الفلمُ الامريكي …يــدُ الله

 

التصنيف : فن وثقافة (:::)

هاتف بشبوش – الدنمارك (:::)

يد الله , لها الكثير من التفاسير لدى رجال الدين , يد الله لدى رئيس هيئة علماء المسلمين في العالم يوسف القرضاوي , هي أمريكا , حيث يقول يوسف القرضاوي ,أنّ أمريكا هي يد الله في الارض والتي سوف تضرب قوات النصيري الكافر بشار الاسد وتخلّصنا من شروره . يد الله كما زعم الكثير من رجال الدين في العراق هي أمريكا أيضا , حينما شنّت هجومها على صدام  بصواريخها وألقت حممها البركانية وقنابلها التي أحرقت الحرث والنسل , ولازال العراق يدفع ثمن هذه اليد المتمثلة بأمريكا , والى اليوم يسيل الدم العراقي وبشكل لم يشهده التأريخ على مر العصور . لاأدري لمَ تكون يد الله متمثلة بدولة  كي تخلّصنا من الشرور الكامن في هذا الكون الفوضوي , لمّ لم تكن مثمثلة بسويسرا على سبيل المثال .

هذه الجدلية تجعلني أفكر بمقولة الكاتب والروائي البريطاني الشهير جورج أوريل ( لاأدري لماذا الاشرار أقوياء , والاخيار ضعفاء) . يد الله موضوعة بحثنا هي عنوان فيلم أمريكي من تمثيل ( Bill Paxton  Mathew Maconaughey ,  Powers Both ,) وهو من أفلام الجريمة والدراما , إنتاج 2013 ,  الفلم يصوّر لنا مدى جريمة الأديان وإيغالها في القتل على طريقة الارهاب الديني الذي نراه اليوم في شعوبنا العربية ,  يتناول الفلم قصة رجلٍ توفت إمرأته وظلّ يعيش مع أبنيه الاثنين , أحدهما في العاشرة ( فينتون) والآخر في السابعة ( آدم), الأب هو صاحب ورشة لتصليح السيارات ,  تأتيه موجة من الخيالات والسَرحان والارهاصات والشرود الذهني الى رؤيا الله , فتجعله يرتعش كما إرتعاشة الاولياء التي نقرأ عنها , هذه الموجات هي عبارة عن مس من الجنون والخّبل , فتظهر له أثناء البرق والرعد مثلا , ومع كل ومضة ٍوسنا نراه يرتعش و يتصور أنّ الله يتجلّى اليه من خلالها , يتصور أن هذه اللحظات هي مخصصة له كي يلتقي مع الخالق والملائكة , فيزداد إيمانه يوما بعد يوم بهذه الموجات الجنونية التي تأتيه بين الفينة والاخرى . في يوم وهو منطرح أسفل السيارة لغرض تصليحها , يرى صورة المسيح تتجلّى له على هيئة نور كثيف وشعاع شمسي يسطعُ في ناظريه وكأنه قادمُّ من السماء  .

يبدأ في الكلام مع نفسه عن سر هذا الشعاع والمسيح الذي يتجلّى له على هيئة نور كثيف , والسماء والملائكة المجنحة التي تراوده في فترات متقطعة , وكلها تتكرر حسب تكرار موجات الجنون العقلية . ثم تتطور هذه الخيالات الجنونية , فتجعلهُ يسمع نداء من الرب يأمرهُ أنْ يقوم بنشر دعوته هذه كما الأنبياء والرسل الآخرين . تزداد حالته النفسية ِ من سئٍ الى أسوأ ,  وتؤدي به موجات الخَبل , الى رغبة متعطشة للقتل والبطش بالآخرين , الذين هم حسب رأيه يجب أنْ يُقتلوا بأوامر من الله الذي يأتيه في الحلم والخيال واليقظة , ويأمرهُ بتأدية الواجب في قتل هؤلاء الناس والتخلص منهم فهم لايستحقون الحياة , هم كافرون و فاسقون .

يبدأ الأب في التفكير بنشر دعوته هذه  فقد نزل عليه هو الاخر هذا التصريح الذي أوكلهُ الرب اليه , في نشر دعوته هذه بين المقربين اليه وأولهم أبناءه . ثم يبدأ بعد ذلك في التفكير والتخطيط لقتل الناس الكفار بأمر من الله كما تحدثه نفسهُ المريضة. يبدأ بوضع قائمة من الاسماء الذين يحقد عليهم لسبب ما, لغرض قتلهم , ثم يقوم بالجهر برسالته التي أوكلهُ الله بها فورا , لأنّ الامر لم يعد قابلاً للتأجيل , وإلاّ سوف ينال عقاب الرب وغضبه.

يقوم بنشر نبوءته ودعوته هذه بين أبنائه ( فينتون وآدم) . وفي البيت يتكلّم معهم عن الله , وقدرته, وكيف أنّ الله لايحب الشياطين في الارض لأنهم عاثوا بها فسادا , ويستمر في تعليمهم بهذه المفاهيم لعدة أيام وهم صغار  يستطيعون إستساغة الامر وتصديقه بسهولة فائقة , وخصوصا أنّ الامر قادم من أبيهم الأعز على قلوبهم . يصيبُ الاطفال الذعر من بعض القصص التي يرويها لهم , حتى يراودهم الذعر هذا في أحلامهم بين الفينة والاخرى , وفي يوم يفز الطفل الصغير( آدم) من نومه وهو يصرخ ويقول لقد رأيت الله يأ ابي , رأيتُ الله , رأيتُ الله , فيأخذه أبوه الى حضنه ويقول له , أنتَ ولد صالح يابني ولقد رضي الله عنك .

في يوم يقول الأب لأبنائه , توجبَ علينا نحن الثلاثة أنْ نقوم بما أمرنا الله به , حيث أنّ الله أرسل له قائمة من الناس الشياطين لقتلهم وبدون أي تأخير , وفي حالة عدم قتل هؤلاء  سوف تحل علينا اللعنة نحنُ الثلاثة . الطفل الكبير( فينتون) يبدأ بالشك في ما يقولهُ أبوه ,  ويقول لأبيه انت يأ ابي قد جننت , لكن أباه يقول له أنتَ ولد عاق وسوف لن يرضى الله عنك, وسوف تنزل عليك لعنته , بينما الطفل الصغير( آدم) يؤيد أباه نوعا ما فيما يقوله , خوفا منه تارة , وتارة كما يقولون  ( التعلم في الصغر كالنقش على الحجر) .

تبدأ سلسلة الجرائم التي يرتكبها الأب بمساعدة أبنائه , الذين كانوا مرغمين على ذلك خوفا من أبيهم.أول ضحاياه موظف بسيط كان الأب يحمل ضغينة له  , وكانت أداة الجريمة بلطة نزلتْ على رأس الضحية فأردته قتيلا في الحال . يضعونه في السيارة ويأخذونه الى مقبرة خاصة لدفن الشياطين كما يزعم الأب , يأمر إبنيه أن يحفرا حفرة لدفن الشيطان ( الضحية), الطفل الكبير (فينتون) يصاب بالهستيرية , فيتذمر  , ويمتنع عن الحفر ,  يصرخ بوجه أبيه ويقول له , يتوجب عليك أنْ تجد طبيبا نفسيا لمعالجتك , فأنتَ مجنون ياأبي, مجنون , مجنوووووووون . لكنّ الطفل الصغير آدم يقول لأخيه الكبير ( لقد صليتُ من أجلك , لانك لاتؤمن بالرب ) , الأب يثني على ولده الصغير , ويناكف ولده الكبير , ويصلّي من أجله , لعل الله يهديه الى طريق الصواب .

تستمر سلسلة الجرائم بحق الناس الابرياء , كلهم ضحية رجل مجنون يدّعي أنه وكيل الله في الارض وجبَ عليه التخلّص منهم لكونهم شياطين  .

في يوم بينما الأب يأمر أبنه الكبير في حفر الحفرة لدفن أحد ضحاياه , يتمرد الطفل ( فينتون) , صارخاً بوجه أبيه , بعد إن ضاق ذرعاً بجنونه وأفعاله ( لقد كرهتُ الله , كرهتُ الله , وإذا كان الله هو هذا الذي يأمرنا بالقتل بهذه االطريقة البشعة , فأنا أحتقره , أنا لاأؤمن به , أنه هو الشرير , هو القاتل , أنا لا أحبه , لاأحبه ).   يغضب الأب على أبنه , وأوشك على أن يقتله, لأنهُ أصبح في نظره من أحد الشياطين الذين يتوجب قتلهم بأمر الرب , حتى أبنه لم يسلم من جنون نبوءته هذه . يهرب الطفل( فينتون) ,صارخاً بوجه أبيه (أيّ رب هذا الذي يأمر الآباء لقتل أبنائهم  )

. يذهب الطفل الى البوليس , ويخبرهم عن جنون أبيه وجرائمه, وعن قصة الرب ومقبرة الشياطين وعدد الضحايا الذين قتلهم  , لكن رجال البوليس يستخفون به لكونه طفلا , ربما يتكلم من نسج خياله , يصر الطفل على أقواله ,  يذهبُ رجل البوليس معه لكي يرى مايدعيه الطفل عن وجود هذه الجرائم والمقبرة التي يدفنون بها الضحايا . يلتقي رجل البوليس بالأب ويشرح له ماقاله إبنه , فينكر الأب كل هذه الافعال , لكن الطفل يسحب الشرطي ويريه أحد القبور التي حفروها تواً , فيتأكد الشرطي بأن الذي يقوله الطفل , حقيقة لاغبار عليها . الأب يجد نفسه وقد إنفضح أمره , فتأتيه موجة من الصاعقة الجنونية التي تجعله يرتعش مثل إرتعاشة الاولياء وهم في حالة الاتصال الفجائية بالرب , كما تصورها لنا الاساطير والخرافات . وفي غفلة من الشرطي يسحب الأب صيخا حديديا يسقطه على رأس الشرطي فينزل عليه كالصاعقة ويرديه قتيلاً. يأمر أبناءه بدفن الشرطي مع الضحايا الآخرين , وأثناء دفن الشرطي , الطفل الكبير يضيق صبراً بأبيه , فيقوم بسحب البندقية ويقتل الاب على مضضٍ , وفي مشهدٍ مثير لللشفقة والتشفي في نفس الوقت , فيتخلّص منه ومن شروره ويخلّص الناس من جرائمه .

يبقى الطفلان حتى يكبرا , الطفل الكبير( فينتون) يظهر في مشهد من الفلم , شاب يافع يحب الموسيقى والغناء , شاب ترفُّ , ناعمُّ , يحب الناس جميعها . بينما الطفل الصغير ( آدم)  مجرم محترف قاتل , وأول من يقتلهم أخاه الكبير ( فينتون) , يقتله لأنه في نظرهِ ولد عاق , فاسق , وكان يفكر كيف أنّ والده لم يقتله كضحية للرب , مثلما أهدى نبي الله ابراهيم إبنه أسحق قرباناً للرب وتلك القصة المعروفة في الأديان السماوية , فيقتل أخاه الكبير بدمٍ بارد , لأنّ الله قد أمره بذلك . يستمر الفلم ليظهر لنا الطفل الصغير الذي كبر وهو في عمر الثلاثين , مجرماً قاتلاً , يظهر وكأنه قد ورثَ أبيه , ليكمل الرسالة في قتل الشياطين , وأنه مأمور من قبل الرب وأنه الولي وعليه تطهير الأرض من الشياطين الذين لايريدهم الله , أنه مجنون بالوراثة كما هو حال أبيه .

أنّ ما اراده صانعوا الفلم الرهيب , هو إيصال فكرة , كيف يكون القتل على أيدي رجال الدين , والأوصياء ووكلاء الرب في الارض , وعلى شاكلة التطهير العرقي (الجينوسايد ) الذي يحصل اليوم في جميع البلدان الاسلامية دون إستثناء , على أعتبار أنّ من يقتلونهم هم من الكفار والمرتدين وما شاكل ذلك. كما وأنّ الفلم يريد إيصال رسالة ثانية مفادها, أنّ الأولياء والأوصياء هم جميعهم مصابون بالامراض النفسية والعقلية ويتوجب علاجهم.

وفي لقطة أخيرة من الفلم , يظهر لنا ( آدم) الطفل الصغير الذي كبر , يظهر لنا وهو مدير قسم شرطة لوس أنجلوس ,وكأن الرب أوكل له مهمة القانون في التخلص من المجرمين , يَظهر لنا كما المجانين الذين يدعون العقل , بوجهٍ مريض نفسيا , حاله حال القتلة الذين نراهم اليوم على الشاشات العربية , الذين ينحرون ضحاياهم بالسيف وهم يكبرون , الله اكبر , الله اكبر , وينتهي الفلم بظهوره على الشاشة بوجه يجمع بين الملائكة والذئاب , يظهر متبركاً بالرب وهو يمسح بخرقةٍ آثار الدماء من كفيه عن جريمة أخرى ٍإرتكبها تواً وهو يردد ويقول ,,إرادة الله تم خدمتها  , إرادة الله تم خدمتها.

 

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة