مسار الفنان المغربي ( عبد الكريم خوله ) : حين تمتد الاصالة الى النغم

 

التصنيف : فن وثقافة (:::)

علاء كعيد حسب – المغرب (:::::)

مراكش/المغرب

ساهم الطرب الأصيل، و مازال، في السمو بأذواق محبي و عشاق الموسيقى و الثقافة العربيتين، و تحصين الموروث الذي يمثل خصوصيتنا من الغزو الفكري الغربي، و قد كان له الأثر البالغ في الحفاظ على الهوية و الروابط المشتركة بين شعوب العالم العربي و قضاياه المصيرية. فكان بحق، سلاحا ناعما و فعالا في إثارة الوجدان العربي ضد كل تفرقة و هجمة، و مهيجا عند الحاجة للوعي الجمعي للانتصار للمصلحة العامة على الأفاق الضيقة التي فرضتها التغييرات الدولية و موازين القوى و ما رافقهما من انحراف للبوصلة العربية عن وجهتها الموحدة. و رغم أن هذا الانحراف شجع أشباه المبدعين و وفر لهم إمكانات ضخمة و وسائل انتشار متعددة لترسيخ الميوعة و الانحطاط، فإن مجموعة من المبدعين الحقيقيين في شتى بقاع العالم العربي تجاهد بوسائل ذاتية لتشذيب الذوق العام من هذه العوالق، و تسعى بما أوتيت من عزم و إيمان إلى الحفاظ على الروح الأصيلة للموسيقى و تزكية دورها كمكون ضروري و عنصر أساسي في الشريط الذي يربط الماضي بالحاضر، نحو مستقبل نصنعه دون حذف أي همزة من تاريخنا. و من بين هذه الفرق فرقة (عبد الكريم الرباطي) بمراكش التي يرأسها سليل مدينة الرباط المطرب (عبد الكريم خولة) الذي أخذ على عاتقه تشجيع الأصالة في مدينة تتسارع فيها الخطى الهمجية للمعاصرة، و أضحت غريبة في اللباس الذي ألبسته إياها السياحة غصبا. فاستحق انصافا على مجهوداته الجبارة، أن يكون ابن مراكش بالتبني.

في الأستوديو أثناء تسجيل إحدى المقطوعات

من الطرب العربي الأصيل الذي يستحضر العمالقة إلى الموسيقى المغربية التي تتغنى بالأعلام التي ما زالت تتناقل أغانيها الأفواه، مرورا بالفن الشعبي الرصين و الملحون و الطرب الأندلسي، تطلق فرقة (عبد الكريم الرباطي) العنان للأنغام و الإيقاعات لتعلو و تنخفض، و للمواويل لتشمل كل البلدان العربية، فيغدو المتلقي غيمة تنتقل بين أزمنة متعددة و أماكن مختلفة، قاسمها المشترك الأصالة و الالتزام و الاتزان في الكلمة و الأداء و اللحن. و في هذه الأجواء، ينسى المرء التفاصيل التي تشكل واقعه، و يغيب الجزئيات التي تربطه بالمادة، ليدرك قيمة ثقافته و قدرتها في الحفاظ على روحه الأصيلة و خصوصيته الفريدة، في زمن العولمة و طغيان النموذج الغربي و ذهنية الاستهلاك التي تسعى بقوة إلى إقصاء و تحجيم كل ما يدفعنا للفخر بماضينا و التشبث به.

كانت بداية المشروع الحلم سنة 1962 بالعاصمة الرباط مع مولد الفنان (عبد الكريم خولة)، الذي ساهم تكوينه في وسط فني عريق في توجيهه إلى منابع الموسيقى العريقة. فبعد التحاقه بداية الثمانينات بمعهد مولاي رشيد للموسيقى الأندلسية و تتلمذه على ثلة من رواد هذا الفن على رأسهم الفنان (بن عمر الزياني) و احتكاكه بأعلام كالمرحوم (عبد القادر الراشدي)، تراءت لهذا الفنان الخطى التي لا بد له من القيام بها و الطريق التي يجب عليه إتباعها ليحافظ على الإرث و القيم التي أودعها فيه هؤلاء الأفذاذ. فانطلق من الرباط رفقة المجموعة التي شكلها إلى مدينة مراكش لينقل إليها أصولا و ضوابط تشكل قاعدة كل فن الأصيل، و ملامح لكل عمل يرتبط بالموروث الخالد للأمة العربية.

و من سنة 1986 تاريخ التحاقها بمراكش و تنشيطها ساحتها الموسيقية، و إلى الآن، قامت فرقة (عبد الكريم الرباطي) بقيادة رئيسها (عبد الكريم خولة) بالعديد من الأنشطة الفنية و أحييت الكثير من الآماسي و السهرات الفنية في كل مناسبة و حين، و بكل ربوع المملكة. فأمست عنوانا للأصالة بمدينة مراكش و نبراسا للتوجه الراقي في الفن، ما جعلها على رأس الفرق الموسيقية التي تعنى بالطرب المتزن بكل فروعه و فصوله.

و كان من النقاط الأساسية في مشروع (عبد الكريم خولة) الذي يرتكز على الثقافة العربية، قيامه باستنباط عمل موسيقي من حكايات ألف ليلة و ليلة على شكل أوبريت عرض، لاق استحسانا واسعا من لدن المتتبعين و عشاق كل ما هو أصيل. كما قام بتنظيم سهرات لفائدة المعوزين بالخيريات و المدارس في المناطق المهمشة، إحياء للقيم الأصيلة للفن و ترسيخا لدوره الأبدي. كذلك أسهم الأستاذ (عبد الكريم خولة) في عدد كبير من السهرات بأمريكا و كندا و سويسرا و فرنسا و إسبانيا و البحرين و تونس و دول أخرى عبر العالم، خدمة لسمعة المملكة المغربية و تراثها، رافضا في تفس الوقت الانصياع لأي إغراءات تهدف لترسيخ الجانب المادي على الجانب الروحي للموسيقى.

و يبقى وسام هذا الفنان الأغر التزامه بالعلاقات الإنسانية بينه و بين أعضاء فرقته و باقي الفنانين من جهة و كذلك حفاظه على الوشائج التي تربطه بأفراد عائلته من جهة أخرى. فهذا الأب لثلاثة بنات و ابن، لا يهتم في الدنيا بشيء أكثر من أسرته، لأنه يعتبرها الكنز الأساسي و ميراثه الحق الذي لا يقبل التفاوض أو التغاضي، تحت أي إغراء أو سبب.

و ليكتمل المشروع الذي سطره هذا الفنان، ساهم في تكوين عدد من المواهب و تشجيعها، من بينها الفنانة الواعدة (دليلة بلكاس) التي يراهن عليها و يتوقع لها مستقبلا متميزا، و يسعى إلى توفير الإمكانات اللازمة التي من شأنها تدعيم موهبتها. و بهذا الأساس أفادت (دليلة بلكاس) بان الدعم الذي قدمه (عبد الكريم خولة) كان حاسما في مسارها الفني و مستقبلها الموسيقي، بإيمانه أولا بموهبتها و توفير الدعم اللازم لتطوير قدراته الصوتية، و ثانيا بفتح الأبواب لها للتواصل مع محبي و عشاق الموسيقى.

الفنان (عبد الكريم خولة) رفقة المطربة الواعدة (دليلة بلكاس) و في حوار مع (عبد الكريم خولة) جدد ارتباطه بالنهج الذي سار على خطاه من المرحوم (بن عمر الزياني) و المرحوم (عبد القادر الراشدي) و لغاية الآن، إذ اعتبر أن المطرب الأصيل ملزم باحترام ضوابط و أصول الفن، و الحفاظ على دوره الحقيقي و رسالته الحقة للرقي و السمو بأذواق عشاق الموسيقى و تشذيب أذواقهم دون المس بثقافتهم و مكوناتها. و عن انتشار الموسيقى الهابطة و أشباه المطربين، أفاد بأنها ظاهرة مرضية تعبر عن الحالة العامة للمجتمع الذي ينخره الضعف و تستحوذ عليه الأفكار الدخيلة، و أكد بان ما نشهده لا يعني غياب أو تقلص القاعدة الجماهيرية للطرب الأصيل بكل صنوفه بقدر ما يفسر صلابة موروثنا الموسيقي و استمراريته رغم الحملات الواسعة لتشجيع الموسيقى الهابطة و الإمكانات الضخمة الموفرة لها، و هو مؤشر يطمئن كل غيور على الفن.

رفقة الحاج محمد باجدو و الممثلة مليكة الخالدي           رفقة المطرب المصري محمد عدوية

إضافة إلى علاقته بالطرب الأصيل، يرتبط الفنان (عبد الكريم خولة) بالمبدعين في المسرح و التمثيل و الشعر و التشكيل، لأنه يعتبر الموسيقى متصلة بباقي الفنون و أن المطرب الذي ينفصل عنها يبتعد كليا عن كينونته الجمالية التي لا تكتمل سوى بالاحتكاك المتواصل و المثمر بباقي التجارب المختلفة. فتجد منزله دائما محجا لنخبة من المبدعين و نقطة التقاء فروع الإبداع، و مزارا تنتفض فيه الإنسانية بعيدا عن الذات الأنانية و ما يمثلها.

رفقة الممثل المصرية يسرى                      رفقة الممثل السوري سلوم حداد              و من المثير في هذا المسار الحافل بالإنجازات و المبادرات العظيمة اتجاه الكلمة الطيبة و الأداء المتزن و اللحن الجميل، اكتفاء الأستاذ (عبد الكريم خولة) بما يوفره الفن لوجدان المتلقي كأثمن تكريم يمكن للمبدع نيله، ليستشعر قيمة مساره و جدوى اختياراته، التي كانت من منطلق إيمان راسخ بالدور الوجودي الذي يلعبه الفنان بصفته أفضل تجل لقدرة الإنسان. فكان بكل تأكيد، سفير المغرب للأغنية الجادة و الهادفة، و عرابها و معلمها بالنسبة للأجيال القادمة، فأوجب علينا التزامه و تفانيه في هذا النهج الصعب و حجم التضحيات التي قدم في سبيله، أن نقول له: شكرا.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة