الدين والسياسة.. علاقة متوترة ومتأرجحة ؟!

 

التصنيف : اراء حرة (::::)

طلال قديح* – السعودية (:::)

لحكمة بالغة،  خلق الله الإنسان برأس واحد، وعقل واحد ، وقلب واحد ، وفم واحد بلسان واحد ، وشفتين.. وأنعم عليه بعينين اثنتين، وأنف بفتحتين ، وأذنين اثنتين، ويدين وقدمين.. وقال الله تعالى: “ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين، وهديناه النجدين”.وقال عز وجل: ” لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم “.  وكل عاقل يدرك الحكمة الإلهية  بين الوحدة والزوج.. سبحان الله! كيف يكون الأمر لو اختلف الأمر؟، فكان الواحد اثنين أو الإثنان واحداً؟! وهنا نحمد الله الذي أتقن كل شيء صنعاً.. فالحمد الله.. الحمد الله.. فهو الخالق المبدع، القادر على كل شيء.

وقال رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم : ” ما جعل الله لامرئ من قلبين في جوفه” ويبين عليه الصلاة والسلام  قيمة القلب ووظيفته : ” ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله..ألا وهي القلب”.

لا يمكننا أن نتخيل جسداً  بلا قلب ، أو قلباً بلا جسد،  وعليه فلا يستقيم حال أمة ولا يصلح أمرها إذا لم يكن هناك من يسوس أمرها أو يضطلع بتدبير شؤونها وفق مستجدات ومقتضيات العصر المعاش.. فهي أحوج ما يكون إلى قائد، تتوافر فيه الحكمة وبعد النظر والحلم والصبر والأناة وإنكار الذات والبعد عن الأنانية وتغليب العام على الخاص، وأن يكون قادراً على التفاعل مع كل قضايا الشعب فيعمل جاهداً على الضرب بيد من حديد على أيدي المخربين  والانتهازيين ممن يجدون فرصتهم سانحة في ظل الفوضى وانعدام الأمن، ليعصفوا بالبلاد والعباد.. وشعارهم : أنا ومن بعدي الطوفان!

فلا حياة ، ولا تنمية ولا نهضة، بلا أمن واستقرار، وطمأنينة وسلام.. لأن الفوضى لا يمكن أن تأتي بخير مطلقاً.. أما أولئك الذين ينظرون للأمور من خلال مناظيرهم السوداء فلا يحلو لهم إلا الصيد في الماء العكر، وليس بإمكانهم أن يعملوا في العلن لما فيه خير الشعب كله.

إن العلاقة بين أهل السياسة وأهل الدين لم تكن دائماً مستقرة على حال ،  لا يهدأ لهم فيها بال، فكل طرف لا يثق بالآخر ويضمر له غير ما يعلن.. أما بعد عواصف الربيع العربي فقد  بدت الأمور أكثر وضوحاً ، وأميط عن الوجوه اللثام لتبدو على حقيقتها بلا رتوش..ففتحنا عيوننا على وضع مأساوي ذهب ضحيته الآلاف بين قتيل وجريح ، ناهيك عن الخسائر الفادحة التي لحقت بالاقتصاد ، تجارة وصناعة وزراعة..وشغلت الدول عن التنمية والتطور في كافة المجالات.

يحاول كل طرف من أهل السياسة وأهل الدين أن يستأثر بكل شيء ، اعتقاداً منه أنه الأصلح وأنه الأقدرعلى قيادة البلاد والوصول بها إلى بر الأمان.. وهنا يشتد الخلاف ويحتدم الخصام ليصل إلى قتال لا هوادة فيه ولا رحمة ، يجني على الأبرياء ممن لا ناقة لهم ولاجمل ، وكل مناهم أن يعيشوا في سلام ووئام.     وهكذا تدور البلاد في حلقة مفرغة وتتأرجح الأمور مداً وجزراً  ويحاول كل فريق جاهداً ترويض الآخر بل وإقصاءه بعيداً ليفرض برنامجه طبقاً لأفكاره وأجنداته.. وتتسع الهوة حتى يتعسر جسرها والوصول إلى وفاق.

وما أصدق  الشيخ الجليل محمد متولي شعراوي الذي لخص هذه العلاقة بقوله:” أتمنى أن يصل الدين إلى أهل السياسة، ولا يصل أهل الدين إلى السياسة” . جكمة بالغة تنم عن نظرة ثاقبة ، وفهم للواقع الذي نعيشه ونقاسيه في معظم أقطار العالم العربي التي يتقاتل فيها الطرفان بلا هوادة. لقد وضع يده على الداء ووصف الدواء.. فهل يصغي له العقلاء، ويهرع للعمل به الحكماء ليحقنوا دماء الأبرياء ويعيش الناس  في محبة وصفاء في مجتمع تنتفي فيه البغضاءوالشحناء؟.

تفرغ الشيخ الشعراوي للدين ووهب حياته كلها يدعو للإسلام بالتي هي أحسن، من غير تخوين أو تخويف ، ونأى بنفسه عن السياسة إدراكاً منه أن تعاطيها محفوف بمخاطر لا حصر لها، وأن رضا الناس غاية لا تدرك.. فأصغى له المسلمون في العالم الإسلامي كله، وأقبلوا على أحاديثه ودروسه، ووجدوا فيه النموذج للمسلم المعتدل والعالم الذي أعطى بلا حدود من غير أن تؤثر فيه التجاذبات السياسة إدراكاً منه أن للسياسة أهلها ، ومخطئ من يخلط هذا بتلك.

ومن خلال قراءتنا للحال المتردية التي يعيشها العالم العربي ، نجد أن محاولات  إخضاع الدين لمآرب سياسة تمكن من الوصول للسلطة ليس إلا، مما أبعد الناس عن تصديق ما يروجه البعض من وعود معسولة وأمنيات لا معقولة.. كلنا مسلمون ولا نرضى بالإسلام بديلاً..نحكّمه في حياتنا منهجاً وسلوكاً. وليس مقبولا أن يحتكر فهم الدين أناس معينون..ليحسن الظن كل منا بالآخر حتى تسود المحبة بين الجميع بلا تعصب مقيت.. “ولو كنت فظاغليظ القلب لانفضوا من حولك” .. “وإنك لعلى خلق عظيم” بهذا  النهج القويم انتشر الإسلام ودخل الناس فيه أفواجاً.

وطالما ظل الجانبان يعامل أحدهما الآخر بالكيد والخديعة بلا نية في تنازلات للالتقاء في وسط الطريق فإن شقة الخلاف بل ظاهرة الاقتتال ستزداد حدتها وتتفاقم الأمور يوماً بعد يوم. لا بد من أن تُقدم المصالح الوطنية العامة على ما سواها لتعود البلاد إلى الاستقرار وتبدأ عجلة الحياة في الدوران للأفضل.   كفى.. كفى..فقد مللنا الشعارات الزائفة والوعود الخادعة  بالمن والسلوى من غير أن تحقق شيئاً أو تضيف إنجازاً يلامس احتياجات الوطن وطموحات أهله.    نسأل الله تعالى أن يؤلف  بين القلوب ، وينقيها من الضغائن والأحقاد، ويرد الجميع إلى جادة الصواب..وطريق الرشاد.

• كاتب ومفكر عربي

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة