الديموقراطية:بين إيديولوجية الخوف و مجتمعات الرعب(3)

 

التصنيف : دراسات (:::)

الطيب بيتي العلوي – باريس (:::::)

إياكم والخصومة في الدين، فإنها تحدث الخوف والشك ،وتورث  الفرقة والنفاق”الإمام جعفرالصادق –

مقدمة توضيحية:

فلسفة الخوف في المجتمعات الإنسانية المتنوعة :

المجتمعات البشرية ليست مجرد نسيج إجتماعي  لمجموعة أفراد ،تنسجه  أواصر العرق الواحد ،أو الثقافة الموحِدة و المصير الواحد و المصالح  المشتركة  ،-كما يعرفها  بعض السوسيولوجيون المعاصرون -، بل إن المجتمعات –في  شكلها التقليدي المتمثل في كل الحضارات العتيقة الحية – تجمعها لحمة القيم  الحية العميقة ،والأمنيات  المشتركة، وتقاسم الآمال  السارة والعواطف المكدرة ،والمواساة عند منغصات الوجود ،والإستنفار الجماعي  لمواجهة المخاطرالطارئة المهددة  لتصدع لأعراف المتواترة  الضاربة جذورها في التربة والتاريخ –وهو ما تفتقره المجتمعات العصرية التي تغلب عليها “القيم المادية” ،والنزعات الفردية، والتقلب العاطفي والوجداني، والتقوقع على الذات ،والتركيز على الأنا  والدوران حولها، وعلى الباقين العفاء ، مما يجعل  المجتعات المعاصرة  أكثر هشاشة ،و عرضة  للهزات النفسية  والشروخات الإجتماعية، والتفكك الأسروي والتفسخ  الخلقي والإنحطاط الروحي –مهما” تمكننت ” تلكم  المجتمعات  العصرية ،أو”ترفهت”و”تحضرت”

وتكاد تجمع  الدراسات السوسيولوجية المعاصرة المتخصصة في أنثروبولوجية الحضارات المقارنة،   على ان الخوف هو  الإسمنت الجامع والمقوي للحمة الإجتماعية ،بالرغم من أن إفلاطون – أحد مؤسسي  بناء  الحضارة الغربية – أكد  في “جمهوريته” على أن الخوف رذيلة  مقوضة لأسس”الجمهورية” –أو المدينة الفاضلة- بحيث عد  النساء والأطفال والحمقى والعجزة وذوي العاهات  في عداد الضعفاء والمنبوذين ـوخصهم ب”رذيلتي  الخوف والضعف ” اللتان لا تليقان ب”رجال المدينة” الذين من أهم صفاتهم :الشجاعة وإحتقارالضعف ونبذ  الضعفاء ،حيث دعا الي التشديد على تلقين التربية الجسدية المؤدية –في نظره – الى ترقية “الروح  ” وتقوية الجسم –إلى جانب الموسيقى العسكرية العنيفة،بغية  نشوء “المجتمع الكامل” (فتحولت  نظرية “العقل السليم في الجسم السليم ” الإغريقية  إلى  “عبادة الجسم” وتأليه المادة   واللذة ،وإحتقار الروح  في الحضاة الأمريكية ‘le Culte du Corp). كنموذج أعلى “للحداثة الغربية” )،وهو المذهب الفلسفي الملهم لإبتداع نظرية “الإنسان السوبيرمان” “لفريديريك نتشه” ،المؤصلة  بدورها للنظريات العرقية والفاشية والنازية ،وحركة “هرتزل الصهيونية”  التي تنامت كنظريات عنصرية –في المجتمعات “الديموقراطية ” بعيد الحرب العالمية الأولى  –وهذا موضوع تفصيلي ليس هنا مجاله-

غيرأن”النيو-هيغليين” –وخاصة من الوجوديين الذين زعزعت بربريات الحروب”الديموقراطية الأروبية ،وفظاعات نغازاكي وهيروشيما  يقينياتهم “الهيغلية-الكلاسيكية” من أمثال:” هيدغر”،”سارتر” ،”ماركوز”وكولن ويلسون،وغيرهم  ،الذين إعتبرو “الخوف” ضرورة للحفاظ على “الصحة النفسية الجماعية ” للمجتمعات من أجل التخلص من “القلق” و طرد “السأم ” تجنبا “للسقوط” المؤدي الى تدهور الحضارات

بينما فصل القرآن بدقة ما بين “الخوف” و”القلق” و”الرهبة” والرعب” فإعتبر القرآن “الخوف ” ضرورة ملازمة  للترقي في مقامات اليقين والإيمان،فكان بذلك  إبتلاء للمؤمنين، لكي لا يركنوا الى الدعة والبطالة الروحية  والتثاقل إلى الارض، وعدم الإطمئنان إلى دوام نعيم الدنيا،بعدم التكالب على السرف والتهالك على الترف،  فقرن القرآن  الخوف  بالرجاء –وعدهما من مقامات الإيمان العليا ،تناولها  المتصوفة من أهل السنة  ورجال العرفان  عند الشيعة بمصطلحات : “الجلال” و”الجمال”او “البسط والقبض” التي فصل فيها هؤلاء بدقة متناهية في مطارحاتهم  لصبرأغوار  النفس الإنسانية (علوم الأحوال والمقامات)  التي تناولت أسرارالمعاريج الروحية بتحليلاتهم لتلونات النفس وتقلباتها(من النفس الأمارة إلى النفس اللوامة وصولا الى النفس المطمئنة)  ، وشخَصوا ضعف الإنسان-بفطرته-  في مواجهة ألاعيب تخنسات الوساويس الشيطانية المتسترة خلف الف حجاب وحجاب –كما وصفها  كبار المتصوفة- تقزم أمام ذلك التراث الإنساني الروحي العالمي  “علم النفس التحليلي” الفرويدي ،تلخصه لنا هذه الآية الكريمة:

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة: 155/ 156 /157

إديولوجية” الخوف” في المجتمعات المعاصرة:

-لقد تحول “الخوف ” الميتافزيقي- بمعناه  الفلسفي الغربي-  في الحضارة المعاصرة –الى خوف وجودي بمعناه السارتري، ليصبح خوفا “باطولوجيا مرضيا كونيا ، يتهدد الإنسان المعاصر ، فيطال الوجود الإنساني ليشمل السياسة والإقتصاد والإجتماع والثقافة ،حتى أصبح الرعب تلك  السمة المميزة في  لغة العلاقات الدولية : فمن الرعب من الطبيعة وتصاعد التخوف من  مآسيها  بعد فشل السيطرة عليها( العجز العلمي في محاصرة  ظواهر عنف “التسوناميات” في آسيا وأمريكاوالعجز عن كيفية مواجهتها عند حدوثها)  –عكس ما إدعته النظريات “العلموية ” المتغطرسة في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين –

و تحول معنى” المستقبل ” -في علم السوسيولوجيا السياسية-،وعلم المستقبليات- منذ بداية السبعينات- إلى التشكيك في مستقبل البشرية ،وسيطرت لفظة”الرعب” على كل الرهانات المستقبلية للإنسانية ،فطغت مفردات “الفوبيات” على اللغة السياسية والإقتصادية :

فمن  التخوف من الشيوعي الروسي الستاليني و الشيوعي الماوي- منذ نهاية الحرب العالمية الثانية-إلى التخوف من  صعود ” يابان ما بعد نغازاكي وهيروشيما” في بداية الستينات والسبعينات ،ثم الإرتعاب من التنامي الإقتصادي “للنمور الأسوية لجنوب شرق آسيا،والتخوف من النووي الكوري، ثم الإرتعاب من  هيمنة  إقتصاد التنين الصيني، ولم يتحدث  الغرب “الحضاري الديموقراطي”  أو من يدور في فلكه من الأنظمة العربية  السايسكوبية عن خطورة النووي الإسرائيلي على شعوب المنطقة ومستقبل أبنائها

ثم تزايد “الخوف” من المجهول القادم من وراء “الأسوار المدينية الرومانية”  حتى بعد التخلص من ” البعبع السوفياتي” بعد نهاية الحرب الباردة  ، فإختلق الغرب من جديد –إستمرارا في دعم “إيديولوجية الخوف”  في المجتمعت الغربية المعاصرة ،-أطروحات “الإسلاموفوبيا”، وخطر الإرهاب الإسلامي،والتهديد الجديد لزحف جحافل الهمج الجدد القادمين من “الجنوب”  الذين سيقوضون أسوار “أثينا الجديدة” –أوروبا لغربية- و “روما الجديدة” –الولايات المتحدة ،و”أرشاليم الجديدة” –إسرائيل—حسب تعبير”هنري كيسينغر” ،و التخوف من ثورة “الخميني” وظلامية “الملالي” الساعين لإمتلاك  النووي المهدد للأمن الإسرائيلي والخليجي و الدولي عبر المد الشيعي “الصفوي”،والإنبعث الفارسي، وتطول  لائحة التخوفات الباطولوجية  المفبركة ،لتشمل الإرتعابات  من الحروب الصغرى  الإقليمية المحتملة ما بين دول مجاورة لبعضها –في كل من آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ودول عربية ،أو المواجهات الكبرى القادمة بسبب عدم تصفية المشاكل المعلقة ما بين الدول العظمى المتصارعة على الهيمنة (امريكا وحلفاؤها –الصين روسيا وحلفائهما)،بالإضافة إلى التخوف من تعاظم المجاعات، وتفشي الأوبئة  وتزايد إكتظاظ اللحوم البشرية صبيحة كل يوم في الدول المفقرة  والمجوعة المقهورة…، ووصل “الرعب” إلى مداه مع قدوم الربيع العربي الذي أوصل العالم الى التهديد بحرب نووية شاملة حتى عشية  إجتماع  قمة العشرين بمدينة “بيترسورغ” ما بين روسيا والصين ضد “الناتو” ….

ثم تتطل البشرية على عام 2014، لتزداد “المخاوف” من كل المعضلات الإقليمية والدولية المعلقة  التي لم يتم إيجاد حلول لها منذ حرب الخليج الثانية، لعدم إيجاد أي مغزى أو تفسير “عقلاني” حتى  الآن لمعنى  وأبعاد “نظامي العالم الجديد ،والنظام الإقتصادي الجديد”  المسوغين للهجوم على العراق، وإحتلال أفغانستان، والصمت على تدمير لبنان ومحرقة غزة،ذلكما النظامان  اللذان حملا معهما  المزيد من مشاريع الحروب ،والأزمات المالية وإختفاء أبناك عريقة

وعربيا ،ما يزال كابوس  المعضلة السورية يثير المخاوف على المستويين :الإقليمي والدولي-حيث أن أطرافا عربية ( بعضها خليجية)  وإقليمية(تركيا وإسرائيل) وغربية (فرنسا-بريطانيا- الولايات المتحدة) تسعى  لإعادة بلاد الشام (سوريا ولبنان) إلى العصر الحجري عبرهمجيات الجماعات التكفيرية ،وتسميد ميكروبية  الفتن اللبنانية  الداخلية الجديدة المستعصية، والفتن العراقية اللامحدودة ،والنووي الإيراني، وخطورة ردرد أفعال روسياالصارمة على الإستفزاز الغربي عبر “الغباء السياسي” السعودي  اللذان  يخططان للعبث  داخل صحن  الحضارة القيصرية العتيقة و تهديد أمنها،والحرب الخفية السرية في المنطقة ما بين فرنسا والولايات المتحدة بغية إستفراد الفرنسيين  ب”الكعكة الخليجية”حيث أصيب “فرانسوا هولاند ” –بدوره- بلوثة “عقدة أمجاد  البونابارتية ” القديمة في العالم العربي(من الجزائر ومصر الى بيت المقدس) –مثل عديله “ساركوزي” ، والتهديدات المتواصلة للإسرائليين للهجوم على إيران و لبنان. والمستنقع المصري الذي يزداد مع مرور الأيام أُسونا،  حيث  تعبث في أرض الكنانة كل قوى الشر الداخلية والخارجية بغية تفتيت مصر لتقدميها على طبق من ذهب للإمبراطورية العبرانية القادمة لما بعد الربيع العربي، وذلك هو الحلم اليهودي القديم منذ  آلاف السنين …..

للبحث صلة

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة