القفل..مقالة اجتماعية

 

التصنيف : اراء حرة (:::)

هناء عبيد – الولايات المتحدة الامريكية (:::)

توجهت إلى غرفة الخزانات في النادي الرياضي الذي أذهب إليه في بعض الأحيان، والذي يقع في (ضاحية قريبة من مدينة شيكاغو) لأتناول حاجياتي من خزانتي..كان أمامها سيدة ، استأذنتها في الابتعاد قليلا حتى يتسنى لي فتحها ، نظرت إلى بدهشة ثم قالت لم أكن أتوقع أن هناك حاجيات في هذه الخزانة ،فقد اعتقدت بأنها فارغة..كيف تضعين حاجياتك دون استخدام قفل..؟ ابتسمت وأخبرتها أن لا أشياء ثمينة لي فيها ،لهذا لا أظن أنني بحاجة إلى قفل . قالت لي وعلامات الجدية والإستغراب ترتسم على وجهها ، يبدو أنك تثقين بالناس أكثر من اللازم ، معطفك هذا الذي تضعينه في الخزانه جميل وقد يعجب البعض ، وهناك من يأخذ ما يعجبه للأسف ، نعم أنت ترين هنا وجوه جميلة طيبة مبتسمة تأتي وتذهب بين الحين والآخر ، لكن للأسف الشديد ما تخفيه النفوس ليس ما تظهره الوجوه ، لقد حال بيني وبين سرقة حاجيات لي دقائق معدودة ،كانت الدقائق التي تركت فيها خزانتي مفتوحة ،لأذهب فقط لشرب الماء وعلى مسافة ليست بالبعيدة منها .

شعرت بدهشة كبيرة ، كيف يمكن لأناس أن يمدوا أيديهم على ممتلكات غيرهم لمجرد أنها أعجبتهم …؟ اليس هناك ضمير أونداء داخلي يمنعهم من هذا التصرف الشائن ، أليس هناك احترام لملكية الأشخاص وخصوصياتهم ..؟ ثم ما لبثت أن لمت نفسي ، ماذا فعلا لو لم اجد معطفي ، وغادرت الى خارج المبنى وقد كانت برودة الجو لا تحتمل في ذلك اليوم ، ألا يقع اللوم علي ، ألست من أهمل حفظ ممتلكاتي..؟! ألم نسمع بالعامية المال السايب بيعلم السرقة ، لم يكن الموقف أمرا عابرا بالنسبة لي فقد استحوذ على تفكيري مدة ليست بالقصيرة ، تراكمت أسئلة كثيرة في ذهني كما العادة كلما شغلني موضوعا ، ما الذي يدعو إنسانا أن يستحوذ على ممتلكات ليست من حقه ..؟ هل هي التربية الخاطئة التي نشأ عليها ، أم هي جينات متوارثة ..؟ أم هو الإفتقاد إلى الوازع الديني الرادع للنفس حين تقترب من الخطأ ، أم هي العوامل الإقتصادية المتريدة التي تحول الشخص من ايجاد عمل أو وظيفة تكف يده عن السرقة وتضمن له العيش الكريم …؟

قد يكون السبب أحد هذه الدوافع أو لربما يكون جميعها ، ولكن بغض النظر عن الدوافع والمسببات التي تؤدي إلى السرقة، فنحن لن نستطيع أن نغير أطباع البشر، لكن في المقابل إن تواجد مثل هؤلاء الأناس التي لا تحترم ملكيات غيرها ،فإننا على أقل درجات الايمان نستطيع أن نحمي ممتلكاتنا من أمثالهم ، بحيث لا تكون ممتلكاتنا سائبة لعابري الطريق ، وإلا فلا لوم اذن ان سرقت وسلبت حقوقنا بسبب إهمالنا وعدم محافظتنا عليها .

الموضوع بالطبع لا يتوقف على ممتلكات صغيرة ، لأن من تسول له نفسه سرقة أشياء بسيطة يمكن أن تمتد يده على أموال طائلة ، فقباحة السرقة هي نفسها في كل الحالات، لكن قد تختلف اسلوبا أو نوعا ، أو كما.

وهذا ما هو حاصل في أوطاننا العربية ، فالشعب العربي ما زالت العاطفة تتحكم في العديد من جوانب حياته، حتى في الشؤون السياسية التي لا تعرف العواطف ، فما أن يعتلي اي شخص منصة الرئاسة، وما أن تلعثم بعبارات وخطابات مطمئنة حتى صفقت له الجماهير ، وتعالت الأصوات المؤيدة له ،وأعطي كامل الثقة وكامل الولاء ، بل وأعلن له كامل الطاعة والخنوع ، لقد كان لنا في الحقبة الماضية الدرس الأكبر في أخذ الحذر ممن يعتلي ناصية الحكم ، وممن استولى على السلطة ، فالخنوع والطاعة العمياء والولاء المطلق لم يسترعوا انتباه الشعب الى أن الرؤساء قد اعطوا انفسهم صلاحيات، ما أنزل الله بها من سلطان ، بحيث اعتقدوا بأن الأرض وما عليها من حقوقهم ،وأنها ملك لهم . فباتوا يستولون على ممتلكات الأرض التي من الله بها على عباده ،ليتركوها قاحلة لمن يسكنها ، فرأينا ما لا تسرله عين ،وما لا يطمئن له قلب ، أناس يعيشون في القبور، أطفال زادهم بقايا قمامة ، أمراض متفشية لا تجد الرعاية لعلاجها، جهل انتشر بين شعوب من الله عليها بالذكاء . أمراض اجتماعية متفاقمة ، بطالة ، فقر .

فحتى تحفظ حقوق الشعب وممتلكات الدولة، لا بد من استخدام القفل ،الذي هو هنا بمثابة الدستور الذي يجب أن يوضع بما يتلاءم ومصلحة الشعب ،لا مصلحة الرؤساء وحاشيتهم ،والذي يجب أن يطبق بحذافيره على الجميع دون استثناء بغض النظر عن المركز ،فبوجود هذا الدستور وضمان تطبيقة بالعدل والمساواة لا يمكن أن يصل الحال إلى ما آلت إليه شعوبنا من أحوال اقتصادية متردية وصلت الى الحضيض ، ولما وصلت أرصدة بعض الرؤساء وكبار موظفي الدولة الى مليارات ،ليس لوجودها أي مبرر قانوني، لهذا كان لزاما أن يكون الشعب على قدر من الوعي، وأن يعرف حقوقه وواجباته، وأن يدرك بأن الرئاسة لا تعني الهيمنة على البشر، وفرض الذل على من خلقهم الله احرارا . بحيث لا يسمح لأمثال هؤلاء الجشعين القلة بالتحكم في مصائر الملايين، لا بد من القوانين الرادعة التي يضمنها الدستور ، ولا بد من وجود اللجان المسؤولة عن تنفيذ هذه القوانين بحذافيرها على الجميع سواسية دون مراعاة لمركز ، كما يجب مراقبة أموال أصحاب المراكز العليا ، وعلى رأسهم رؤساء الدول دوريا ،والتأكد من أنها تتناسب وحجم مسؤولياتهم وصلاحياتهم ، حتى تبقى الحقوق محفوظة .

إن أقوى رجل في العالم في ثقله السياسي كما نعلم ،هو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ، وبالرغم من ذلك فإن صلاحياته لها حدودها، ولا يمكنه مركزه الرفيع من التعدي على نطاق هذه الصلاحيات ، هذا ويتم معاقبته أشد العقاب اذا ما أدين بجريمة مد يده على المال العام ، والمثير للدهشة أن راتبه السنوي لا يتجاوز النصف مليون دولارا ، بينما تتجاوز رواتب رؤسائنا المليارات ، وما أن تنتهي مدة رئاسته إلا وقام بايجاد عمل ليرتزق منه ، إذ لا توجد أرصدة منهوبة تقدر بالمليارات تنتظره ، ذلك أن الأنطمة والدستور والقوانين منعته من العبث في ممتلكات الدولة

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة