ثوابت فلسطينية متناقصة !

 

التصنيف : سياسة واخبار (:::)

د. عادل محمد عايش الأسطل – فلسطين المحتلة (:::)

عقدين كاملين انقضيا على اتفاق أوسلو الذي تم عقده بين الفلسطينيين والإسرائيليين في سبيل حل القضية الفلسطينية وإنهاء حالة الصراع الدائرة بينهما، وبهذه المناسبة فإن الفلسطينيين مدعوون بعد هذه المدّة، إلى القيام بجرد حساب وإعداد ميزان المراجعة المتعلق بمآلات القضية الفلسطينية وحتى هذه الساعة، بما فيها جولة وزير الخارجية الأمريكي “جون كيري” الأخيرة، والتطورات الإسرائيلية التي رافقتها والتي أعقبتها كذلك. فكل دولة أو مؤسسة رسمية وأهلية تلجأ إلى ذلك الفعل، بهدف معرفة نتيجة النشاط الذي تقوم به، وفيما إذا كانت هناك أرباح.

وكما في كل بداية فالكل الفلسطيني مُطالب بفحصٍ شاملٍ للشرائط المتعلقة بمفاوضة الإسرائيليين – منذ القدم- حيث شهدنا خلالها أقساماً من المتاعب وألواناً من المعاناة والعذاب، بسبب أنها كانت تُختتم في كل مرة، بخاتمة غير جيّدة. وحتى المرة الوحيدة التي عزفنا فيها ألحاناً وطنية، كانت بسبب صمود الرئيس الفلسطيني الراحل “أبوعمار” في العام 2000، أمام الضغوطات الأمريكية والإسرائيلية، التي كانت تستهدف توقيعه على اتفاق منقوص، ولم يكن انتصاراً بالواقع المادي. وعلى الرغم من الأسف الشديد، كنّا نطلب العوض من ربنا فيما فات، ونتمنى على ربنا أن يبدلنا خيراً في الجولات القادمة.

أيضاً وفي كل مرة، كانت تتبدل الأمكنة التفاوضيّة وتتبدل البروتوكولات الخاصة بها، والوجوه المشاركة والراعية لها، وفي كل مرّة كانت إسرائيل تغيّر من أجندتها ومتعلقاتها، لتأخذ مساقات مختلفة وأشكالاً جديدة ومعقدة، لم تكن متواجدة منذ البداية، على الرغم من أن كل ما ورد، كان تحت عنوان واحد، وهو(دولة فلسطينية وأمن إسرائيلي) وهو العنوان الذي لم يتحقق منه شيء حتى اللحظة.

هناك من ادعى بأن الثقة التي من الضروري تواجدها بين المتحاورين هي غير قائمة، وهما ليس باستطاعتهما أو أحدهما، إحلال القليل منها مكان الريبة والتشكك والخوف من الآخر، على الرغم من أن الطرفين يعقلان بدقة، بأنهما ليسا بحاجةٍ إليها، بسبب أنها إذا تواجدت طوعاً أو كرهاً خلال فترةٍ ما، فإنه من غير المحتمل بقائها إلى مدّة أطول. فالجانب الإسرائيلي تعوّد على ألاّ يثق بالإنسان العربي والفلسطيني على وجه الخصوص، حتى على بعد سنمترٍ واحد، بشأن مصير الدولة برمّتها، وتعاظمت لديه خلال السنتين الأخيرتين وعلى نحوٍ أكثر، هواجس مخيفة أخرى، حينما رأى بأم عينه كيف يفترس العرب بعضهم بعضاً حواليه وبدون رحمة أو إنسانية.

وبالمقابل، فإن ما هو مألوفٌ لدى العرب والفلسطينيين بأن الجانب الإسرائيلي ليس موثوقاُ به ولا مأمونةً جوانبه بأي حال، وذلك بالنظر إلى تاريخه الطويل والحافل بأشكال الغدر والخداع والمراوغة، المعتمدة على القوة والغطرسة. لذلك فهُما يعملان ضمن هذا الإطار.

ولا شك فإن إسرائيل وفي شأن تعاملها مع الفلسطينيين، وفي ضوء حالة الانقسام الحاصلة بين فريقي فتح وحماس من جهة، وحالة القلعة الفتحاوية المتصدعة، تعتبر نفسها هي الأقوى وفي المكان الأعلى، وبإمكانها تطويع أطرافاً مهمّة داخل المجتمع الدولي، لإسناد ما يجعلها صاحبة حق في كثيرٍ من القضايا التي تهمّها في حاضرها ومستقبلها، برغم الضرر المحقق الذي سيلحق بالفلسطينيين في التو واللحظة، وخاصةً في شأن مع من يمكن ضمان السلام؟ وفي شأن الترتيبات المتعلقة بالأمن الإسرائيلي الذي ليس له بداية حتى تكون له نهاية. إلى جانب القضية الأعسر، وهي مسألة الاعتراف بيهودية الدولة، فهذه من جملة القضايا التي لن يستطيع أي طرف سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة أن يخبرها بمن يستطيع ضمان السلام المطلوب، أو إرغام إسرائيل أن تجعل حدوداً لأمنها، أو أن تتناسى مسألة الاعتراف بيهوديتها.

منذ ترك آخر قطعة سلاح وبدء المصافحة بأيدي السلام، ذهب الخوف عن إسرائيل، حيث شرعت بتنفس الصعداء بعد امتلاء الصدر بالهواء العفِن، ومن ثم انتفضت إلى تحديد مطالبها والتي تبدو للوهلة الأولى مشروعة لدى المجتمع الغربي على الأقل، ولكنها عندما كانت تقوم بتجزئتها أثناء المفاوضات، كانت تتكشف عيوبها بحيث لا تُطاق ولا تُحتمل من قِبل المفاوض ولا الشعب الفلسطيني، والأصعب عندما يشاهد المجتمع ككل، تصاعدها إلى الأعلى ومن غير كابحٍ لجماحها. فأي شعارات ترويجيّة، وأيّة تكتيكات قيادية الحاصلتان منذ الماضي وفي هذه الفترة أيضاً، ليس معناهما أن الإسرائيليين سيعلنون عن ليونةٍ ما، وحتى في ضوء ضغوط شديدة ومرغّبات غير مسبوقة.

أخبر “كيري” بأن الولايات المتحدة ستقوم بخفض مستوى رعايتها للنزاع الدائر – كتهديدٍ أخير- فيما لو فشلت مهمّه. القيادة الفلسطينية لم تجد ما تواجه به ذلك التهديد، سوى تكرار تلويحها بورقة الذهاب إلى الأمم المتحدة. وبالطبع فإن إسرائيل لم تهتمّ كثيراً، بل قامت بتذكيره بأن حاجة الولايات المتحدة إلى إسرائيل تفوق حاجة إسرائيل إليها، فهي القلعة الأمامية الأكثر استقراراً وقوة في العالم للقوة الأمريكية، بحيث لا يمكن الاستغناء عنها برهة واحدة، ومن ثمّ قامت وبقوة بإغلاق باب الطائرة التي أقلّته، واعتبرت بأنه يجب عليها أن تلعب لعبتها التفاوضيّة، بدون دفع أيّة أثمان محتملة، بسبب أنها لا تؤمن بشيء اسمه سلام، والشعب الإسرائيلي الذي اعتاد على (الدفاع عن وجوده) غير معتاد على الأحلام.

ذهب الخوف عن إسرائيل، ليحل ضيفاً ثقيلاً على كاهل الفلسطينيين وحدهم، إذ كان من الظاهر لدى الكل، بأن القيادة الفلسطينية ستداوم على ثباتها ودون حلحلة يميناً كان أو يساراً، في أنها لن تتخلَ ولا بأي حال عن القدس الشرقية- كتلة واحدة-  خالصة كعاصمة للدولة وبدون تواجد إسرائيلي، ولن تقوم بالتخلي عن حق العودة، أي العودة إلى داخل الخط الأخضر وكلٌ في مكان سكناه. ولن تقوم باستبدال حدود عام  67، المعلومة لدى الكل زماناً ومكاناً، وعن كذا وكذا. لكن كل هذه كانت تشهد تناقصاً كلما مرّ الوقت، بحجة أن هذا هو الممكن على الرغم من إقرارها بأن المرور إلى هذه الحالة لم يكن بمحض إرادتها، بسبب أن هناك تجمّد إسرائيلي وضغوطات أمريكية وأوروبية بالمقابل.

وليس بعد، فالخوف الآن يشتد أكثر من أن تستسلم القيادة خلال المرحلة المقبلة بشأن الاعتراف بدولة إسرائيل باعتبارها دولة يهودية وعاصمتها القدس، وهي النقطة المركزية التي سعى “كيري” جهده للحصول عليها، باعتبارها تزيل عائقاً مهمّاً باتجاه التقدم في العملية السياسية، وهناك مبررات كثيرة يمكنها الاستناد عليها لاحقاً.

كانت في كل مرة تُدفع فيها الولايات المتحدة وخاصةً خلال الفترة الأخيرة كل الطاقات السياسية إلى إسرائيل والقضية الفلسطينية، وتعلن أنها تعتمد على فرض أن تسوية الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، ستجعل العالم العربي مستقراً ونامياً ومتطوراً، وستخلص العالم الغربي من متاعبه، وتُمكن الولايات المتحدة من إعادة بناء نفسها من جديد. لهذا كان “كيري” مصراً على أن يحدث أمر كهذا وإن كان تبعاً للرؤية الإسرائيلية وعلى الحساب الفلسطيني.

على أي حال، فإنه يجدر أخذ الدرس من تجارب الماضي والثبات أمام إسرائيل على نحوٍ (جديد)، كما يجب التوقف عن منازعتها في شأن أن الوقت في مصلحتنا، سواء بالنظر إلى مجموعة الانتقادات الدولية الموجهة إليها، بسبب أنها لن تكون فاعلة بالمطلق، أو بالنسبة إلى إمكانية الانتقال في حال فشلت المفاوضات، إلى خيار الذهاب للأمم المتحدة والهيئات الدولية الأخرى، بسبب أن ليس هناك محاسن وحسب، وإلاّ فما الذي يعيق ذلك؟ ليس منذ الآن، بل من سنين مضت.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة