التصنيف : فن وثقافة (::::)

أ.د. حسيب شحادة- جامعة هلسنكي (::::)

كل اللغات الحية تتغير مسايرة لسنّة النشوء والارتقاء كما قال ماريو باي “إن الاتّجاه الطبيعي للغة هو اتجاه يبعدها عن المركز، فهي تميل إلى التغيّر، سواء خلال الزمن أو عبر المكان، إلى الحدّ الذي لا تُوقف تيّاره العوامل الجاذبة نحو المركز … وهذه الخاصية العالمية للغة تشكل الأساس في كل تغيير لغوي (ماريو باي، أسس علم اللغة.ترجمة أحمد مختار عمر، طرابلس، ليبيا ١٩٧٣، ص. ٧١). كما أن المضمون الكامن في اللغات كافّة واحد – التجربة ذات العلم الحدسي/البدهي (Edward Sapir, Language. An Introduction to the  Study of Speech. New York 1949, p. 218). الحياة تتغير بمرور الوقت وعليه فاللغة التي ترصدها وتعبر عنها تتبدّل. عجلة التطور والتغير في الحياة مستمرة والاتجاه العام من الخاص إلى العام، من المحسوس إلى المجرد، من الفرد إلى المجموع، وكل هذا ينعكس في اللغة مثل ”عقل” بمعنى “ربط” ثم بمعنى “أدرك، فهم”. اللغة وسيلة قوية جدا للإعلان عن الهوية والحفاظ عليها. احتكاك اللغات بعضها ببعض عامل أساسي في تغير اللغات.

قسّم الفكر العربي الأشياء إلى ظاهر ومُضمر، إلى مذكّر ومؤنّث، مفرد ومثنّى وجمع، والكلام إلى اسم وفعل وحرف. ضمير الغائبة في الإنجليزية قيل ألف عام كان heo، إذ أن الـ o كانت علامة التأنيث. هذه الصيغة القديمة بقيت حيّة حتى وقت وجيز في شمال غرب إنجلترا.  قل الأمر ذاته بالنسبة لأداتي التعريف والتنكير a, the وعرفت الإنجليزية آنذاك الإعراب أيضا مثل اللاتينية والألمانية والعربية. باختصار، حتى القرن الحادي عشر كان مبنى الإنجليزية مشابها للألمانية الحديثة، إلا أن قدرا كبيرا من ذلك التعقيد النحوي قد ولّى بعد عام ١٠٦٦ نتيجة اختلاط الناطقين بلغات عدة مع بعضهم البعض. ينبغي القول إن قضية التعقيد اللغوي التي استحذوت على اهتمام الكثير من اللغويين هي أمر نسبي ويتعلّق الأمر في الأساس بهوية المتعلم، فمثلا صعوبة أو تعقيد العبرية بالنسبة للناطق بالإنجليزية تكون أكبر بكثير من تلك التي تكون لدى الناطق بالعربية. سبب آخر لتغير اللغات ناجم عن طبيعة الإنسان التواقة دوما إلى التقدم والتطور. في الوقت ذاته من المعروف أن الكثيرين من القائمين على مصير اللغات مثل أعضاء المجامع اللغوية يحرصون على إيقاف عجلة التغيير بشتى الوسائل إلا أن اللغة الطبيعية البشرية دائمة الحركة إن أردنا ذلك أم أبينا. بهذا الصدد تشبه اللغات الكائنات الحيّة، فيها قوى بناء وقوى هدم. اللغة البشرية لا تعرف الاستكانة أبدا وهي في حركة دائمة. هذه المواضيع تصدرت الأبحاث اللغوية في القرن التاسع عشر وفي النصف الأول من القرن العشرين. أبحاث العقود القليلة الماضية فقط أسفرت عن نتائج مقبولة في هذا الشأن وهي باختصار: من يقف وراء التغيير؛ لماذا يحدث هذا التغيير؛ كيف يتم التغيير؟ الجدير بالذكر أن هذه التغييرات اللغوية تكون بطيئة. كما قال شاعر مصري قبل أربعة آلاف سنة تقريبا إن الكلمات المستعملة كثيرا تفقد الكثير من نضارتها وقوتها. يطرأ على بال حالا اسم الجلالة “الله” في العربية وكثرة دورانه على الألسن دون مسوغات معقولة.

هذه اللغات في الواقع هي حصيلة مثل هذه التغيرات المستمرة طالما أن اللغات محكية. تكون هذه  التغيرات طفيفة عادة وتدريجية قد لا يلحظها الإنسان. مجموع مثل هذه التغيرات على مدار حقبة طويلة، بضعة قرون، يغدو واضحا. في اللغة الإنجليزية مثلا نرى أن لغة شكسبير يستصعبها القارىء اليوم أما لغة تشوسر فتكاد تكون طلاسم له. كانت الإنجليزية ذات يوم لغة تصريفية إعرابية كالعربية والروسية واللاتينية والألمانية ، قل الأمر ذاته بالنسبة للعديد من اللغات السامية كالعبرية. في التراث العربي يمكن التنويه بالقرآن الكريم وبالأدب الجاهلي وفي العبرية لغة العهد القديم، وقس على ذلك في الثقافات الأخرى مثل Rabelais و Montaigne في الفرنسية.

هناك أسباب وطرق عديدة تؤول إلى حدوث هذا التغيير مثل التأثر الخارجي بلغات أخرى، اقتراض الكلمات. جميع اللغات البشرية الطبيعية اقترضت وتقترض على الدوام من بعضها البعض بدرجات متفاوتة لأسباب معينة. ما يطلق علية مصطلح “الدخيل” موجود في كل اللغات وحجمه يتوقف على عوامل تاريخية وسياسية وثقافية. يلاحظ مثلا أن اللغة الإنجليزية قد اقترضت عبر الإسبانية عددا لا بأس به من الألفاظ العربية المأخوذة من مجال العلوم مثل: alcohol, alchemy, cipher, nadir, elixir, algebra. أما في مجال الموسيقى فقد اقترضت الإنجليزية وغيرها من اللغات  من اللغة الإيطالية مثل: adagio, fresco, sonnet, piano, soprano. من الملاحظ اليوم أن عدد الدخيل الإنجليزي  في اللغة الفرنسية في ازدياد مطرد بشكل أقلق ويقلق بعض الأوساط الفرنسية self-service, sandwich, week-end, deep freeze. حظيت اللغتان الكلاسيكيتان، اللاتينية واليونانية، بمكانة رفيعة في الدراسات العلمية في القرون الوسطى وأثرتا على معاجم اللغات الأخرى منذ عصر النهضة في أوروبا. الإنجليزية اقترضت ألفاظا علمية كثيرة من هاتين اللغتين وعادة عن طريق الفرنسية مثل biology, sociology, psychology, philology, philosophy. اللغة الصينية أثرت الكورية واليابانية والفيتنامية بعدد هائل من الألفاظ خلال قرون  ولم تقترض منها شيئا.

بعبارة موجزة يمكن القول بما يشبه اليقين أن لا وجود للغة بدون الاقتراض المذكور (يلاحظ أن هذا المصطلح، borrowing، لا يعبّر بالدقّة المطلوبة عمّا يمثّل إذ لا وجود للغة تُعيد ما اقترضته من ألفاظ أو معان إلى اللغة الأصلية). التأثير المعجمي العربي على لغات إسلامية مثل الفارسية والتركية والأوردية كبير جدا ومعلوم للجميع. تأثير مشابه لذلك من الممكن رصده في عبرية القرون الوسطى المترجمة من العربية وهي تعنى بمواضيع في النحو والفلسفة والعلوم. اللغة الألبانية مثلا لم تقترض سوى عدة مئات من الكلمات في حين أن قرابة نصف المعجم الإنجليزي يتحدّر من أصول خارجية. قد يدهش بعض القراء إذا ما قررنا أن ظاهرة الاقتراض  ليست في الواقع ضرورة لغوية لأن المخزون الذاتي في كل لغة بوسعه التعبير عما يطرأ من مستجدات. بالرغم من هذا يتم الاقتراض المعجمي بين اللغات في كل عصر على منوال واضح من الحرية ولا غرابة في الأمر لأن المعجم بمعظمه بمثابة قائمة من المفردات القائمة بذاتها. يحدث هذا الاقتراض المتبادل لسهولته بالمقارنة لعملية البحث والتنقيب بغية إيجاد كلمات مناسبة لأشياء ومفاهيم حديثة مثل التلفون والراديو والستيرينج والفيديو والكومبيوتر ومقابلاتها الهاتف وإخوانه والمذياع والمقود والحاسوب إلخ. من نافلة القول أن اقتراض لفظة جاهزة من لغة أجنبية أسهل بكثير من محاولة إيجاد لفظة مناسبة. وضع ما يمكن وصفه بالعبرنة والتعبرن أو العِرْبية في الديار المقدسة لدى عرب الـ ٤٨ خير دليل على ما نقول. الجدير بالذكر أن دراسة مادة الدخيل في لغة ما يتمخّض عن شرح لتاريخ الثقافة الوافدة. واضح أيضا أن الصراع بين الأصيل والدخيل في أية لغة آدمية طبيعية لا نهاية له. بمرور الوقت يُصبح  الكثير من الدخيل لحمة من نسيج اللغة المقترضة. هناك من اللغويين الذين أشاروا إلى خمس لغات ذات ثقافة ثرية وهي الصينية الكلاسيكية والسنسكريتية والعربية واليونانية واللاتينية في حين أن العبرية والفرنسية تحلان في المرتبة الثانوية. (أنظر مثلا: Edward Sapir, Language. An Introduction to the  Study of Speech. New York 1949, p. 194)

من الاقتراض المعجمي اللافت للنظر ما يسمى بـ”الاقتراض اللغوي”  (loan translation) وهو بإيجاز وضع ما في لغة ما من ألفاظ بترتيب معين أجنبي للتعبير عن مفهوم ما، استخدام قالب أجنبي بلباس محلي. مثال على ذلك شائع في الأبحاث الدلالية المعاصرة هو ترجمة العبارة الألمانية المعروفة Kindergarten بـ “روضة/رياض الأطفال” في العربية ويطرق شبيهة بلغات كثيرة أخرى. في هذه الجزئية مثلت اللغة الألمانية الموديل لأنها أوجدت هذه المؤسسة التربوية التعليمية الأولى عام ١٨٣٧على يد فريدريك فوبل الألماني.

التغير في اللغة يشمل أيضا جوانبَ أخرى فونولوجية ونحوية نتيجة الاقتراض من لغات أجنبية إلا أن هذا التغيير يكون محدودا لأنه معقد ويؤدي إلى خلخلة ما في النظام اللغوي . هذا النمط من التأثير بحاجة إلى المزيد من البحث لسبر أنواعه وأبعاده.

هناك من الناحية الثانية التغيير الداخلي في اللغة ويشمل فروعها المختلفة، في الفونولوجيا (المبنى الصوتي للغة، لاحظ مثلا ما في الفصحى من أصوات لغوية وما في لهجتك الخاصة) والنحو والمعجم وللقياس هنا تأثير واضح. أبسط مثال لهذا التغيير هو ظهور كلمات جديدة واختفاء أخرى ومثل هذه الظاهرة قد تحدث في غضون عقود أو قرون من الزمان. مدّ وجزر يحدث في اللغة البشرية، كلمات وعبارات جديدة تصاغ من مادة قديمة. معاني الكلمات قد تتغير من فترة لأخرى ضمن أساليب معروفة مثل تخصيص الدلالة وتعميمها. معنى “جون” فارسية الأصل هو “لون” وأصبح فيما بعد من الأضداد أي اللونين الأبيض والأسود؛ “اللحم” في الأم السامية كان يدل على “الطعام” عامة (هكذا كانت meat) وأصبح يعني “الخبز” في بعض الساميات كالآرامية والعبرية وفي العربية meat. من جهة ثانية “تعالَ” معناه الأصلي “اصعد” ثم ورد بمعنى “إيتِ، جىء”، “الاستحمام” أصلا الاغتسال بالماء الساخن واليوم الاغتسال بالماء عامة دون تمييز. هنالك أيضا كما يعلم كل طالب لسانيات وقي الدلالة وانحطاطها مثل “بِذْلة” أو “مِبْذلة” بمعنى “الثوب الخلق” واليوم المعنى رداء فاخر من السروال والسترة؛ “كرسي” بمعنى “العرش” كما وردت في القرآن واليوم معناها معروف. مثال على “رقي” في المجال الدلالي لفظة “رسول” التي كانت تعني “كل شخص مبعوث لمهمة ما” ثم اكتسبت مفهوم “النبي المرسل من عند الله”.

هذا التغيير اللغوي الخارجي والداخلي يشمل الصرف والنحو أيضا. في المجال الصرفي يمكن التنويه بما يعرف حديثا بـ “قل ولا تقل” مثل لا تقل “استبيان”بل “استبانة”؛ لا “جاء لوحده” بل “جاء وحده”؛ لا “جوازات” بل “أجوزة”. في المجال النحوي نكتفي هنا بذكر القاعدة الكلاسيكية المعروفة: عدم سماح أكثر من مضاف لمضاف إليه واحد والكل يعلم شيوع استخدام مضافات عديدة لمضاف إليه واحد مثل “رؤساء وأدباء ومفكري‏ ‬الأرمن في‏ ‬استنبول” (حنا مينا، الفم الكرزي. رواية. بيروت: دار الآداب، ط. ١، ١٩٩٩، ص. ١٦٨)؛ ووجدت هذه الجملة ذات الستة مضافات ولا ذكر للمصدر “عن مولد وحياة وصلب وموت ودفن وقيامة سيدنا عيسى المسيح …”.

—————

الزعبي، آمنة صالح، في علم الأصوات المقارن. التغير التاريخي للأصوات في اللغة العربية واللغات السامية. الأردن-إربد: دار الكتاب الثقافي ٢٠٠٨.

Jean  AITCHISON, Language Change: Progress or Decay?, 2nd edn. Cambridge: Cambridge University Press 1991. C. L. BARBER, The English Language:A Historical Introduction. Cambridge: Cambrisdge University Press 1993. Laurie BAUER, Watching English Change. London: Longman 1994. April N. S. McMAHON, Understanding Language Change. Cambridge: Cambridge University Press 1994. James MILROY, Linguistic Variation and Change. Oxford: Blackwell 1992. Howard PHILIP, New Words for Old. London: Hamish Hamilton 1977. R. L. TRASK, Language Change. London: Routledge 1994.