ذكرى السادس من اكتوبر

 

التصنيف : فضاءات عربية (::::)

د. عادل محمد عايش الأسطل – فلسطين المحتله ( :::::)

صحيح أن مفاجأة حرب السادس من أكتوبر المجيدة في العام 1973، التي خاضها الجيش المصري ضد العدوان الإسرائيلي، قد غيّرت مسار التاريخ وقلبت موازين القوى، بعد أن ضربت العدو الإسرائيلي في مقنل، فأهانت هيبته، ومزّقت شعاراته، وقتلت طموحاته بالتوسع وتحقيق إسرائيل الكبرى، بعد أن تعوّدت الدولة الصهيونية أن يمر يوم الغفران بسلام، واعتادت الاحتفال بأعيادها الدينية والقومية بالتنزّه في أرجاء البلاد، لا سيما في مستعمراتها على طول شواطئ سيناء. لقد سجّل التاريخ ذلك الانتصار باعتباره مقدمةً للمضي قدماً نحو تحرير كامل تراب الوطن وإعادة ما فقده الإنسان العربي أينما وجِد من عزة نفس وكرامة، بقيادة الدولة المصرية التي كان لها أن يعترف العالم كلّه منذ ذلك الوقت، أن بيدها الحرب وتملك مفتاح السلام أيضاً، باعتبارها قائدة الأمّة العربية الأكثر عدداً والأقوى عدةً وعتاداً.

لكن أطل علينا شيء مفاجئٍ آخر، لم يكن متوقعاً لدى الجميع على مستوياتهم القيادية والشعبية، وهو قبول الرئيس المصري “أنور السادات” دعوة الإسرائيليين بزيارة القدس التي أنتجت معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية، والتي تم التوقيع عليها في العام 1979، ولم تمضِ أربعة أعوام على ذلك الانتصار. وبسرعة ترتّب على هذه الاتفاقية انعكاسات مؤلمة، حيث مثّلت سبباً رئيساً في شق الصف العربي حينها، بإقصاء مصر وتشكيل جبهة (الصمود والتصدّي)، إلاّ أنها كانت ذات فائدة للدولة المصرية على الأقل، كما فنّدها مؤيدوها منذ ذلك الحين. ولم يقتصر الأمر عند ذلك الحد، بل أن الرئيس “السادات” قد أوغل كثيراً داخل المنظومة الغربية خاصة الولايات المتحدة، ولم يُعط ظهره للشرق فقط، بل للعالم العربي أيضاً، بلغ إلى حد الفكاك من روابط القومية العربية والتملّص من مسؤوليات مصر باتجاه قضايا العالم العربي وخاصةً القضية الفلسطينية.  منذ امتداد ألسنة الربيع العربي إلى مصر في الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2011، والتي أطاحت بالرئيس المصري “حسني مبارك” فقد شهدت البلاد الكثير من التقلبات السياسية والأمنية، التي لم تكن سارة تماماً ولم تكن مخيفة أيضاً، بسبب أن المشهد الربيعي قد قذف بجملة من الأحداث المتناقضة أبانت بقدرٍ عالٍ من الدقّة والوضوح درجة الارتباك الشديدة التي حصلت بين أطرافٍ مصرية عِدة، حول كيفية إثبات كياناتها المتباينة على الساحة السياسية بطريقة أو بأخرى( الدولة العميقة، التيارات الوطنية والإسلامية، الجيش)، وبالرغم من المحاولة في تغليب المسار الديمقراطي، تلبيةً لروح الثورة أولاً وللمجتمع الدولي ثانياً، فقدً استلم التيار الإسلامي (الإخوان المسلمين) مقاليد الحكم في البلاد، في أعقاب انتخابات تشريعية ورئاسية كانت محل شفافية ونزاهة. وفي حين – كما يدّعي- أنه قام بالتشمير منذ اللحظة الأولى لاستلامه الحكم بالعمل من أجل مصر والشعب المصري، قام الجيش بعد سنةٍ واحدة بقيادة الفريق أول “عبدالفتاح السيسي” وبالتحديد في الثالث من يوليو/ تموز الماضي، بالإطاحة به واعتقال قياداته، بسبب ادعائه بأن ثورة شعبية ضده هي سبب تصفيته من الساحة السياسية، كونه فشل في إدارة الحكم وأخونة الدولة من جهةٍ أخرى.

وعلى عكس التوقعات وخاصةً الفريق “السيسي” لم يتخلَ الإخوان عن الحكم بسبب حصولهم عليه بطريق الشرعيتة، وفي المقابل فإنه لا يمكنه التراجع إلى الوراء سنتمتراً واحداً، بسبب أن هناك خارطة طريق- ديمقراطية- وهو عازم على تطبيقها، وأن على الجميع الهدوء.

الآن وفي ذكرى 6 أكتوبر، وبعد ثلاثة أشهر من عزل الرئيس “محمد مرسي” وإعلان خارطة الطريق في الثالث من يوليو، لم تهدأ المظاهرات والاحتجاجات المناوئة للجيش والرئاسة المؤقتة والحكومة، بالرغم من الإعلانات المتكررة من أن الجيش والحكومة قادران على كل شيء من خلال الحكم باسم الديمقراطية، ويعلنان سيطرتهما على الوضع برمّته، وأن الأمور في طريقها إلى الهدوء والاستقرار، وفي نفس الوقت يجري تكذيب كافة الأنباء وما تتناقله الفضائيات والصحف المناوئة والمستقلة، بشأن ليس تتابع الاحتجاجات وحسب، بل تفاقمها إلى الأسوأ، ومن إبراز أعمال عنفٍ وقهر ضد المتظاهرين من ناحيةٍ أخرى. يريد الجيش من المناوئين له التسليم بما جرى والانقياد إلى خارطة الطريق في أفضل الأحوال، ويريد أيضاً صد المعارضين بكافة مستوياتهم باعتقالهم وإدانتهم وقتلهم في أسوأها، وأن لديه رخصة باللجوء إلى ذلك من المؤسسة الدينية الأزهرية. وبالمقابل يريد المتظاهرون أيضاً إسماع صوتهم أكثر مما يريدون إسكاته. والذي يبلغ في أقصاه استرداد الشرعية وفي أدناه معاقبة كل من قام بالانقلاب عليها، وعلى رأسهم الفريق “السيسي”، وهنا تبدأ المشكلة التالية.

كان يوم الجمعة الفائت، امتحان للجيش بعد سلاسل عاصفة من الاحتجاجات وبصورة مميزة ولافته. بيد أن الامتحان اليوم سيكون أكثر جدية لأن أنصار الشرعية سيعودون إلى الميادين التي تظهر احتجاجاتهم كأفضل ما يكون، سعياً في استرداد ما يصفونه بالشرعية. وأخلت قوّاته ميدان التحرير من بضع مئات من الناشطين المناهضين له، ومكنت من عودة مؤيّديه إلى نفس الميدان. وقد أراد الفريق “السيسي” على لسان الرئيس المؤقت “عدلي منصور” أن يثير العواطف لدى الشعب المصري، فأعلن أن لا تراجع عن خارطة الطريق وعن مشاريع التنمية المخطط لها.

لكن كما يبدو، فإن شرائح مختلفة من الشعب المصري (إخوان، سلفيين، وطنيين) وغيرهم، انتهت إلى أنه لا يوجد لديها في واقع الأمر ما تخسره، وهي ماضية – كما تقول- حتى انهاء الانقلاب. بسبب أنه يصعب على شعب يعيش فيه ما يقارب من ثمانين مليون إنسان تحت خط الفقر أو قريباً منه، أن يخشى فقدان القليل الموجود، ناهيكم عن معاناته من تداعيات الحكم الآتي من ظلم وقهر وسلب حريّات وتكميم أفواه. حتى هذه اللحظة، الأمر جدّ صعب، فالشعب المصري منقسمٌ على نفسه في بيئة ساخنة ومهيّئة أكثر من أي وقتٍ مضى لتطورات لا تسمح لمشاهديها بأن يأملوا خيراً، لا سيما وأن ليس لأيٍّ من الأطراف المتصارعة النيّة بالسماح بذلك، على أن –لا سمح الله- وفي هذه الحالة ليس الشعب المصري الذي سيخسر وحده، بل العالم العربي والإسلامي أيضاً. ويأتي التساؤل فقط وهو من يبدأ بالهدوء ويبادر بالمصالحة أولاً، الجيش أم جموع الشعب؟

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة