مصر بحاجة للحب

 

الرابط : اراء حرة (::::)

د. ناجي شراب – فلسطين المحتله (:::::)

لقد عشت وتعايشت مع الحالة المصرية عبر سنوات طويلة ، التقيت خلالها بشرائح مختلفة من الشعب المصرى ، وعاصرت العديد من ألأحداث والتطورات السياسية السعيدة والحزينة ، ورأيت كيف أن مصر كانت الحاضنة والجسد الذي كان يحرص عليه كل مصرى في الداخل والخارج ، وكيف أن الحب لمصر كان هو السمة الغالبة في الشخصية المصرية ، وكيف أن مصر كانت البوتقة التي تنصهر داخلها كل ولاءات لمصريين ، ولمست عمق الحب الذي يحمله المواطن المصرى لمصر، وهذا الحب هو الذي وحد ويوحد كل المصريين حرصا وخوفا على مصر ، وحماية لها من أى مساس بها . لمست هذا الحب في مناسبات كثيرة ، في العدوان الغاشم على مصر عام 1956 ، وكيف التف المصريون حول الرئيس عبد الناصر رجل وصوت واحد لا يعلوه صوت  إلا مصر. وتجسد هذا الحب في المناسبات الرياضية القومية وكيف كانت الفرحة تعم كل شوارع القاهرة عندما يحقق الفريق المصرى القومى إنتصارات عظيمة ، والكل يصرخ بحب مصر ، والكل رافعا علم مصر ، حتى ألأطفال الصغار كانوا يخرجون للشوارع فرحين بأى إنتصار . ولم تقتصر هذه الفرحة علي المناسبات الرياضية ، بل عندما فاز الكاتب والأديب نجيب محفوظ بجائزة نوبل للأدب والعالم المصرى زويل بجائزة نوبل في الفيزياء كيف عبر المصريون عن فرحتهم  وكأنهم جميعا حصلوا على هذه الجائزة ، والفرحة كانت لمصر لأن أى إنجاز كان يسجل في تاريخ الحضارة المصرية . ومما أستوقفنى كثيرا هذا الإعتزاز الكبير بحضارة مصر ، وتاريخها الطويل ، وعبارة مصر أم الدنيا وكأن العالم كله قد أختزل في أرض الكنانة . ولعل من أكثر ما شدنى في هذا الحب الآية القراآنية الكريمة التي يقرأها كل زائر تطأ قدماه أرض مصر: قوله تعالى أدخلوا مصر آمنيين . صدق الله العظيم دلالة على ألأمن والإستقرار الذي كان ينشده الكل ، وهذا الإستقراروألأمن سببه حب المصريين لمصر ، وعدم سماحهم بالمساس بامنها وإستقرارها . وآتساءل أين هذا الحب ؟وهذا ألأمن والإستقرار ؟ ولم يتوقف الحب عند حدود الإنتصارات والإنجازات بل حتى في أحلك ألأوقات العصيبة التي مرت بها مصر، وأتذكر جيدا حرب 1967 ، فعلى الرغم من هذه الهزيمة والنكسة التف كل المصريون حول مصر يداوون جراحهم ملتفين حول مصر وكأنها فعلا ألأم التي يلتف حولها أبنائها يرعونها ويحمونها من أى مرض أو علة ، وأى ألم. ولعل اكبر لحظات الحب في وقت الألم عندما خرج كل المصريين يرفضون إستقالة الرئيس جمال عبد الناصر ليرفضوا الهزيمة ، ويعلنوا إصراراهم على إستعادة كرامة مصر وهيبتها . وأتذكر يوم أن خرجت كل مصر يوم وفاة عبد الناصر لتودعه بكل الحب. ومن المناسبات العظيمة التي عبر عنها الشعب المصرى في حبه لمصر إنتصار أكتوبر العظيم . هذا الحب تجسد في التضحيات والشهداء، وتحمل كل أشكال المعاناة الحياتية من فقر وبطالة وكل ذلك من أجل عيون بهية . والحديث طويل في حب مصر ، وإذا جاز لي أن أختصر تاريخ مصر كله أختصره في هذا الحب الذي كانت شعوب العالم الأخرى تحسد الشعب المصرى عليه . وأتساءل وبحزن عميق وأنا أتابع كل لحظة تعيش فيها مصر بعد ثورة يناير العظيمة والتي جمعت كل آطياف الشعب المصرى أغنيائه وفقرائه ، رجاله ونسائه ، كباره وشبابه ، وأطفاله ، لم يبقى واحدا خارج دائرة هذا الحب ، وهو السر العظيم في نجاح الثورة . أتساءل أين ذهب هذا الحب ؟ وكيف لمصرى أن يقف في وجه أخيه المصرى ؟ وهل يعقل إن هذا الشعب ينقسم إلى فريقين  متناحرين متصادمين ، وصلت العلاقة بينهما إلى حالة من العداء ؟ من المسؤول عن ذلك ؟ هل هى الثورة ؟ أم هوالدين ؟ أم السعى من أجل الحكم والسلطة وبأى ثمن حتى لو كان حب مصر؟ الذي يجرى في مصر الأن لا يعبر عن هذا الحب ، ولا يعبر عن وحدة الشعب المصرى الذي لم يعرف في تاريخه حتى في وقت وزمن أقسى انواع الحكم إستبدادية إلا الحب والتسامح ، ولا أحد يستطيع إن يميز بين هذا مسيحى وهذا مسلم ، هذا يحدث وحدث اليوم وفى زمن حكم الإسلاميين ، ومصر لم تكن في أى وقت خارجة عن دينها ، بل كان الدين من أبرز مكونات الشخصية المصرية ، ولكن الدين المتعلق بالتسامح والحب ونبذ التمايز والعنف والكراهية . اليوم نسمع هذا مع الدين ومع حكم الإسلاميين ,هذا ضد الدين ، وهذا التصنيف ترفضه الشخصية المصرية بكل مكوناتها ، وبكل هوياتها التي كانت تتوحد في هوية وحب مصر. اليوم مصر تتعرض لأكبر إختبار وتحد تواجهه في تاريخها حرب ضد العنف وضد القتل ، لا يمكن تصور مصري يقتل مصريا أيا كانت المبررات ،  مصر أكبر من الحكم ، وحب مصر يتسع للكل ، اليست مصر من تحتضن كل ابنائها دون تمييز ، والمصرى لن يجد نفسه إلا من خلال مصر، وإذا كان الأخوان أوغيرهم يعلنون حبهم لمصر فعليهم وببيان واضح وصريح إلأن إعلان مبادرة في حب مصر بوقف كل العنف ، والذهاب لحوار في حب مصر.   المصريون منقسمون حول الدستور وحول الشرعية على الرغم من أن الشرعية يمنحها الشعب وليس الحاكم ، وهى حق للشعب وليس للحاكم ،  وحول كلمة نعم وكلمة لا ، لدرجة أن الشعب إنقسم إلى شعبين شعب نعم ، وشعب لا . والكل يعرف ويدرك أن الدستور وعلى أهميته لا يبنى دولا ومجتمعا وأمة قوية , بل أن الحب الذي يحمله المصريون على إمتداد تاريخهم هو الذي بنى مصر وجعل منها دولة وأمة قوية . وبدون الحب والعطاءلمصرلن يستطيع أى فريق أن يحكم ، ولا يمكن أن يكون ثمن الحكم هو حب مصر ، فمصر باقية والحكم زائل وهذا أعظم دروس ثورة يناير التي يبدو أن القوى الطامحة للحكم والسلطة فقط لم تستوعبها . ولعلى أذكر بالعبارة التاريخية المشهورة التي كان يرددها الجميع لعنة الفراعنة والتى قد أستبدلت بلعنة الدستور، ولعنة الشرعية ، ولعنة الحكم ، فالدستور وظيفته ألأساسية أن يوحد ويجسد الولاء والإلتفاف حول حب مصر وليس تجزأة مصر وتحولها إلى شيع وكتل وجماعات متناحرة ، هذه ليست مصر التي غنى لها كل المصريين ، وحاربوا من أجلها ، ورفعوا علمها في كل مناسبة وطنية ، واليوم يريدون أن يستبدلونه بأعلام حزبية صغيرة . اين ألإعلام ؟ وأين دور المثقفين والمفكرين ؟ وأين دور الأزهر ؟ وأين دور الدعاة الصادقين ؟ أين دور المواطن العادى ؟ أين دور الجميع في حب مصر ,فمصر تريد الحب من أبنائها ولا تريد دستورا يحول مصر إلى مسيحى ومسلم ، ومسلم وليبرالى ، ونعم ولا . مصر أخيرا تريد فقط كلمة نعم من اجل مصر. دكتور ناجى صادق شراب \أكاديمى وكاتب عربي [email protected]

 

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة