من تمجيدِ التُّراث إلى تكريسِ التخلُّف وإفراز السلفية التكفيرية

 

التصنيف : دراسات (:::)

علاء الدين الأعرجي – نيويورك (:::)

قد لا أكونُ مُبالِغًا إن قلتُ إنَّني لا أعرفُ أُمَّـةً أَضرَّ بها تُراثِها الحضاريِّ الـمُتميِّز، بقَدرِ ما أَضرَّ بالأُمَّةِ العربيَّة الإسلامية. فقد عانت هذه الأمة وتخلّفَت واندحَرَت، لا بسبب ذلك التُّراث – معاذَ الله، فهو تراث عظيم بدون أدنى شك – بل بسببِ سوءِ فهمها وطريقةِ طَرحِها له وتعاطيها معه.

فنحن ننشأُ على تمجيدِ ذلك التُّراثِ وتعظيمِه منذ نُعومةِ أظفارنا: في البيت وفي المدرسة وفي وسائط الإعلام وفي كتُب التاريخ والأناشيد :(“بغدادُ يا بلدَ الرشيدِ / ومنارةَ المجد التليدِ…. أو “كنتم  خير أمة أخرجت للناس” قرآن كريم ). هذا التشديدُ على التُّراث والاعتزازِ بالأمجاد العظيمة والحضارة الغابرة، لم يُؤَدِّ إلى ما كان يُقصَدُ منه؛ أعني شَحذِ الهمم وحَشدِ الطاقات وبَعثِ القُدرات الكامنة في نفوس الشعب العربيِّ أَو الإسلاميّ، بل أدَّى إلى عَكسِ ذلك تماماً. فقد أسفرَت هذه العمليَّةُ، التي ما برحَت مستمرَّة ومُتزايدة، إما عن إفراز قوى سلفية تكفيرية أو رجعية تسعى لإعادة عجلة التاريخ إلى ما قبل 1400عام ـ  أو عن ركودٍ وهُمودٍ، بل زيادة تخلُّف، بسبب مُقاومة التغيير والتطوير، واجترار الماضي والتقوُّت على فُتاته، والاتِّكاء على أمجاده وآلائه. بينما يتحدَّانا الحاضرُ بكلِّ مُنجَزاته الشامخة وأزماته الخانقة، والمستقبلُ بكلِّ تطلُّعاتِه السامقة واحتمالاته الخطيرة، وربَّما الكارثِـيَّة على الأمَّة العربيَّة والإسلاميَّة. يقول جمال الدين الأفغانيّ: “العربيُّ يُعجَبُ بماضيه وأسلافه، وهو في أشدِّ الغفلة عن حاضرِه ومُستقبلِه”.

ذلك أَنَّ العربَ خاصَّةً والـمـُـسلمين عامَّةً ظلُّوا ينظرون إلى تاريخِهم باعتبارِه نهايةً يقفون عندها، وليس نقاطَ انطلاق، أَي بدايةً تنتظرُ منهم أن يرفعوها إلى بداياتٍ أُخرى جديدة أفضل، بجهدهم وعرَقهم. بعبارةٍ أُخرى، اعتبرنا السلفَ في إنجازاته وسلوكه هو القـُدوة والأمل والمثَل الأعلى. أمَّا نحن، اليوم، فظلالٌ ومُــسوخٌ لذلك السلَف، أي صورة مُــشوَّهة له. وتصوَّرنا أنَّه لن يُمكنَنا أن نُنقذَ هذه الأُمَّة إلاَّ بالعودة إلى الأُصول، والتشبُّه بالسَّلَف الصالح، والنكوص إلى الماضي، نستعيدُه ونُحيـيه من تحت أكوام التراب والركام؛ بينما لم نُــدرِك أنَّ للتاريخ صَيرورة، وللزمن سَيرورة، وللظروف أحكاماً يجب أن تتغيَّرَ بتغيُّرِ التاريخ والزَّمَن، وأن تتطوَّرَ بتطوُّرهما. لذلك فمن العَبث محاولةُ إعادة عجَلةِ التاريخ إلى الخلف. ونتساءل: هل تمكَّنَت أيَّةُ أُمَّة من استعادة حضارتها التليدة على ما كانت عليه؟ الشيءُ الذي حدَثَ بالفِعل أنَّ أُمَّةً مِثلَ اليابان تمكَّنَت من تجديد حضارتها بالتعلُّمِ والاقتباس من الحضارة الغربيَّة، فأتقَـنَت ما اقتبَسَته وتفوَّقت على الأصلِ أَحيانًا ، كما إنَّها احتفظَت بتقاليدها وثقافتها، فنالت احترامَ العالَم، بعلمها وتقدُّمِها، لا بسلاحها، لاسيما بعد الحرب العالميَّة الثانية.

وهكذا فنحن لا ندعو إلى نَبذِ التُّراِث أو تجاهُلِه، بل على العكس نبتغي إنقاذَه من ظُلم أعدائه وجَهلِ أصدقائه، خاصَّةً الذين قتَلوه حُبًّا وتدليلاً. ورحمَ الله القائل: “يفعلُ الجاهلُ بنفسه ما لا يفعله العدوُّ بعدوِّه”.

بعبارةٍ أُخرى، إنَّنا نُحاول إحياءَه، بحكمة وإخلاص، من خلال استثمارِه بتكيـيفِه وتَحيـيِنه لـمُقتضياتِ العصر وضروراتِه، ليــُـصبحَ بمنـزلةِ الغذاء الذي نتـناولهُ؛ يطرحُ جسدُنا منه الطالح، ويحتفظُ بالصالح، ليتحوَّلَ لدى الإنسان السليم والقويم إلى أنسجةٍ عضَليَّةٍ جديدة تُـنتِجُ الطاقةَ الـمُتحفِّزة للعمل والإنتاج، ويتخلّقُ بشكل أنسجةٍ عصبيَّة صالحة لنشاط الفكر الـمُبدِع والعقل الممـيِّز والمتميَّز. فنحن ننظرُ إلى التاريخ الذي يحملُ التراثَ باعتباره يُمثِّلُ مِرقاةً أو سُـلَّمًا، كلُّ دَرَجَة فيها تُـتَمِّمُ ما قبلها، وتسندُ ما بعدها. وهكذا يكـونُ التاريخ، بمجموعه، كيانًا مُتكاملاً تـُـشكِّلُ كلُّ مرحلة فيه تتمَّةً لِما قبلها، ومُــستنَدًا لِما بعدها. وفي الوقت نفسِه تتفاعلُ تلك الأجزاءُ المرحليَّة فيما بينها، لِتُشكِّلَ أجزاء جديدة تختلفُ عن سابقاتها، وقد ترقى عليها غالبًا. بعبارةٍ أُخرى، إنَّ اللاحقَ يتجاوزُ السابق، مع أنَّ السابقَ يظلُّ كامنًا في اللاحق، كبقاء كثيرٍ من صفات الآباء في الأبناء، مع أنَّ الأبناءَ يختلفون عن الآباء، بل يتميَّزون عنهم، ويتفوَّقون عليهم عادةً. ويُمكنُ التعبيرُ عن هذه الحالة أيضًا بالصَّيرورة التاريخيَّة، كعمليَّة ديالكتيكيَّة متواصلة،  يظهرُ فيها صراعُ الأضداد الطبيعيُّ للوصول إلى تركيبةٍ جديدة تتألَّفُ من نتائجِ تفاعُل النقيضَين؛ ثمَّ تُصبحُ هذه التركيبة نقيضًا جديدًا آخَر يُعيدُ الدورةَ الديالكتيكيَّة.  أَمَّا النظرةُ اللاتاريخيَّة، أو السكونيَّة، للتاريخ، الـمُتفشِّية في بعض الأوساط العربيَّة والإسلاميَّة، فقد تعود إلى جذورٍ بَدويَّة: وإذا قيلَ لهم تعالَوا إلى ما أَنزلَ الله وإلى الرسولِ، قالوا حَسْبُنا ما وَجَدنا عليه آباءَنا، ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون؛  ثمَّ إلى جُذورٍ إسلاميَّة يُمكنُ أن ترتبطَ بعصر التدوين، في القرن الثاني للهِجرة، حين تَـمَّ تَقعيدُ اللُغةِ والنَّحْوِ وتدوينُ الحديثِ والسُّنَّة، وظهرَت المذاهبُ الفِقهيَّة العظيمة التي لم تـتجدَّد منذ ذلك الحين، مع أنَّ هناك قاعدةً فِـقهيَّة تقضي بـ” تغيُّرِ الأحكام بتغيُّرِ الأحوال والأزمان.” ويقول الحديثُ الشريف: “إنَّ الله يبعثُ لهذه الأُمَّة، على رأس كلِّ مئةِ سنة، مَن يُجدِّدُ لها دينَها ( أو أمرَ دينِها).”          بل يذهب محمَّد عابِد الجابريُّ إلى أبعدَ كثيًرا من ذلك، حين يـُـشير إلى أنَّنا لا نزال نعيشُ العصرَ الجاهليَّ في ثقافتِنا الحاضرة، فيقول: “هناك، إذن، أشياء كثيرة لم تتغيَّر في الثقافةِ العربيَّة منذ الجاهليَّة إلى اليوم تــُـشكِّل في مجموعها ثوابتَ هذه الثقافة، وتُؤسِّسُ بالتالي بنيةَ العقل الذي ينتمي إليها.”  وبهذه المناسبة، لا بُـــدَّ من الإشارة إلى أَنَّ القِيَمَ البدويَّة ما تزالُ سائدة إلى حدٍّ بعيد في بِـنْيةِ المجتمع العربيّ، وبالتالي في عقله المجتمَعيّ،  وهي تتجلَّى في كثير من العادات والتقاليد والقِيَم، كما تظهرُ، مثلاً، في المحسوبيَّات والانتماءات الفِئَويَّة، وفي ألقاب العائلات التي تعود إلى أسماء قبائلَ معروفة؛ بل إنَّ بعض البلدان العربيَّة  ورموزِها لا تزال تحتفظُ بأسماء العشائر التي تنتمي إليها. لذلك فإنَّ عقليَّة “حَسْـبُنا ما وجَدنا عليه آباءَنا”، ما برحَت مُنتشرة على نطاقٍ واسع.

وإذا عُدنا إلى عُقدة التُّراث المسيطرة على مختلف أفراد المجتمع العربيّ، والذي يشكِّل محورَ حديثنا في هذه الفقرة، فلا بدَّ من أن نستشهدَ بشيخ الفلاسفة العرب الإسلاميِّين الدكتور حسَن حَنَفيّ الذي يقول إنَّ “التراث ما زال حيّاً في قلوب الناس، يُؤَثِّرُ فيهم سَلبًا وإيجابًا. يلجأون إليه في وقت الأزمات، ويحتمون به إذا اشتدَّت بهم عوائدُ الدهر. يسمعونه في أجهزة الإعلام وفي المساجد، ويتربَّون عليه في المدارس وفي الأُسَر. مُطلَقٌ يضعُ لهم معاييرَ السلوك، ويُـحدِّدُ لهم تصوُّراتِهم للعالم، بل إنه أكثر حضورًا من الحاضر نفسه، لأنَّه حضورٌ معنويٌّ وفِعليّ، ذهنيّ ومادِّيّ، عقليّ وحسِّيّ… والتراث ليس تراثًا دينيّا وحَسْب، بل يتداخلُ فيه الدينيُّ والشعبيّ، المقدَّسُ والدُّنيَويّ… الكلُّ يُكوِّنُ مخزونًا نفسيّاً في اللاشعور التاريخيِّ للأُمَّة وفي ذاكرتها الجماعيَّة.”  وأرجو أن يلاحظَ القارئُ قولَه الذي أَبرزتُه بالحرف الأسود.

ويذهبُ جورج طرابيشي إلى أبعدَ كثيرًا من ذلك، فيرى أنَّ التراثَ أصبح يُشكِّلُ عُصابًا neurosis جَماعياً، لا بالنسبة للعامَّة فحَسْب، بل بالنسبة للخاصَّة، وخاصَّة الخاصَّة، بمَن فيهم بعضُ المفكِّرين. ويذكرُ شواهدَ من “الخطاب التُّراثيِّ لنتاج الأنتِلجِنسيا العربيَّة المعاصرة…”، ويُشير إلى دلالات ذلك قائلاً: “بما أنَّ كلَّ نُكوصٍ نحو الماضي يجدُ مُبرِّراتِه ودوافعَه—اللاشعوريَّة في الغالب—في إحباطاتِ الحاضر، فإنَّ كلَّ خطابٍ تُراثيّ يحملُ أو يعكسُ ضِمنيًّا موقفًا من الحاضر ومن حضارة العصر. ومن هنا صدورُ الخطاب العربيِّ الحديث المعصوب عن ثُنائيَّة شالّة: فكأنَّ لا تـُراثَ إلاَّ في مُواجهة العصر وبالـمُـــضادَّةِ معه، وكأنَّ لا إصالة إلاَّ في مواجهة الحداثة.” ويُقدِّمُ طرابيشي أمثلةً وشواهدَ تحليليَّة مُتعدِّدة لا مجالَ لذكرها.

ويتَّفق طرابيشي ، في تعريف العُـصاب، مع فيليب ريـيف الذي يقول “إنَّ العُــصاب هو عجزُ الإنسان عن الإفلات من قبضة الماضي ومن عِبءِ تاريخه،” ومع فرويد الذي يرى أنَّ “العُـــصابيَّ يُـــشيحُ عن الواقع لأنَّه يجدُه لا يُطاق بتمامِه أو في بعض أجزائه.” ويرى طرابيشي أنَّ التراثَ قد تحوَّل، اليومَ، إلى جائحة إيديولوجيَّة ووباءٍ نفسيّ.      إذاً من المهمِّ أن نخلُصَ من كلِّ ذلك إلى أنَّ تمجيدَ التُّراث وتعظيمَ السَّلف أدَّيا إلى عَكس المطلوب: إلى نُكوصٍ وتخلُّف، وبالتالي إلى إشكاليَّات وكوارث.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة