المرأة ؟

نعم , لقد سَمَحَ القرآنُ بضربِ المرأةِ و لكن متى يكونُ الضرب ؟ و لِمَنْ يكون ؟

إن هذا الأمرُ علاج , و العلاج يُحتاجُ إليه عند الضرورة .. لقد أرشدَ القرآنُ الكريمُ إلى الدواءِ فأمرَ بالصبرِ ثم الوعظ و الإرشاد ثم بالهجرِ فى المضاجع . فإذا لم تنفعْ كل هذه الوسائلُ فلابد أن نستعمِلَ آخر الأدوية كما يقال ” آخر الدواء الكى ” .

فالضرب بسواكٍ أقل ضرراً من إيقاعِ الطلاقِ على المرأة لأن الطلاقَ هدمٌ لكيانِ الأسرةِ و تمزيق شملها , و إذا قيسَ الضرر الأخف بالضررِ الأعظمِ كان ارتكابُ الأخفُّ حَسناً و جميلاً .

فالضرب هو طريقٌ من طرقِ العلاجِ ينفعُ فى بعضِ الحالات و إن من النساءِ بل من الرجالِ من لا يقيمه إلاَّ التأديب . و من أجلِ ذلك وُضِعَتْ العقوبات و فُتِحَتْ السجون . إن أمرَ الضربِ فى شريعةِ اللهِ ليس إلاَّ طريقاً من طرقِ الصلاح . و مع أن الضربَ مباحٌ فقد اتفقَ العلماءُ على أن تركَهُ أفضل . و مع ذلك فهو علاجٌ كما قلنا فى بعضِ الحالاتِ الشاذة .

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة