سقوط العرب والعروبة

 

التصنيف : اراء حرة (:::)

بقلم : د. لبيب قمحاوي (:::)

مياه كثيرة تجري الآن بين أقدام العرب وهم إما غافلون عنها أو منغمسون في قضاياهم الصغيرة وتبعات الأهداف الأصغر لحكامهم والمحصورة في الاستمرار في الحكم بأي ثمن مهما يكن باهظاً ومهما تضمن من تنازلات مجانية على حساب الوطن،  إلى الحد الذي هانت فيه الأمة على نفسها واستبيحت كرامتها ولم يعد العدو أو الصديق يكترث لما تريد أوما لا تريد.

إن فشل العرب في تجاوز أوضاعهم السيئة واستسلامهم القدري لواقعهم ساهم بالتأكيد في تخفيف كلفة قهرهم واستغلالهم إلى الحد الذي أفقد القوى الدولية الشعور بالحاجة إلى بذل الجهود إما لإرضائهم أو قهرهم. هذا الوضع شجع تلك القوى على الاهتمام بمناطق أخرى في العالم نظراً للقيمة المضافة التي تشكلها في ميزان المصالح الدولية مقارنة بالعالمالعربي المقهور والمستسلم والمستنزف والمستباح بشكل كامل وآمن.         علينا الاعتراف أن ما نحن فيه هو من صنع أيادينا ولا جدوى من إلقاء اللوم على الآخرين. إن الاستعداد للقبول بالذل والاستكانة قد لا يكون أمراً موروثاً ولكنه بالتأكيد نتاج طبيعي للموروث الثقافي ولسلوك إنساني تراكمي أساسه الفردية والأنانية وغياب روح الانتماء للمجموع والأرض والوطن وبالتالي غياب الاستعداد للتضحية وترك هذه المهمة للآخرين. وقد فهم حكام العرب ذلك وقاموا باستغلاله على الوجه الأكمل وبشكل بشع أخضع المجتمع إلى حد الاستسلام الكامل وذلك من خلال تنمية عوامل الخوف والخضوع والخنوع والأنانية والفردية الكامنة فيه.

لقد تجاهل العرب أو تناسوا الحقيقة الأساسية بأن الفرق بين الأمم الصاعدة والأمم الهابطة يكمن في قدرتها على استكشاف مكامن القوة فيها والعمل على تنميتها وتعزيزها بشكل يسمح لها بالنهوض بشكل مستمر. والعرب في العقود الأخيرة نجحوا في قتل كل ماهو جميل وناجح فيهم وقبلوا بالاستكانة والخنوع والتذلل لاسترضاء الحاكم الظالم بدلاً من التصدي له منذ البداية وقبل استفحال الخراب إلى الحد الذي جعل الظلم هو الحقيقة والعدل هو الخيال.

تشير التطورات الأخيرة إلى حدوث تغييرات إستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط ، تمس مصالح العرب ومستقبلهم ولكنها لن تكون في صالحهم. ولو استعرضنا الوضع العربي الآن لوجدنا معظم الإجابات دون الحاجة إلى الخوض في التحاليل واستقراء الغيب ، فمعظم التطورات تؤكد تفاقم حالة التفكك والانهيارالدخلي والانتقال الحثيث من حالة الخلاف السياسي إلى حالة الاختلاف الديني كأساس للصراع .        الوضع السوري الخطير هو المسمار الأخير في نعش النظام العربي. فالأمور هناك تسير باتجاه مَد أَمَد الصراع إلى أجل غير منظور وتقديم البعد الديني المذهبي كأساس للصراع عوضاً عن البعد السياسي، مما أدى إلى تدخل أطراف غير سورية وقوى إقليمية غير عربية في الصراع من منطلقات مذهبية وبشكل علني. وابتدأت دول الإقليم الرئيسية وكذلك القوى الدولية بالتعامل مع سوريا باعتبارها دولة شبه فاشلة قيد التقسيم سواء أكان ذلك التقسيم رسمياً أم واقعياً.

أما الفلسطينيون، ونتيجة لتكالب السلطة الفلسطينية على المناصب والمكاسب وتنازلاتها الطوعية المجانية ، فقد أفقدوا إسرائيل أي رغبة أو اهتمام لمفاوضتهم أو إعطائهم أي تنازلات بعد أن أخذت من السلطة الفلسطينية كل التنازلات الهامة مقابل مكاسب إجرائية تافهة. وقد فاقم هذا الوضع الفلسطيني السيء إنكفاء حركة  حماس على نفسها وتحولها من حركة مقاومة للاحتلال إلى حركة حاكمة ذات برنامج سياسي عقائدي يمتد خارج الحدود ويتصدر الأولويات الفلسطينية.

والعراقيون استبدلوا حكماً وطنياً دكتاتورياً قاسياً ومجرماً بتبعية بلهاء لأمريكا وإيران مقابل لا شيء حتى الآن سوى المكاسب والأطماع الشخصية والانصياع لولاية الفقيه وعلى حساب وحدة العراق وشعبه.        والليبيون تخلصوا من نظام دكتاتوري فاسد ومجنون وانتقلوا إلى حقبة من الاقتتال الداخلي ومحاولة الاستئثار بالثروة النفطية من خلال تقسيم البلد وإعادة عقارب الساعة الى الوراء.         ومصر التي حاربت الفساد والاستبداد والخضوع لإرادة القوى الخارجية في عهد مبارك ونجحت في الخروج من ذلك النفق لتدخل في حقبة انتقالية من الديمقراطية غير الناجزة أدت إلى وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة ومن ثم حتمية إسقاطهم قبل أن ينجحوا في اسقاط مصر وأخونتها . وعوضاً عن أن ينصب جهد إخوان مصر على الاستفادة من أخطاءهم والاتعاظ من التجربة والعمل على إصلاح المسار ، اختاروا العمل بكافة الوسائل على محاولة استعادة السلطة حتى ولو أدى ذلك إلى تدمير مصر.

أما السودان ، فإن نظام الحكم الدكتاتوري هناك وبعد أن دمر اقتصاد البلد وبدد مواردها قام بحل مشكلة جنوب السودان من خلال التنازل عنه وفصله عن الوطن الأم عوضاً عن تلبية مطالب سكان الجنوب من خلال منظومة ديمقراطية تشكل ضماناً للجميع. ولكن ذلك كان يعني بالضرورة نهاية نظام عمر البشير الدكتاتوري ، وكان الثمن الأسهل للنظام تدمير البلد وتقسيمها وبقاء النظام!

أما اليمن فقد شارف على حرب أهلية كان الدكتاتور علي عبدالله صالح مستعداً للقبول بها مقابل البقاء في السلطة. ولولا مصالح السعودية ودول الخليج والضغوط والإغراءات التي مارسوها مقابل صفقة أبقت النظام دون حكم عائلة علي عبدالله صالح، لكان اليمن الآن يمنان. ومع ذلك، فإن مساعي الرئيس المخلوع ما زالت مستمرة في محاولة للعودة إلى الحكم ولو أدى ذلك إلى حرب أهلية أو تقسيم اليمن .        ولبنان المشتت بين إقطاعيات طائفية وسياسية كل منها يتبع لجهة خارج لبنان، ما زال قائماً كعنوان لدولة واحدة بالإسم ودويلات متعددة بالفعل.            وتونس ما زالت تركض في مسعى تائه بين الديمقراطية ومكاسب الدولة المدنية التي بَنَتْ تونس الحديثة من جهة ٬وبين الإسلام السياسي الذي يسعى إلى إعادتها قروناً إلى الخلف من جهه أخرى.          أما السعودية ودول الخليج فهي تخوض حروبها وصراعاتها وتسوي حساباتها وخلافاتها من خلال الآخرين. الصراعات التي تشهدها معظم دول المنطقة الآن وراءها أموال النفط السعودي والخليجي ومصالحه.          نحن الآن إذاً أمام واقع عربي انتقالي يبدو أنه يسعى إمَّا إلى إعادة استنساخ ما سبقه من أنظمة وأمراض، أو انتقاء الخيارات الأسوأ للخروج من وضع سيء. منطق عجيب لمعالجة الأمور يعكس حالة من الهزال السياسي وتراكم الأمراض السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى الحد الذي لم يعد فيه الجسم العربي قادراً على الشفاء وفي الوقت نفسه غير قادر على الاستمرار.

ما نحن فيه ليس موتاً بطيئاً وليس انتحاراً، لأن الانتحار يحمل مضمون الخيار حتى ولوكان ذلك الخيار هو الموت. ما نحن فيه هو حالة ذهنية حضارية ثقافية تعتبر التضحية سلوكاً أهوج .

العرب لم يتعلموا دروساً من الماضي القريب، ونسوا أو تناسوا أن الفلسطينيين نجحوا في هز ضمير العالم وزلزلة أركان إسرائيل فقط عندما قدموا آلاف الضحايا. وعندما توقفوا عن التضحية تمت هزيمتهم . كما نسوا أو تناسوا أن منطق الرفض والمقاومة والتضحية هو الذي حرر قناة السويس عام 1956 وهزم العدوان الثلاثي. وفي حرب 1973 هزم المصريون التفوق العسكري الإسرائيلي بالرغم من السموم السياسية التي رافقت وأعقبت تلك الحرب.

ماذا لو قدم العرب مائة ألف شهيد في حرب مع إسرائيل عوضاً عن ذبحهم في وطنهم سوريا؟ ولماذا ننسى عشرات أو مئات الآلاف الذين قتلوا في لبنان والجزائر والعراق. لماذا نحن أقوياء وجبارين على بعضنا البعض حتى الثمالة ٬ وضعفاء وغير راغبين في التضحية أمام العدو؟ هل هو تراث وذهنية وسلوك الأعْراب، أم غياب الحس الوطني العام لصالح الأنانية والانتماء الضيق المتزمت؟ أم الإثنين؟        إن إحياء منطق التضحية بأشكالها المختلفة هو الجواب على حالة الموت السريري التي يعيشها العرب. لا يوجد انتصار بدون تضحية. وإن أكبر هزيمة يمكن أن تـُمْنَى بها أي أمة على وجه الأرض هي هزيمة الذات.

[email protected]

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة