مخيم اليرموك: غيري جنى وأنا المعذب فيكم؟!!

 

التصنيف : اراء حرة (:::)

طلال قديح * – السعودية (::::)

أن تصل الأمور في سوريا ومخيم اليرموك إلى هذا الحد المأساوي، الذي يشيب لهوله الولدان، وتتقطع له النفوس حسرات، وتنفطر له حتى قلوب القساة..أمر لم يكن ليتخيله أحد أو يخطر على البال! .. كانت سوريا بما فيها اليرموك، ساحة أمن وأمان وواحة طمأنينة وسلام ، يؤمها الناس من كل حدب وصوب ليجدوا ما يحبون في أسواقها ومنتجعاتها السياحية في السهول والجبال وعلى شاطئ البحر.

ومخيم اليرموك، عاصمة الشتات ، ظل له طابعه الخاص وسماته الفريدة التي تميز بها عن غيره من المخيمات الفلسطينية.. فهو أولا له موقعه الخاص في قلب دمشق الفيحاء مما أكسبه ميزات كثيرة جعلته مقصداً لكل سكان العاصمة بل ومعهم الكثير من كل المدن والقرى.. إن سوق مخيم اليرموك إحدى أهم أسواق دمشق المعروفة يقصدها الناس  في كل الأوقات للتسوق بأسعار تناسب الكل.

وهنا لا بد من كلمة حق ، فقد ظل الفلسططينيون في سوريا ينفردون بخصائص لم تتوافر لإخوانهم في كل مخيمات الشتات.. الفلسطيني يتمتع بكل ما للمواطن السوري من حقوق وواجبات في كل الميادين الخاصة والعامة مما منحه مساحة واسعة للحركة بلا حدود  ، والحرية في التعليم والعمل بلا قيود ، مما شجعهم على الإبداع والعطاء في كل المجالات.

أما الآن بعد هذه العواصف الهوجاء التي اجتاحت الشام ، وقلبت الحياة فيه رأساً على عقب، فقد تحول الهدوء إلى ضجيج وصخب ، والرخاء إلى شقاء، والسعادة إلى شقاء ، والأمن والسلام إلى فوضى وقتال ودماء.

الوضع جد خطير وينذر بشر مستطير.. فقد توافد على الشام كل من أراد به وبالأمة العربية شراً ، لينفذوا مؤامراتم ويحققوا طموحاتهم في النيل من العروبة الشماء بدءاً من الشام الحبيبة شامة العزة والوفاء.

إن الوضع المؤلم الذي يقاسيه مخيم اليرموك يدمي القلوب ويبكي العيون..صرخات الأطفال الجياع وبكاء الأمهات ودموع الآباء .. فقد نفد الزاد  وازداد الحصار .. وامتلأ المخيم بالجرحى والمصابين الذين يصرخون ولا مجيب ! تحول المخيم إلى ساحة للقتال وميدان لتصفية الحسابات بين المتقاتلين الذين جاؤوا من كل بقاع الدنيا.. هم يتقاتلون ويفجرون والثمن يدفعه الأبرياء من الأطفال والرجال والنساء ممن لا ناقة لهم ولا جمل ! إلا أنهم فلسطينيون ، متمسكون بهويتهم وحق العودة الثابت،  الذي تؤيده قرارات الأمم التحدة.

يبدو أن المؤامرة ذات أبعاد وأخطر مما يبدو على السطح..فالأعداء يخططون وينفذون وفق أجندات تخدم مصالحهم الخاصة والوصول بأحلامهم إلى واقع مفروض. إنهم وجدوا في هذه الحال وهذه الفوضى التي تعصف بكثير من البلاد العربية فرصة لا تعوض لنفث سمومهم والنيل من هذه الأمة بتفتيتها وتقسيمها إكما كانتلى كيانات ضعيفة لا حول لها ولا طول. حتى لم تعد فلسطين القضية المركزية كما كانت على الدوام، وهنا وجد الأعداء الفرصة سانحة للكيد والإفساد بكل الوسائل الممكنة.    وعوداً على بدء ، فإن مخيم اليرموك يستغيث ويستصرخ كل أصحاب الهمم والنخوة من العرب أن يهبوا لنجدته ، ويهرعوا لمساعدته..إن رؤية الأطفال المتضورين جوعاً وهم يأكلون الأعشاب، ويصرخون: أنا جوعان..أنا جوعان !! أمر لا يحتمل.. إن وسائل الإعلام كلها تبث مناظر للدمار الذي أصاب اليرموك ولصرخات الأمهات الثكالى مما يملأ النفوس أسى وحسرة وحزناً. وتزداد المعاناة ويتضاعف الألم مع الحيلولة دون وصول المواد الإغاثية للمخيم وعدم فتح الباب أمام الإسعاف لنقل المصابين إلى المشافي خارج  المخيم للعلاج .

تنادى الفلسطينيون في كل أماكن تواجدهم لتلبية نداء ” أغيثوا مخيم اليرموك”  فتوافدوا على قوافل الإغاثة ليقدموا كل ما يستطيعون من معونات تنتشل إخوانهم في اليرموك من مأساتهم وتبعد عنهم الأخطار المحدقة بهم. إنها النخوة التي عرف بها الفلسطينيون دوماً، فهم متضامنون في السراء والضراء، لا يترددون في البذل والعطاء.    وسيّرت الحكومة الفلسطينية قوافل الإغاثة محملة بالدواء والغذاء ، وعلى الرغم من كل العراقيل ، تمكنت من إخلاء عدد من المرضى ، وتوزيع الطرود الغذائية على السكان ، في ظاهرة تبرز المعدن الفلسطيني الأصيل.

إن مخيم اليرموك يدفع الثمن غالياً لذنب جناه غيره،ولمعركة ظالمة يدير رحاها من لا يخافون الله ، ضد كل من لا يوافق أهواءهم ويخدم مخططاتهم.. ولسان حال  المخيم، يردد بحرقة وألم:

غيرى جنى وأنا المعذب فيكم  فكأنني سبّابة المتندّم

وأمام هذه الكارثة ، فإن الفلسطينيين حيثما وجدوا ومعهم العرب كلهم ، عليهم أن يقوموا بواجبهم تجاه إخوانهم، ويضطلعوا بمسؤوليتهم على أكمل وجه وبما عرفناه عنهم من مروءة وكرم.إن كل يوم يشهد مزيدا من الضحايا، فلا مجال للتسويف أو التأجيل أو الانتظار..

ندعو الله أن يفرّج الكرب ويزيل الغمة لتعود الشام كلها دار أمن وسلام ويطهرها من  رجس كل العصاة البغاة العتاة. وأن يستعيد مخيم اليرموك مكانته المميزة.. إنه نعم المولى ونعم النصير.

•كاتب ومفكر عربي.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة