نموذج جنوب أفريقيا- مانديلا للعرب

 

التصنيف : اراء حرة (:::)

صبحي غندور – واشنطن (:::)

هو حاضر عربي سيء، لكن ماذا بعد؟! هل الحل في السلبية وفي البكاء على الأطلال وفي ترداد: “أُبْكوا كالنساء مُلكاً لم تحافظوا عليه كالرجال”؟! وهل يؤدّي الهروب من المشاكل إلى حلّها؟! وهل يصلح الاحباطُ واليأس وابتعاد الناس عن العمل العام الأوطانَ والمجتمعات؟! بشكلٍ معاكس، أجد أنّ الابتعاد عن العمل العام يزيد من تفاقم الأزمات ولا يحلّها، يصنع الفراغ لمنتفعين ولمتهوّرين يملأونه بمزيدٍ من السلبيّات، يترك الأوطان والمجتمعات فريسةً سهلة للطامعين بها، ويضع البلدان أمام مخاطر الانشقاق والتمزّق إذا انحصر “الساسة” فيها على أصحاب مفاهيم وأطر وأساليب انشقاقية. طبعاً، ليس الحل في مزيد من التهوّر ولا في إشعال الغرائز والانقياد للعنف المسلح الذي يُدمّر الأوطان ووحدة الشعوب ويخدم دعاة التقسيم والتدويل لأزمات المنطقة. الحل أساسه وقف حال الانهيار الحاصل في وحدة المجتمعات وبناء البدائل الوطنية السليمة، على مستوى الحكومات والمعارضات معاً. فشعوبٌ كثيرة مرَّت في ظروف مشابهة لكنّها رفضت الموت السريري البطيء، فنهضت من جديد وصحّحت أوضاعها وأرست دعائم مستقبل أجيالها. فاليابان خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمَّرة ومهزومة وعاشت تجربة استخدام السلاح النووي ضدّها – وهذا ما لم يحصل في أي مكان آخر بالعالم – ورغم ذلك استطاعت اليابان أن تخرج من تحت الأنقاض وتعيد بناء ذاتها لتكون الآن منافساً اقتصادياً لمن أذلّها في الحرب العالمية الثانية.

وفي هذه التجربة اليابانية، برز التمسّك الياباني بالهوية الحضارية الخاصّة القائمة على نظام حكم ديمقراطي، وعدم الخلط بين استيراد العلم والمعرفة التقنية، وبين المحافظة على التراث الحضاري/الثقافي لليابانيين.

كذلك هي التجربة الألمانية، حيث لم ييأس شعب ألمانيا من إمكانات وحدته ومن عوامل تكوينه كأمَّة واحدة، رغم تقسيم ألمانيا لدولتين وبناء ثقافتين متناقضتين فيهما لحوالي خمسين عاماً أعقبت الحرب العالمية الثانية، وبناء “حائط برلين” الذي كان رمزاً لانقسام العالم بين شرق شيوعي وغرب رأسمالي، فإذا بشعب ألمانيا يدمّر هذا الحائط  ويستعيد وحدته الوطنية والسياسية، ولا يقبل بتدمير مقوّمات وحدته القومية.

وفي هذه التجربة الألمانية، برز تمسّك الشعب الألماني بالبعد القومي المشترك القائم أيضاً على صيغ ديمقراطية في الحكم، والذي استطاع تجاوز كل عوامل التفرقة المصطنعة التي زُرعت لنصف قرنٍ من الزمن وسَطَه.

أمّا تجربة جنوب إفريقيا، ففيها اتّضحت أهمية القيادة السليمة، وضرورة وضوح الهدف المركزي والإخلاص له، والإصرار على تحقيق الهدف وعلى الأسلوب السليم من أجل الوصول إليه.

فمن يرى في الأمَّة العربية الآن أمَّةً متخلّفة، فليقارنْ مع دولة جنوب إفريقيا التي أعلن قائد تحرّرها من النظام العنصري، نيلسون مانديلا، أنّ نسبة الأمّية في بلده كانت عند إسقاط النظام العنصري، تفوق الـ 70% من عدد السكان!

ومن يرى في اختلاف العرب “وحروبهم القبلية” مانعاً لوحدتهم المستقبلية أو لبناء مستقبل عربي أفضل، فليقارن أيضاً مع حال جنوب إفريقيا الذي لم يكن مجتمعاً منقسماً بين سودٍ وبيض فحسب، بل أيضاً بين قبائل سوداء متناحرة لعشرات السنين مع بعضها البعض.

ورغم كل عناصر الفرقة والتخلّف والأمّية في جنوب إفريقيا، فإنّ التمسّك بالهدف والإصرار على تحقيقه من خلال سبل سليمة وتحت قيادة مخلصة، حرّر هذا البلد الأفريقي من نظام عنصري بغيض، وحافظ على وحدة المجتمع، وأوقف الحروب الأهلية القبلية، وبدأ في بناء نظام اجتماعي ديمقراطي، فيه حصّة لكل أبناء المجتمع رغم تباين اللون والعرق والمصالح!

ففي هذه النماذج المختلفة من تجارب العالم المعاصر، ما يعزّز الأمل بإمكان بناء مجتمع عربي أفضل، شرط الجمع بين حصيلة دروس هذه النماذج. إذ لا يمكن لأمّةٍ منقسمة على نفسها ولا تملك مشروعاً واحداً لنهضتها، أن تربح معارك قضاياها أو تحمل لشعوبها آمالاً بمستقبلٍ أفضل!

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة