الناصرة اولا : ويل لمدينة تحتل فيها المشاعرمكان العقل

 

التصنيف : دراسات (::::)

نبيـــل عـــودة – فلسطين المحتله (:::)

التاسع من كانون الثاني 1975، تاريخ لا ينسى. استطاعت مدينة الناصرة ان تؤسس اكبر تحالف حيث عرف فيما بعد باسم “جبهة الناصرة الديمقراطية” وانجاز أكبر انتصار اجتماعي وسياسي في تاريخ الأقلية العربية في إسرائيل.. بالفوز برئاسة بلدية الناصرة وأكثرية أعضاء المجلس البلدي، في معركة انتخابات حامية استقطبت اهتماما محليا كبيرا، ايضا في أوساط القوى الديمقراطية اليهودية واهتماما دوليا واسعا  بمعركة فاصلة واجهت فيها الأقلية العربية للمرة الأولى منذ النكبة، بوحدة نادرة واجماع وطني لا سابقة له، سياسية الحكومة الشرسة  بكل أجهزتها ورجالاتها. المعركة كانت صعبة جدا، طويلة جدا، لكن في مرحلة معينة استطاع فرع الناصرة  للحزب الشيوعي الذي كان يقوده المناضل المرحوم غسان حبيب ( مؤسس الجبهة وقائدها بجدارة) ان يبني اطارا وحدويا جمع كل مواطني الناصرة تقريبا، من تجار، حرفيين، مقاولين، عمال، طلاب جامعيين، اكاديميين ، نساء ، رجال ومثقفين .. انشأت تنظيمات لكل هذه الفرق ، يكفي ان انوه ان رابطة الجامعيين ابناء الناصرة التي قامت كجسم من أجسام التحالف الجبهوي  وصل عدد أعضائها الى أكثر من 650 جامعي.

تلك المعركة أحدثت نهضة اجتماعية سياسية غير مسبوقة، خرجت الناصرة كلها لتنجز تحولا سياسيا هائلا. اثر ليس فقط على تحقيق تحولات سياسية في جميع البلدات العربية داخل الخط الأخضر، بإقامة جبهات محلية واندماج المثقفين والأكاديميين والتجار في العمل السياسي والبلدي بشكل لا سابقة له، إنما امتد التأثير وقتها الى ابناء شعبنا تحت الاحتلال في الضفة الغربية، حيث انجز شعبنا هناك ايضا بانتخابات سمحت بها اسرائيل بوهم ان رجالها من عملاء تنظيمات عميلة قادرة ان تسيطر  وتظهر الوجه الديمقراطي للاحتلال الاسرائيلي الذي “يسمح بانتخابات ديمقراطية”، النتائج كانت على طريق انتصار الناصرة، انتصرت القوى الوطنية الفلسطينية لتغير المناخ السائد وتقوم قيادات وطنية محلية معادية للاحتلال. من ابرز شخصيات تلك الفترة السيد بسام الشكعة الذي حاولت سوائب المستوطنين الفاشيين قتله بتفجير سيارته ولكنه بقي حيا رغم فقدان ساقيه. انتصار الناصرة افشل سياسات مخططة للسلطة العنصرية، على رأسها مصادرة المزيد من الأراضي العربية، ولم يكن بالصدفة ان الجبهة كانت القوة المحركة والقائدة لإضراب يوم الأرض الخالد في 30 آذار 1976 الذي صار يوما نضاليا لكل ابناء الشعب الفلسطيني. انتصار الناصرة احدث روحا جديدة من التعاون والتحالف واصبحت الناصرة محط انظار الفلسطينيين من داخل اسرائيل ومن المناطق المحتلة بعد 1967، حين قررت ادارة البلدية التي كان يرأسها المناضل والشاعر المرحوم توفيق زياد، طرحت فكرة مخيمات العمل التطوعي ، التي تحولت الى جانب تنفيذها عشرات المشاريع الهامة لمدينة اهملت خلال عقود طويلة، الى اعراس وطنية سنوية للعمل والتحدي السياسي للسلطة العنصرية ورسالة دعم واضحة لمدينة الناصرة المنتصرة..

التغيير في الناصرة لم يكن استبدال قديم بجديد ، لم يكن استبدال شكلي. كان تغييرا على مستوى استراتيجي عميق للغاية، كان تغييرا استنهض همم المجتمع العربي لإحداث التغييرات في مجمل البلدات العربية، مثل هذا التغيير لا يحدث لأن بعض الطامعين بكرسي رئاسة البلدية طرحوا شعار التغيير. التغيير هو عملية تاريخية نضالية وفكرية تحتاج الى تنظيم طليعي يطرح رؤية جديدة ، يملك الامكانيات الانسانية في توفير قوة دفع اجتماعي وسياسي  لإحداث  ما يشبه الثورة الاجتماعية. هذا ما احدثته جبهة الناصرة عام 1975. لم يكن شعار التغيير وقتها شعارا كل قيمته لا تتعدى الحبر الذي صيغ به كما هو حال شعارات اليوم، او الصور العملاقة التي زينت به، تحت صور أشخاص اتحدى ان يفسروا مفهوم التغيير الاجتماعي او التغيير الاداري او التغيير السياسي. كان التغيير انقلابا ثوريا أسقط ادارات تخضع للسلطة وخططها التي تهدف الى جعل الناصرة مجرد قرية كبيرة بدون دور سياسي، الى ادارة تحصل على الحقوق بالتحدي والنضال بمختلف الأشكال القانونية والشعبية والبرلمانية.. وتعمل على جعل الناصرة مدينة حضارية متطورة، مركزا سكانيا، مركزا تعليميا، ،تطوير المرافق الصناعية لايجاد فرص عمل لمئات العمال ابناء الناصرة والبلدات المحيطة بها  وعاصمة سياسية تشكل الوجه السياسي للأقلية العربية في مواجهة سياسات مرسومة ومخططة سلفا  لا تريد ان ترى نهضة قومية سياسية في الوسط العربي.

لأسهل على دعاة “التغيير” مشكلتهم مع فهمه وتفسيره، انوه باختصار بأن التغيير هو ناتج تفاعلات ظاهرة وباطنة ، تفاعلات موضوعية وذاتية، لا تحدث بشكل عشوائي انما بشكل مخطط ( هذه التجربة اثبتها الناصرة في انتصار الجبهة وثبتت صحتها في انتفاضة الشعب المصري ضد مبارك وثم ضد مرسي) التغيير هو ظاهرة ملاصقة للحياة وللوجود الإنساني وبالتالي فهو يرتبط بقوى التغيير التي تنطلق من قاعدة فلسفية وفكرية مندمجة بواقع اجتماعي ، سياسي وفكري وليس بفرد حالم بوظيفة او بمشيخة!!

من البديهي ان يكون وراء فكرة التغيير  جسم سياسي او منظمة مجتمع مدني دورها اشبه بالبارومتر الاجتماعي والسياسي، تصيغ الأهداف وتقود المجتمع نحو انجاز اهدافه في اطار عقلاني، واع ، مدروس ومطابق للواقع وليس للنزوات الفردية او لحسابات انتهازية من أفراد او أجسام سياسية تحركها ميولها وليس فكرها.

اذن التغيير ليس رغبات لشخص يتوهم ان رفع الشعار يحدث الفعل (التغيير)، في هذه الحالة الفضاء مفتوح أيضا على رد الفعل المضاد. أي ان الجمهور يملك وعيا للفرز بين الشعارات التي لا رصيد لها وبين  الطرح العقلاني الموضوعي الذي يملك رصيدا وتجربة مثبتين.

اذن التغيير لا يحدث بشكل عفوي لأن علي او حنين او توفيق او يوسف رفعوا شعارات التغيير. الفلسفة تفسر الثورة الاجتماعية (تغيير السلطة) بانه نتيجة افلاس النظام الحاكم وعدم قدرته على استمرار تسويق نفسه للمواطنين (وحكمهم) ، ولأن المواطنين لم يعد باستطاعتهم تحمل النظام القائم وبات التمرد ردا على حكمه. هل هذا هو واقع الناصرة؟ ام هي اوهام المنافسين لجبهة الناصرة؟ اليس من المضحك استعمال شعار لا يفقهون مضمونه الفكري والاجتماعي؟ لا يعرفون شكل تفاعله مع الواقع؟ البعض جعله صناعة، البعض يستعمله كنوع من المرطبات في حر الصيف، آخرين جعلوه حلى للزينة، او زنار خرز للرقص الشرقي.. ننتظر الراقصة!!

هل نحن امام نفس الواقع الذي ساد عشية انتصار الجبهة عام 1975؟ ام نحن امام عروض لنزوات شخصية عابرة، مهما انجزت ، ستكون مؤقتة ومؤقتة جدا في أي حساب تاريخي بسيط؟ الحركة الاسلامية وصلت في الناصرة الى انجازات كبيرة في العضوية، وفي المنافسة على الرئاسة. اعلنت قبل الانتخابات انها لا تشارك في هذه الانتخابات، فجأة نجد اسمها يبرز مع قائمة توفيق ابو أحمد،  لا بأس ، من حقهم ان يكذبوا ويتخبطوا ومن حق توفيق بعد ان رأى نفسه على حافة الفشل ان يستنجد بمن يشاء.. يبدو انه كالمستنجد من الرمضاء بالنار!!

هل هذا سيجعل شعاره عن التغيير اكثر قيمة؟ او انه البديل .. هل نريد بديلا ولدينا الأصيل ؟ التغيير يحدث بقوة التحضيرات ، بصفتها عملية اجتماعية سياسية تنفذ على مراحل. ان قوة انطلاقة عملية التغيير تبرز عبر المراحل الأولى لتتحول الى قوة جارفة لا يمكن ايقافها ، بل تصبح اشبه بكرة الثلج المتدحرجة، تزاد حجما واندفاعا، هذا ما حدث عام 1975، فأين “تغيير” اصحاب القوائم الشخصية من تلك التجربة؟ كيف سينجزون التغيير بغياب  التأثير على هيكل وبنيان وأداء الكيان الاجتماعي او الاداري او البلدي في حالتنا..؟

انتصار الجبهة عام 1975 هو مادة للدراسة السياسية والفكرية عن الاعداد السياسي ، الفكري والاجتماعي وادارة القوى المشاركة في  عملية التغيير لانجاز التغيير.  لا يبدو لي ان مستعملي هذه الشعارات على وعي بأبعاد هذه التجربة، خاصة مرشحة التجمع (حزب عزمي بشارة) حنين زعبي التي تدعي انها ستصنع التغيير، ربما لبعد المسافة عن قطر..  يمكن ، للتسهيل على اصحاب الشعارات التي لا يفقهون معناها ان نُعرف التغيير بشكل مبسط لعلهم يكفون عن بهدلة الاصطلاحات الفكرية، التي تقحم بعشوائية تليق بمسرح التهريج. نقول  بأن “التغيير”(عشيق كل المرشحين في الوسط العربي) هو ناتج الجهد البشري في محاولاته لإصلاح واقعه وللتغلب على المشاكل التي تحد من طموحاته.

هل في واقع الناصرة مع ادارة بلدية تسهر على تنفيذ ارقى المشاريع وأكثرها الحاحا في ظروف سياسات رسمية تمييزية وإضطهادية ضد الأقلية العربية، يبقى لشعار التغيير من معنى ايجابي، ام ان التغيير يصبح صراعا للوصول الى منصب وامتيازات شخصية ومخترة قبلية؟ ارى ان الناصرة فوق كل الأطماع الشخصية. نريد مدينة وليس مضارب قبيلة، نريد مجتمعا متنورا وليس مجتمع مخاتير. نريد ادارة تخطط وتقود التطوير وليس ادارة توزع الوعود ولا تنفذها…او تتصرف بمقدرات البلدية حسب اهواء شخصية مخالفة لكل عرف قانوني.

اعطوني تفسيرا للتغيير الذي ترقصون على انغامه لعلي ارقص معكم!! شعارات “نحن لها” و “إسّا وقتها” و” نحن البديل” ودفاتر تسجيل الوعود والصور العملاقة و”البلدية لكل الناس”  لا تخاطب عقل انسان حضاري بل  تخاطب مشاعره،  واذا احتلت المشاعر مكان العقل فالويل لهذه المدينة !!ّ  [email protected] .

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة