وعد بلفور … ووعد كيري

 

التصنيف : سياسة واخبار (:::)

عدنان الروسان – الاردن (::::)

إن ما يرشح اليوم من معلومات عن مبادرات أمريكية إسرائيلية ليس إلا بالونات اختبار لجس نبض الشارع الأردني والعربي وبعض الأنظمة العربية و مدى قبولها لتصفية القضية الفلسطينية  على حساب الأردن عبر معاهدة حد أدنى تضمن هدنة لفترة طويلة إن لم يكن سلاما بالمعنى المقصود للكلمة ، و يبدو أن الأمريكيين قد أيقنوا أن القضية الفلسطينية و تشعباتها تسبب قلقا لسياساتهم الخارجية و تشغلهم عن قضايا أكثر أهمية من فلسطين والعالم العربي كله بالنسبة لهم ، فهم يعلمون أن المارد الصيني بات قاب قوسين أو أدنى من أن يكون دولة عظمى كاسحة غير قابلة للانكسار ، لا الاقتصادي ولا السياسي ولا العسكري في أسوأ الظروف ، كما أن روسيا الضعيفة التي كانت تحكمها المافيا و تنهب خيراتها جماعات الضغط الاقتصادي الغربية تغيرت تحت حكم بوتين و باتت القوة العظمى التي كان يمثلها الإتحاد السوفيتي و هناك كوريا و جورجيا و أوروبا الشرقية و تايوان و قضايا أخرى كثيرة إضافة إلى قضية الجمود الاقتصاد الأمريكي و تعثره للعام السابع على التوالي مما يهدد بعواقب كارثية على مجمل الوضع الأمريكي و ربما على الحلفاء الغربيين أيضا .

من ناحية أخرى هناك مفاوضات جارية بين مفاوضين فلسطينيين و إسرائيليين بسرية تامة في مناطق مختلفة من أوروبا  على غرار ما جرى في أسلو ، كما أن علينا العودة إلى العمل المضني الذي قام به مفاوضون فلسطينيون و إسرائيليون خلال السنوات الماضية و بعد أوسلو و كنا نظن أنهم يقومون بأعمال فردية لا علاقة للقيادات الفلسطينية والإسرائيلية بها ، غير أننا إذا ما عدنا إلى وثيقة عباس – بيلين والتي وضعت خطة كاملة لفكفكة القضية الفلسطينية كلها على كل الصعد السياسية والتاريخية والاجتماعية و الدينية و أعادت تركيب الحل بما يتواءم مع كل متطلبات الأمن الإسرائيلي كما تراه القيادات الراديكالية الإسرائيلية و هناك مبادرة جنيف التي تفاوض فيها ياسر عبد ربه مع إسرائيليين ثم طويت صفحة ورقة عباس بيلين و ورقة مبادرة جنيف حتى عاد كيري اليوم ينفض الغبار عنهما ووضعهما موضع التنفيذ . وإذا كنا نسوق كل هذا السرد التاريخي و نطيل في المقدمة فلأننا لا نبحث عن مجرد شجب و استنكار لما يحدث  بل نريد أن نقدم للشعبين الأردني و الفلسطيني تحليلنا السياسي الواضح والعميق لما جرى و يجري و للأهداف التي يسعى لتحقيقها الإسرائيليون والأمريكيون بالتعاون مع بعض المستغربين و المتصهينين في الجانب الفلسطيني ، و الأمر يستحق الدراسة والعناية والتحقيق لأنه في غاية الخطورة .

إن ما يجري يشكل خطرا حقيقيا  على فلسطين و الأردن يصل إلى حد خطر النكبة التي حصلت للفلسطينيين في العام 1948  ، و هو يسعى إلى تحطيم مجموعة المفاهيم والقيم السياسية والاجتماعية والتاريخية بين الشعبين العربيين الأردني والفلسطيني و ذلك لإفساح المجال أمام قطعان المستوطنين من اليهود في فلسطين المحتلة لترسيخ أقدامهم لستين عاما ثانية في فلسطين و خلق نكبة جديدة يتداخل فيها الإقليمي مع العنصري مع الطائفي و ذلك لتطبيق المبدأ الأمريكي في مجال الفوضى الخلاقة الذي طبق في مصر و ليبيا و يطبق اليوم في سوريا  و يراد له أن يحدث في ربوع الأردن .

اليوم لا تنفع المداهنة والمراوغة ولا يجوز القفز عن الحقائق تحت شعارات العقلانية والهدوء ، اليوم لا بد من تسمية الأمور بمسمياتها ، ووضع كل النقاط على الحروف حتى تكون القراءة سليمة و واضحة تماما ، فاليوم يدبر ليس بليل بل في وضح النهار و تحت شمس ساطعة مخطط لضرب الأردنيين والفلسطينيين و الانتهاء من قضم كل فلسطين ، و تسمية الأردن وطنا يضم كل من يريد و من لا يريد و كأنه مستودع بشري خال من التاريخ والمشاعر الوطنية والقومية والدينية ، و كأن فلسطين انتقلت لتصبح في الأراضي الأردنية .

نود أن نوضح أننا لا ننطلق من أي بعد اقليمي ، ولا يستطيع أحد في هذا الكون الأدمي كله أن يزاود علينا بوطنيتنا و قوميتنا و ديننا و شرفنا ، فنحن الذين ضحينا مع إخواننا الفلسطينيين و نحن الذي حملنا معهم ارث النكبة كله على ظهورنا ، و نحن الذين تقاسمنا معهم حر الصيف و قر الشتاء القارص بينما كانت العرب المستعربة و بعض العرب العاربة يتجشئون من التخمة في قصورهم ، و نحن الذين اعتبرنا و ما نزال نعتبر أن فلسطين بمنزلة الأردن في قلوبنا إن لم تكن أغلى ، بعض ترابها مجبول بدمائنا و بعض نسيمها يعانق أرواح شهدائنا ، والفلسطينيون أغلى علينا من كل الدنيا لأنهم منا فلا يدخلن أحد لشرح ما نقول من منطلق عنصري اقليمي ضيق تافه. غير أننا نقول أن بعض نخب المستغربين من الفلسطينيين يريدون أن يزرعوا الفتنة بين الشعبين و يريدون أن يخلقوا مشكلة جديدة فوق كل ما على رؤوسنا من مشاكل ، و يريدون أن يتصوروا على أدراج البيت الأبيض و هم يقبلون أحذية العدو مقابل مصالح شخصية ضيقة ، إن الأردن ليس للبيع ولا للاستثمار ولا للمبادلة ، الأردن هو أرض الحشد والرباط لتحرير فلسطين وليس أرض لمقايضة فلسطين به ، الأردن هو وطن كل الصناديد الذين قاتلوا و قتلوا واستشهدوا على ترابه منذ أبو عبيدة عامر بن الجراح و سعد و جعفر رضي الله عنهم و حتى ضباط الجيش الأردني و الفدائيين الفلسطينيين  الذين سالت دماؤهم زكية في الكرامة والشونة و أم قيس و وادي عربة و شرق النهر و غربه حتى حافظوا على هذا الوطن عاليا ، غاليا ، قويا مصانا .

هل نسمح اليوم ببقايا ديناصورات المنظمات ذات الخمس نجوم و ثوار الفنادق و الكباريهات أن يجلسوا على طاولة مع كيري ليقرروا مصير الأردن ، بالتأكيد لن نسمح ،  أمريكا دولة قوية و إسرائيل دولة معتدية وما تزال معتدية و هي لا تحترم المواثيق ولا العهود ولا المعاهدات ، و لكننا في الأردن نستطيع أن نقلب المعادلات كلها و الثوابت كلها إذا وجدنا أن وطننا و شعبينا الأردني والفلسطيني يتعرضان لخطر التصفية و لخطر نكبة جديدة 1948 ، لم نصدق كيف ننتهي من تراث و عواقب وعد بلفور والتغريبة الفلسطينية التي دمرت شعبا بأكمله  ، فهل نسكت على وعد كيري الذي سيدمر ما تبقى من الشعب الفلسطيني إضافة إلى الشعب الأردني كله .

هل مطلوب منا بعد كل التحالف الذي حالفناه لأمريكا أن تبيعنا لإسرائيل ، نحن نعلم أن أمريكا ليس لديها صداقة دائمة ولا أصدقاء دائمون ، وليس أدل على ذلك من بيعها للسعودية التي أعطتها كل نفطها و ثرواتها لمدة ستين عامل لتكافأ بأن يتخلى عنها الحليف الأمريكي لصالح إيران ، من هنا فإن علينا التيقن تماما أن المخطط الذي يتم الحديث عنه إذا لم يواجه منذ اليوم و من قبل كل طلائع الشعب الأردني و قوى الشعب العاملة الصادقة المخلصة من فلسطينيين وأردنيين فإننا سنجد أنفسنا غدا أمام أمر واقع لا سمح الله .

لولا أن الأردن ملتزم بكل ما اتفق عليه في معاهدة كامب ديفيد لما كانت هناك سماء صافية ولا ليل هاديء في طبريا و بيسان و العفولة و سدوم و غيرها بل لن ينام أحد من اليهود في فلسطين المحتلة من أقصى رأس الناقورة شمالا و حتى خليج العقبة جنوبا ، و لن تستطيع إسرائيل أن تفعل شيئا فقد رأينا فعلها مع المقاومة اللبنانية و ستكون المقاومة الأردنية الفلسطينية أكثر و أكبر مما تظنه إسرائيل.

على الأمريكيين أن يتعقلوا قبل أن تشتعل النار في المنطقة و النار في النقطة التي يلعبون بها بالنار تختلف عن كل المناطق الأخرى و على الإسرائيليون أن ينسوا العام 1967 و يتذكروا يوم الكرامة لأن الأردنيين قادرون على تكراره وقتما يشاءون و يرون ذلك مناسبا ، أما بعض الفلسطينيين من التجار فلا نقول  لهم إلا … استحوا فما تروجون له عيب و خجل و لا نقول لكم حرام لأنكم لا تعرفون الحلال من الحرام.

” و يمكرون و يمكر الله و الله خير الماكرين ” صدق الله العظيم

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة