قصة نيزك لزهير كمال : تزاحم التيمات وتضارب المهمات!

 

التصنيف : اصدارات ونقد (::)

بقلم : مهند النابلسي – الاردن (:::)

“اسمي سعيد القيرواني، انا مواطن عربي ومتوجه بسفينتي خارج المجموعة الشمسية ” (ص.74) : بهذا النفس العربي الوحدوي الفاخر ونبرة التفاؤل المضيئة يتحفنا كاتب الخيال العلمي زهير كمال بروايته المميزة “قصة نيزك”، وتتصاعد هذه النبرات لتصل لقمتها في الصفحة 273 :”أعلنت وكالة الفضاء العربية أحقية الدولة العربية في الكوكب وبخاصة انها دفعت دما غاليا فيه، فأحد روادها قد فقد حياته وهو يقوم بهذا العمل غير المسبوق في التاريخ الانساني ، وقد شاهد العالم نورس واحد وهي تجر النيزك ثم تصطدم بالكوكب وتذوب فيه …”، فهو يتوقع قيام دولة عربية كبرى تمتد من اغادير الى مسقط، كما لفت نظري جرأته الاستثنائية بتوقع مستقبل وجودنا اليشري بعد الف سنة حيث ان معظم روايات وافلام الخيال العلمي لا تتحدث الا لما سيكون بغضون عقود وربما قرون معدودة قادمة، من هنا تنبع اهمية قراءة هذه الرواية الاستباقية التي تعرضت بالتفصيل للكثير من التوقعات الممكنة والمستحيلة الحدوث طبقا لقوانين الفيزياء الكونية، ويسجل للرواية ايضا تماسك الأحداث فيها (بالرغم من تداخل المهمات) والناتج عن ابداع الكاتب لخمس او ست شخصيات رئيسية تستحوذ على معظم الأحداث الرئيسية منعا لتشتت القارىء وضياعه في خضم الأحداث والتداعيات .

لم ينسى الكاتب ان يضمن روايته الشيقة محاضرة سياسية قومية رائعة ولكن بلا معنى ضمن السياق كما نلاحظ في الصفحة 47 (رحلة عبر التاريخ الحديث)، ولم يتواضع ابدا بطريقة تناوله للخيال العلمي المتدفق، ولم يكتفي بالتركيز على تيمة واحدة او اثنتين والتعمق روائيا ودراميا، بل ادخلنا بمتاهة مكتظة بالأحداث والتوقعات والتيمات منها :اصطياد النيازك ووضعها بمدار حول القمر وتفتيتها لاستخراج المعادن والثلج، تحول المريخ لولاية أمريكية، سفر سعيد القيروان لخارج المجموعة الشمسية، تقنيات السبات النومي الطويل برحلات الفضاء، التقدم المذهل للحاسوب والروبوتات، السائرة او السيارة الطائرة، دوران كوكب حول شمسين، صيانة المركبات في الفضاء ( وقد ابدع هنا حقا بوصفه الدقيق لمركبة ما يسمى السيجار الصيني، حيث بدى الوصف الابداعي وكانه استرجاع لبعض مشاهد فيلم جرافيتي للمخرج المكسيكي كوارون مع ان روايته سبقت الفيلم بعام )، استعمار الصينيين للقمر تيتان التابع لكوكب زحل وقد اسموه “شنتوليو”، قطع المسافات الهائلة بين الكواكب وطرق التعامل مع مضي الزمن وتفاوت الأعمار، السفر من خلال الثقوب السوداء للمجرات الاخرى، قانون نيوتن، تصميم المدن بالمستقبل، قراءة الأفكار والتخاطر عن بعد وتحريك الأشياء، تطور مقاييس الذكاء البشري، احتضار كوكب الأرض بفعل التلوث وهجرة سكانه منه ( وهذا احتمال وارد )، البعد الرابع، تخطي سرعة الضؤ، تغيير مسار النيازك المتسارعة…

وهناك طروحات مثيرة للجدل ومدهشة بتوقعات الكاتب الخيالية ومنها :”قطع نورس واحد 9,5 مليار كيلومتر ثم اختفى ليظهر على بعد 300مليار كيلومتر بفريبا وبعد الف عام “(ص.168) ! ثم يستطرد بفقرة اخرى “…يقدر الحاسوب ان السرعة التي طرت بها داخل النفق ربما وصلت الى سرعة الضؤ وربما تجاوزتها بعدد كبير من المرات “(ص.182) ! وهذا الكلام غير ممكن ومعقول فيزيائيا فالأشياء والأجسام تتحول الى طاقة وتفنى عندما تصل لسرعة الضؤ وتتجاوزها (حسب معادلة اينشتاين الشهيرة )! ثم عندما يتوقع أن يصل معدل الأعمار الى ثلاثمائة عام في الصفحة 183، حيث بالتأكيد سترتفع اعمار البشر بفضل تطور ابحاث الشيخوخة، ثم طرحه الغريب في الصفخة 270: “تم اضافة وزن جديد الى الكوكب فمعظم جسم النيزك بقي صامدا ولم يتفكك بسبب شكله الاسطواني (كيف؟)…وكانت النتيجة اضافة خمسة الاف مليون طن من المادة الصلبة الى كتلة الكوكب مما احدث تغييرا في زاوية ميل الكوكب ! (هكذا ببساطة ) …ثم يستطرد بتوقعاته الغريبة (ص.273) : “لم يكن هناك أي اعتراض من دول الأرض الكبرى تجاهه بعد ترسخ مبدا أحقية السبق التي اختطتها دولا اخرى ….”، حيث يتناقض ذلك مع النص الوارد في الصفحة 75 “…هذا الكون للجميع ولا يمكن لأحد أن يفرض مخلفات القرن العشرين ذات الافق الضيق على سير المستقبل ” ! ولكنه يعود بجرأة ليقسم الكواكب والأقمار التابعة ما بين الأمريكان والصينيين والعرب ، ناسيا الروس والاوروبيين واليابانيين والهنود والايرانيين وحتى البرازيليين، بينما نلاحظ بأسف بواقع الأمر أن العرب الحاليين هم اكثر الشعوب تخلفا بمضمار غزو وأبحاث الفضاء بالرغم من ثرواتهم الطائلة نسبيا مقارنة بالامم الاخرى، وحيث نجحت الصين مؤخرا بانزال مركبة فضائية فوق سطح القمر، كما انه لا يجب أن ننسى تقدم اسرائيل اللافت بمجال ابحاث وتكنولوجيا الفضاء . ونلاحظ حاليا التعاون العالمي  بمجال ابحاث وتكنولوجيا الفضاء الخارجي كما بالمحطة الروسية سويوز والتعاون الروسي –الأمريكي-الاوروبي الدولي بأبحاث الفضاء ومجال اطلاق رواد الفضاء والأقمار الصناعية، وكما بحالتي التعاون العلمي باستكشاف وتقاسم ثروات القطبين الشمالي والجنوبي ولو جزئيا ، حيث ربما سيكون البشر من الوعي حينئذ في المستقبل القريب والبعيد بحيث تتشكل ربما “عولمة فضائية” لمصلحة الجنس البشري !

من اللافت للانتباه جمالية صفحة الغلاف اللافتة (حتى ابني ذي الخمسة عشر ربيعا أثنى عليها فور مشاهدته للرواية)، وذلك من حيث قوة التعبير والدلالة والتشكيل اللوني الجذاب والبعد الرومانسي –العاطفي المؤثر ، وهي هنا ربما من الروايات النادرة التي يتعرض كاتبها لتفسير صورة الغلاف كما ورد بالصفحة 265 “…على باب المتحف هناك تماثيل لثلاثة رجال يبدو انها لأب مع ابنيه وهم منكبون على دراسة خارطة فضائية ، كانت التمائيل تحفة فنية فهي منحوتة من حجر الجرانيت الصلب ، وكانت هذه هي اول مرة نشاهد فيها منحوتات بهذه الطريقة ويبدو انها لتمييز هؤلاء الرجال عن غيرهم في الكوكب “! كما لم ينسى الكاتب أن يستند بطروحاته العلمية الفضائية للعديد من الايات القرآنية كما ورد على سبيل المثال في الصفحة 44: “الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان، والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان” (سورة الرحمن) ، ثم ما تيسر من سورة هود “وقال اركبو فيها بسم الله مجراها ومرساها ان ربي لغفور رحيم “.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة