التقينا إذن تحت سماء نيوأورلينز

 

التصنيف : فن وثقافة (:::)

هديل قطناني * نيو اورليانز – امريكا (:::)

توقف بي الزمن لحظة مروري بهذة المدينة الجنوبية في الولايات المتحدة الامريكية، لا أعلم دهشة المناظر أم عراقة استمدت من عصور ما زالت تنبض باسمها محفورا على معالم هذة المدينة.. بين ازقتها و شوارعها و أبنيتها، حيث تبدأ بي الرحلة على متن تلك الباصات الذي تحتوي على طابقين ( هوب آند هوب) تأخذنا الى أكثر حي في نيواورلينز المدينة عراقة وهو حي ( الفرينش كورتر) أو الحي الفرنسي، و أيضا المعروف باسم فيو كاريه بالفرنسية

هنا حيث يلتقي شعوب بلغات و الوان و كاميرات بالحضارة و العراقة و شهرة ذلك النهر المعروف بالمسيسيبي، حيث تكون الذكريات مزيجا من عبق عصور تركت آثارها على معالم هذا الحي الشهير الذي تشعر بأن أهله فخورين به و مرحبين بزواه بابتسامه فخر وانتماء تظهر للضيوف الفضل بجعل هذا الحي نابضا بالحياة ومحافظا على تراثه التاريخي العريق .

ما أراه هنا مزيج من حضارات طبعت على المباني، حيث يمتزج فن العمارة الفرنسي و الاسباني ليترك طابعا فريدا على هذا الحي بزقاقه الضيقة و والنوافذ الكبيرة المطلة على الخارج و الشرفات العريضة …..هنا حيث تكثر أيضا الفنادق بطابعها الاثري الجذاب و الالوان التي تسرق نظرك، و يثيرك الفضول لتتعرف اكثر على تاريخها و ما حل بها حيث تم التداول على حكمها من قبل الفرنسيين و الاسبان ، ولكن فرنسا هي من حكمت اولا لذا حازت على سبق الإسم فقد سمييت بلويزيانا نسبة الى لويس الرابع عشر ملك فرنسا، حاليا Louisiane قبل أن تتغير طريقة الكتابة إلى و(La Louysiane) و تعني أرض لويس، هذا الملك الذي عرف بكلمته الشهيرة بأن الدولة هي انا و بمعنى اخر جسد مبدأ الحكم الالهي المطلق إذ يعد حكمه مستبدا، ولكنه أيضا هو نفسه لويس الرابع عشر الذي تشهد له الحضارة الفرنسية بازدهارها في العلوم والادب و الفن حيث أنشأ بعهدة اكاديمية الفن و الرسم و اكاديمية الهندسة .

و لذا يحتار السائح فيما يرى هل هذه المنطقة فرنسية أم اسبانية؟ هنا تكمن الحيرة عند البعض إلا أنه باعتقادي أن كلا من الحضارتين اخذت حقها في إثبات وجودها فالبرغم من أن الحي سمي الحي الفرنسي إلا انه يوجد هناك الحي الاسباني أيضا .

نتوقف عند الكاتدرائية الكبيرة ذات اللون الابيض الخلاب وتدعى كاتدرائية سانت لويس حيث تقرع الاجراس كل ربع ساعة، لتعطي هذا الجو الديني الاثري في الوقت نفسه، و تلك الساعة الكبيرة التي تتوسط المبنى من الخارج لها رونق خاص جاءت لتعطي اللمسة الاوربية على هذا المبنى .ولا يسعك أن تغفل عن الثلاثه أعمدة البارزه .. اثنان على الجوانب وواحد في الوسط وامامها تطل ساحة خضراء تستقر بها نظراتك الى ذلك التمثال البرونزي للجنرال اندرو جاكسون يمتطي حصانه ليعطيك الشعور بأنك في قلب مدينة نيو اورلينز.

تبدأ مشاعر السائح بالتساؤل عن قصة هذا المبني المتقن البناء من الطوب الابيض و لنفتح باب الأجوبة و تلك القصة حيث جاء ذلك المهندس الفرنسي أدريان دي بوجير الى المدينة ( نيواورلينز) في 1721 وسلم هذا الموقع لبناء الكاتدرائية من قبل المهندس العام للقوات المسلحة لويزيانا، يبلوند دي لا تور، وبالتالي سميت الكنيسة بسانت لويس نسبة الى ملك فرنسا لويس التاسع ، ولكن دي بوجير توفي للأسف الشديد قبل ان يكمل البناء في عام 1726و طلب بوصيته أن يدفن بداخل الكنيسة التي لم تكتمل والذي حظي بالموافقه عليه .

وخلال ستة عقود اكتملت الكاتدرائية، فكانت تحفة فنية يرتادها اعضاء الحكومة الفرنسية و اعضاء الحكومة الاسبانية. في هذة الكنيسة الصغيرة عمد ابناء المستعمرة وابناء العبيد و كانت تقام طقوس الدفن للميت الى ان يأخذ الى مقبرة سانت بيتر ستريت. .تمر السنوات و لا تلبث هذة الكنيسة إلا ان تقع فريسة حريق في عام 1788 حيث شبت النيران في تلك الستائر الدانتيل في منزل امين الصندوق العسكري للمستعمرة ، فينسنت خوسيه نونيز، على شارع شارتر . بين المباني إلى احتراقها بالكامل و طارت يد النيران كنيسة سانت لويس ، وإقامة الكهنة ، و كازا الرئيسي ، الذي يضم كابيلدو .

بقيت الكنيسة على حالها متفحمة لمدة سنة كاملة الى اوائل عام 1789 بدأ البناء من جديد واخذت خمس سنوات للانتهاء وكان ذلك في عام 1794, كانت الكنيسة الثانية هدية من الثري الاندلسي الذي قدم الى نيواورلينز واخذ الكثير من المميزات و الاراضي ( دون اندريس روكساس ).

كيف اصف هذة المدينة إلا انها مدينة مختلفة ومعقدة مثيرة للاهتمام معا حيث جمعت التاريخ والثقافة والفن وهنا أقصد فن الموسيقى أو الفن الذي ملأ قاعات الجاليري و عن اي موسيقى نتكلم هنا موسيقى الجاز نعم لا تتفاجأ ايها الزائر لهذه المدينة عندما اقول لك ان الجاز جاء وخلق في نيواورلينز .. نعم هو الجاز الذي نشأ من هنا و خرج الى العالم على يد اكبر عازفيه و مغنييه الزنوج حيث نبدأ بقصة هذة المدينة مع الجاز والتي بدأت في اواخر القرن 19 و سمح للعبيد امتلاك الطبول و الرقص على ايقاعات الفودو ولقي حضور الاغنياء متل الفقراء من قبل البيض و العبيد والتي جاءت من القرون الاوروبية المشرقة لتخرجهم من الظلام الى قرع الطبول كاجتماع الرعد و البرق معا.. جمعوا موسيقى الكنائس و البارات الى انفجار موسيقى جديدة .. موسيقى المبتهجين التي ساهمت في دب الحياة في عروق الناس من جديد, جعلتهم يشعرون بالحرية، جعلتهم ينهضون للرقص لولادة موسيقى امريكية جديدة .. عرفوا بعزفها و عزفوها كما لم يعزفها احد .

ومن اهم العناصر المهمة في انشاء الجاز يعود الى العرق الذي اساسه الزنوج الامريكيين في هذة المدينة، على الرغم من أن المدينة كانت ميناء الرقيق الرائدة واستمرت لفترة طويلة بعد الفصل ألغيت العبودية، والناس من مختلف الأجناس مختلطة بحرية أكثر من ذلك بكثير في نيو اورليانز من المدن الأمريكية الأخرى. في حين كانت محاولات الولايات الجنوبية الاخرى القضاء على الاثار الثقافية الافريقية ,بقي العبيد في نيواورلينز من العادات والثقافات المستمرة التي كانوا يلتقوا في لويس ارمسترونج بارك في ساحة الكونغو. وجعلوا الموسيقى والرقص، وهي مدينة استخدمت بالفعل شعور الفرح، والتعبير عن الابتهاج بها. مدينة حيث يمكنك الرقص أسفل وسط الشارع، في منتصف النهار، في منتصف الأسبوع، وبدلا من الناس يتساءلون لماذا لم تكن في العمل، انما يتساءل كيف يمكن أن أنضم إليكم ولا يسعني إلا ان اذكر اكبر فناني الجاز ومنهم بودي بوردن, لويس ارمسترونج, سيدني بيشت, و ايليس مارساليس . الحديث عن هذة المدينة لا ينتهي و لا يقف الى هذا الحد فهنالك الكثير و الكثير ليتكشف و ليبتهج له السائح والزائر من بارات و حدائق ومأكولات بحرية طازجة من نهر المسيسيبي، حيث ما زال يعتاش البعض من هذة المهنه التي ميزت هذة المدينة بطبيعة اكلاتها الشهية للقادمين ، فهو خليط من اكلات فرنسية، اسبانية، افريقية، ومن اشهرها الجامبو، جامبلايا، البو بوي، ولا تنسى ان تاخذ قهوتك في كافييه دي موند مع قطع البانييه الفرنسية . لتكتمل رحلتك.

كيف لي ان انسى احتفال المارتي غرا هذا الاحتفال او الكارنفال الذي قدم من فرنسا الى نيواورلينز من قبل المكتشف الفرنسي Iberville عندما اكتشف نهر المسيسيبي من خليج المكسيك , حيث اعتادوا الاحتفال به في فرنسا كعيد رسمي في 3 مارس، والعديد يرى ان المارتي غرا يعود الى العادات القبلية القديمة من الخصوبة التي ترحب بقدموها في الربيع .

كان أول موكب للمارتي غرا في القرن ال 19 , يتكون من أصحاب الاقنعة الذين مشوا سيرا على اقدامهم و لكن سلوكهم العنيف أدى الى وضع حد له من قبل الصحافة التي اعترضت عليه , اخترعت طريقة اخرى لتجميل الاحتفال و اثبات أنه يمكن الاحتفال به بشكل آمن و بالتالي بقي مستمرا، و يحتفل به في نفس الوقت في كل عام و يأتي الزوار الى المدينة من كل العالم ولكنه برز في عام 1980 حيث اهتمت وسائل الاعلام الخارجية مثل اليابانية و الاوروبية في نقله عبر التصوير كحدث مهم ، و ايضا له فوائدة في زيادة الدخل للولاية حيث يزيد عدد السياح و تزيد السياحة معها .

و إذا تابعت جولتك حتى المساء ستلاحظ تغير الاجواء و تغير المناخ , حيث البارات تصبح صاخبة و المحلات كلها مضيئة والبعض يرتدي ملابس انيقة لعشاء جماعي مع الاصدقاء او الزملاء بعد يوم طويل من العمل يتجهون لاحتساء المشروبات وبانتظارهم ليل طويل يفيض بالبهجة …! * كاتبة أردنية تعيش في أميركا

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة