في الرد على الرد الذي اثاره مقال جواد بولس

 

الرابط : فضاءات عربية (::::)

نبيل عودة – الناصره – فلسطين المحتله (::::)

اثار مقال المحامي جواد بولس ” الناصرة اخت لبيت لحم” عاصفة من الردود ، وهو امر توقعه جواد بولس ايضا، وكنا تحدثنا عن الموضوع قبل نشر المقال. ما توقعته ايضا ان الحوار سيبتعد عن الدافع لكتابة المقال، عن الأفكار الأساسية التي يطرحها جواد في مقاله، وسيتركز حول صيغة ليست جوهرية انما طرحت من منطلق رؤية جواد لحقائق مؤلمة تعصف بالواقع المسيحي الشرقي. جميع ردود الفعل ردا على جواد بولس، من مسيحيين ومسلمين، ذهبت نحو الهامش في مقال جواد بولس، وانا انسبها لعدم فهم المقروء ، او لاستغلال طرح موضوعي عقلاني في حلبة طائفية ضيقة. اي استمرارا لما حذر منه جواد بولس في مقاله. جاء في مقال جواد:

“أكتب اليوم عن فلسطين، ومن باب واقع معيش وسيرورة تراها الأكثرية ولا تعيرها اهتمامًا مؤثرًا، فمصير المسيحيين العرب في فلسطين قد حسم عمليًا، وهم في حالة تشبه ما يصطلح عليه في علوم الأحياء والأنثروبولوجيا “نوع في حالة انقراض”. تعداد المسيحيين العرب في فلسطين في تناقص مستمر. بعض المواقع شهدت “تبخّرهم” الكامل، وفي مواقع أخرى تجري عملية “التبييض” هذه بوتائر تكفل إغلاق ملف التعايش المشترك تمامًا كما خطّط له من خطَّط (في غزة بقي زهاء ألف وخمسمائة مسيحي فقط. بينما في القدس، بلد القيامة والصليب، يسكن ما يربو عن خمسة آلاف مسيحي)”. هنا لب المشكلة وليس الحفاظ على منصب لطائفة معينة، هذا الطرح جاء اجتهادا من جواد لايجاد طريق توقف “حالة الانقراض” وكنت اتوقع حوارا عقلانيا حول كيف نوقف انقراض المسيحيين في الشرق. وطرح اراء جريئة يخاف البعض ان يجاهر بها لأسباب لا تخفى على أحد.

انتخاب رئيس بلدية ليس هو المعيار ، الناصرة انتخبت مرارا توفيق زياد المسلم بأكثرية مسيحية، وانتخب رامز جرايسي ليس بأصوات المسيحيين فقط انما بأصوات المسلمين أيضا. وهذا سيتكرر في هذه الانتخابات ايضا!!

المشكلة ليست هنا ، ولم يكن هدف جواد بولس طائفيا، وهو الذي يحمل هما وطنيا وقانونيا في الدفاع عن الأسرى الفلسطينيين بدون تمييز بين مسيحي ومسلم، وتشهد على ذلك مقالاته العديدة، ويكاد يكون الصوت الوحيد الذي فضح اساليب التعامل الاستبدادية للاحتلال مع الأسرى في سجونه. شخصيات عربية مرموقة في العالم العربي ، ومنهم الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل ، والأمير السعودي طلال بن الوليد وغيرهم، تنبهوا وحذروا من انقراض المسيحيين العرب في الشرق  من رؤيتهم اهمية الدور المسيحي في الدفع للتطوير الاقتصادي بصفتهم من الطبقات الوسطى صاحبة المصلحة الأساسية في النهضة الاقتصادية التي تعود بالخير على الأقطار العربية، الى جانب قدرتهم على التواصل مع الغرب وبناء جسور مع المجتمعات الغربية لما فيه مصلحة العالم العربي، ليس سرا انه لا تقدم لأي قطر في عصرنا بدون التكنولوجيات والمبتكرات العلمية التي انجزها الغرب .. وحذروا من ان هجرة المسيحيين ، بما فيها العقول العلمية (وهي نسبيا كثيرة) ستكون بمثابة كارثة للعالم العربي.

لا يمكن تجاهل الدور الذي قامت به الارساليات المسيحية في الشرق من احداث نهضة تعليمية، ببناء مدارس ونشر التعليم في زمن افتقر الشرق للمدارس والتعليم وسادت الأمية بشكل واسع ومدمر للمجتمع العربي. حتى المطبعة الأولى في العالم العربي، أقيمت على يد الآباء اليسوعيين  وساهمت بإحداث ثورة ثقافية في النشر  الثقافي والعلمي، رواد الصحافة والمسرح بدأها ابناء الطائفة المسيحية. لعب الآباء اليسوعين في لبنان دورا عظيما في انقاذ العربية من التتريك. هل يمكن تجاهل دور ادباء المهجر في النهضة الثقافية  واللغوية  ونشر الفكر التقدمي والثوري، وكلهم بشكل مطلق من ابناء الطوائف المسيحية؟ هل نسينا ان آباء الفكر القومي العربي جاءوا من ابناء الطوائف المسيحية ايضا؟

الآن، بمقال جواد بولس، لا نرى الا ما جاء بشكل ثانوي لإثارة التفكير والحوار العقلاني، باتخاذ خطوة تحمي الشرق العربي من التفكك، من التحول الى مجتمع منعزل منشق على نفسه، يفتقد لقوى وطنية اساسية، يفتقد لقوى اقتصادية هامة، يفتقد لعقول علمية تعطي ثمارها للغرب  لأن الواقع المجتمعي يدفعها لمغادرة اوطانها والبحث عن مجتمعات تقبلها وتعاملها بمساواة واحترام لحقوقها الانسانية، بدون حرق، بدون قتل وبدون تحريض عافته نفوسها!!( انصحكم بقراءة رواية “شيكاغو” لعلاء الأسواني التي توضح الواقع الطائفي افضل من مليون مقال)

جواد يطرح ما قامت به السلطة الفلسطينية من الحفاظ على الفسيفساء الاجتماعية، كما كتب:”  بتأمين تمثيل قيادي لبقايا المسيحيين في المواقع ذات البعد والمعنى التاريخي، ينم عن قناعة وطنية ومسؤولية تاريخية ذات أبعاد حضارية ثقافية ودبلوماسية”.

انتبهوا لما يكتبه جواد:”لا يعنيني في هذا الشأن المكسب الطائفي الكنسي، بل ما سيحقّقه هذا القرار من مردود ومعان وما سترمز إليه هذه الخطوة”. الموضوع ليس طائفيا كما غرق اصحاب الردود في نقاشهم، جواد انسان علماني وليس صاحب تفكير طائفي ، وتشهد له خدماته القانونية للأسرى الفلسطينيين على ما أقول. انا ايضا لا ارى ان الحل بجعل منصب رئيس البلدية في الناصرة وقفا على طائفة، وانا على ثقة ان جواد ايضا لم يكن هذا قصده، انما طرح موضوع المسيحيين بكل حدته ومخاطره ، لا مشكلة لأي مسيحي مع رئيس بلدية مسلم، لكننا لن نشعر بأمان اجتماعي مع رئيس بلدية متعصب دينيا (ينتمي لتيارات اصولية) ، حتى لو كان اصوليا مسيحيا. نريد رئيسا حضاريا متنورا لا يبني حساباته على مواقف ترفض الآخر وتعتبره دخيلا وكافرا والى آخر هذه الاسطوانة التي مللنا من سماعها وتكرارها يوميا على مسامعنا بلا حياء ولا خجل ، دون ان نسمع صوتا عقلانيا يقول لمروجي الكراهية للمسيحيين: كفى!! للأسف الحوار تمركز حول القشور، وفاجأني احدهم بطلب من الحزب الشيوعي والجبهة ان فصل جواد بولس، مثبتا انه لا يعرف عن جواد شيئا، جواد ليس عضوا في الحزب الشيوعي او الجبهة، وتأييده الانتخابي هو خياره الحر.. من رؤيته ان الحزب الشيوعي وجبهته، يمثلان افضل تمثيل سياسي الجماهير العربية، ويطرحان المواقف الأكثر عقلانية وموضوعية بكل ما يتعلق بواقع الجماهير العربية ، بكل اطيافها الطائفية. للأسف معظم الحوار حول مقال جواد بولس تميز بالصراخ دون استيعاب ما طرحه جواد بولس من قضية هامة وملحة تحاج الى علاج وليس الى صراخ ومعط شعر وتشنج ذهني.

يكتب جواد: ما دامت فلسطين كلها تعاني حالة اجتماعية واحدة، وتعيش فضاء ثقافيًا متناغمًا، فإن على قادة الجماهير العربية في داخل إسرائيل التكامل مع ما قامت به قيادات فلسطين، والتنسيق للعمل على وضع مشروع وطني مشترك، مبتدؤه دراسة مقترح يقضي ، بأن يُحفظ منصب رئيس بلدية الناصرة لمسيحي أو مسيحية من أبنائها. لا يعنيني في هذا الشأن المكسب الطائفي الكنسي، بل ما سيحقّقه هذا القرار من مردود ومعان وما سترمز إليه هذه الخطوة “.

اذن لماذا لا نوجه سهامنا للسلطة الفلسطينية ، وان نقول لها: “نرفض  مشروعك الوطني”؟

اقول بوضوح لا يهمني ولا يهم جواد بولس صعود رئيس مسلم لبلدية الناصرة او لبلدية بيت لحم  مستقبلا او رام الله.. السؤال هل يمثل الفكر المتنور ام الفكر الأصولي المنغلق المليء برفض الآخر المختلف واعتباره اهل ذمة او كافرا او من المغضوب عليهم او من الضالين؟ ولنا فلسطينيا في غزة تجربة مؤلمة من حرق كنائس ومدارس وقتل نشطاء مسيحيين!!

هنا جوهر الحوار.. ومن هنا اصطفافي مع الجبهة والحزب الشيوعي بغض النظر عن الحوار الفكري بيننا وليس حوارا حول طائفتهم. انا الى جانب رامز جرايسي ليس لأنه مسيحي، بل لآنه حضاري يشكل قاعدة أمان لمجتمع نصراوي حضاري يحترم المواطن بدون ان تشكل هويته الطائفية وزنا له حساب وساقف الى جانب اي رئيس مسلم تختاره الجبهة من نفس المنطلقات.. لثقتي ان هذا الجسم السياسي يمثل النظرة الحضارية المتنورة في التعامل الانساني بين الجميع  مسلمين ومسيحيين. قائمة الجبهة في تركيبتها هي دليل على غياب النظرة الطائفية المدمرة. ما طرحه جواد يجب ان يثير حوارا من نوع آخر .. ما هو مستقبل الأقلية العربية وما هو مستقبل الشرق العربي باستمرار الهجرة المسيحية من الشرق؟ هل سنتحول الى محمية طبيعية بعيدة عن التطور العلمي والاقتصادي ، كما هي حالة الشرق العربي اليوم ؟

ان الفجوة العلمية بين العالم العربي وسائر اقطار العالم، حتى بالمقارنة مع اسرائيل ، هي فجوة رهيبة بأبعادها واسقاطاتها على مجمل القضايا السياسية ،العسكرية ،الاقتصادية والعلمية،حين توظف اسرائيل (5%)من ناتجها القومي للبحاث العلمية بينما العالم العربي لا يوظف الا ما نسبته(0.01 – 0.03%) بالأرقام اسرائيل توظف ( 15) مرة أكثر من كل العالم العربي.  تدريج الجامعات يبين ان الجامعات العربية في قاع لائحة الجامعات العالمية، بينما اسرائيل على سبيل المثال تحتل مراكز متقدمة في المائة الأولى والثانية واول جامعة عربية تقع بعد الرقم(500 )  عمليا جامعاتنا تخرج طلاب مع شهادات وجامعات العالم ( واسرائيل) تخرج باحثين وعلماء مع تجربة. هل سرا ان هجرة العقول العربية تسبب خسائر بمئات المليارات سنويا لاقتصاد الدول العربية؟ نجد ان العقول المسيحية تشكل نسبتها النسبة الأكبر بين مجمل العقول المهاجرة، بنفس الوقت نجدها تحتل مكانة متقدمة في الجامعات ومراكز الأبحاث في الغرب. ان هجرة العقول المسلمة ايضا هي بسبب التنظيم الاجتماعي السيء ونظام دولة طائفية استبدادية، اندمج فيها الاستبداد الديني بالاستبداد السياسي، نظام يليق بالقرون الوسطى ويدفع بكل العقول المسيحية والمسلمة للهجرة.

اذن المشكلة ليست مسيحية طائفية كما فهمها اصحاب الردود المتشنجة وضيقة الأفق على جواد بولس!! الاضطهاد الذي يعاني منه مسيحيو الشرق، لا يقع بعيدا عن الواقع الاسود للعالم العربي الذي يدفع ثمنه الجميع، مسلمون ومسيحيون. المسيحيون يدفعون ثمنا من الصعب احتماله ، من هنا هجرتهم ، او هربهم، او تهجيرهم بمعنى ادق، لأنه ليس خيارهم الحر.

حان الوقت لتحرك جديد، لعدم الاستهتار بما تفرزه العقول المريضة، تحت غطاء كاذب من الدين والتدين. اللوحة التي تفرض نفسها اليوم شديدة الكآبة، تثير غضب الأوساط المتنورة جميعها، بدون علاقة للانتماء الديني او الاثني. لا شك ان للهوية الدينية مكانها في تشكيل الوعي الوطني، الثقافي والأخلاقي اذا ما احسن استعمالها. ولكن الظاهرة السائدة في عالمنا العربي في العقود الاخيرة هي ظاهرة مقيتة جداً، ومأساوية للجميع، وبعيدة عن المنطق السليم.

الاف الخطب الدينية شكلا والعنصرية مضمونا، يضج فيها الفضاء العربي دون رقيب، دون ان تشعل الأضوية الحمراء لما يريد للمجتمعات العربية ان تقبر مستقبلها فيه. الاف الشعارات المقيتة التي لا تعبر الا عن عقول موبوءة ومصابة بالشلل الفكري والانغلاق، الذي هو اخطر على الانسان والمجتمع من أكثر الأمراض فتكا.. والناصرة ابتليت بمثل هذه الشعارات دون ان نسمع اصواتا تطالب بالكف عنها وتنتقد استعمالاتها الطائفية  التي تعمق الشرخ الاجتماعي. هنا لا بد من سؤال: هل المسيحيون في الشرق هم المشكلة او الغطاء لمشكلة الانظمة الفاسدة ومناهج التعليم المتخلفة؟

[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة