التصورات والانسجام الفكري المجتمعي

 

الرابط : دراسات (::::)

د. تيسير الناشف – نيوجرسي (:::)

ثمة انتماءات متعددة: الانتماء الديني والانتماء المذهبي والانتماء القومي والانتماء إلى الدولة وغيرها من أنواع الانتماءات. وبحكم التنشئة والمستوى الفكري والعقلي والثقافي والمحيط الاجتماعي يختلف لدى الفرد الانتماء قوة أو ضعفا. الانتماءات يختلف بعضها عن بعض في مدى الالتزام بموجباتها. وهذا الاختلاف هو أحد الأسباب الهامة في اختلاف تحديد الموقف (attitude) والشخصية ونوع السلوك لدى الفرد. قد يكون حس الانتماء المذهبي أو الانتماء القومي أو الانتماء الثقافي، على سبيل المثال، قويا في دولة أو مدينة أو قرية أو قبيلة أو ضاحية أو أسرة معينة، أو ضعيفا في حالة أخرى. قد تختلف الإنتماءات في فرد من الأفراد من حيث قوة العلاقات الإيجابية أو السلبية أو المحايدة بين تلك الانتماءات. على سبيل المثال، قد توجد لدى فرد علاقات أقوى بين الانتماءين اللغوي والقومي، وقد توجد لدى فرد آخر علاقات أضعف بين الانتماءين الطائفي والقومي. إن طبيعة الإنتماء تحدد إلى حد كبير قوة العلاقات السلبية أو الإيجابية داخل الفرد الواحد.

في المجتمعات البشرية تحدث تقاطعات سلبية أو إيجابية بين جوانب أو أبعاد قليلة أو كثيرة من مختلف الانتماءات. والمقصود بالتقاطعات الإيجابية هو أن يسند أو يدعم أو يشبه جانب أو بُعد أو أكثر من جانب واحد في انتماء واحد جانبا أو بعدا من انتماء آخر أو انتماءات أخرى. والمقصود بالتقاطعات السلبية هو أن يناقض أو يضعف أو يؤخر أو ينافس أو يغاير جانب واحد في انتماء بُعدا في انتماء آخر. على سبيل المثال، يمكن للتماثل أو التعاضد بين أبعاد الانتماء الديني والانتماء القومي أو يعزز الانسجام الثقافي المجتمعي، ويمكن للتغاير والتضاد بين إبعاد الانتماء الديني والانتماء إلى الدولة أن يضعف أو أن يؤخر نشوء الدولة أو تطور مؤسساتها الضرورية أو يضعفها أو يقوضها. وتختلف الانتماءات بعضها عن بعض من حيث مدى مراعاة الشخص المنتمي لمتطلبات أو موجبات الانتماء. يوجد مَنْ يقوم بأداء قدر أكبر أو قدر أقل أو قدر غير محدد من متطلبات مضمون الانتماء، وثمة من يحمل متطلبات الانتماء محمل الجد، وبالتالي يراعي متطلبات مضمون الانتماء، وثمة من يحمل تلك المتطلبات بجد أقل أو جد ناقص. في العلاقات والظروف الاجتماعية ثمة إمكان التواصل وإمكان التنافر بين أصحاب الانتماءات وأيضا بين الانتماءات نفسها. وثمة عوامل تعمل باتجاه تعزيز التشابه والتساند بين أبعاد الانتماء وعوامل أخرى تعمل باتجاه إيجاد أو تعزيز التغاير أو التناقض بين أبعاد تلك الانتماءات. وأحد العوامل البالغة الأهمية هو كيفية تفسير أصحاب النفوذ السلطوي والسياسي والفكري والاقتصادي للعلاقات والظروف الاجتماعية المنطوية على العلاقات بين أصحاب النفوذ هؤلاء كل في مجال انتمائه. من أجل تحويل إمكان التواصل إلى حقيقة واقعة ومن أجل إزالة أو إضعاف عامل التنافر ينبغي لأصحاب النفوذ من مختلف الانتماءات في سياق اجتماعي معين – مثلا، سياق العلاقات الاجتماعية أو نظام الحكم في الدولة – العمل على التوجيه صوب تعزيز عوامل التشابه والتعاضد والانسجام وصوب إضعاف عوامل التغاير والتضاد في العلاقات بين أصحاب الانتماءات المتعددة. إن قوة أو ضعف حضور العوامل القيمية والاجتماعية-الاقتصادية يحدد حجم نطاق الانتماء. فالعامل الديني في بلدان شمال أفريقيا – على سبيل المثال – له حضزر أكبر في تحديد حضور الانتماء الوطني أو القومي نظرا إلى التجانس الديني تقريبا في تلك البلدان، وكذلك الأمر بالنسبة إلى باكستان وأفغانستان وبنغلاديش.

وفي الكرة الأرضية يحدث، عن طريق الاتصال، تأثير وتأثر في مختلف المجالات بين الناس والشعوب والبلدان والجماعات والفئات والقارات. وفي هذا الاتصال يحدث تأثير أقل أو أكبر من جانب الأفراد من تأثير أفراد آخرين. ولشعوب الأرض كافة مستويات ثقافية وفكرية وأخلاقية مختلفة. والتقدير الموضوعي والتقدير الذاتي يقرران تصور قيمة وارتفاع تلك المستويات. وأحيانا غير قليلة تكون لفئة داخل شعب لها توجه سلوكي أو قيمي أو أخلاقي محدد أو غير محدد، ويشبه ذلك التوجه توجها سلوكيا أو قيميا أو أخلاقيا واسع الانتشار في بلدان أخرى ويختلف ذلك التوجه الأول عن التوجه السلوكي أو القيمي أو الأخلاقي للأغلبية الكبيرة من سكان البلد الذي تقيم وتسكن فيه تلك الفئة. وهذه الفئة أكثر استعدادا لقبول معطيات ثقافة أولئكم السكان في بلدان أخرى. وتلك الفئة أقل استعدادا أو لا استعداد لديها، لأسباب نابعة من التهيئة الثقافية-النفسية، لقبول توجه أغلبية سكان البلد الذي تقيم تلك الفئة فيه. إن تلك الفئة تقبل أو تستوعب أن تتمثل المعطيات الثقافية للسكان في البلدان الأخرى. ويحتمل احتمالا كبيرا أن تلك الفئة تعتبر قبولها لتلك المعطيات وتبنيها مصدر اعتزاز لها وأنها دلالة على الرقي والتمدن، بينما لا توجد أسس موضوعية تشير إلى أن تلك المعطيات أفضل من المعطيات الثقافية لسكان البلدان التي تقيم تلك الفئة فيها.

إن من شأن تلقي وتبني تلك الفئة للمعطيات الثقافية من بلدان أخرى على نحو أسرع وأنشط من تلقي وتبني الأغلبية الكبيرة من سكان البلد أن يُدخل تغييرا سريعا يحتمل ألا تحبذه تلك الأغلبية، وقد يقلق التلقي والتبني أفراد الأغلبلية الكبيرة، وقد تعتبر تلك الأغلبية أن سرعة ووتيرة ذلك التلقي والتبني لا تراعيان مسألة نضج أو عدم نضج الأغلبية الكبيرة لذلك التلقي والتبني. وقد توجد هذه الحالة توترا بين الفئة المتلقية والمتبنية والأغلبية الكبيرة، وقد تكمون لها آثار سلبية وغير مرغوب فيها في البنى الاجتماعية من قبيل أخلاق أفراد الأسرة والبنية الاجتماعية-الخلقية للمجتمع. وقد تكون لها آثار أخرى لا يستطيع المعنيون بالتهيئة الاجتماعية لدى الأغلبية الكبيرة أن يتصدوا لها.

لتحقيق التواؤم الاجتماعي الشامل من الأكثر صوابا تقليل سرعة التبني من قبل فئة من الفئات للمعطيات تلبية ومراعاة لحاجات الأغلبية الكبيرة الأقل تقبلا وتبنيا لتلك المعطيات والأقل استعدادا لذلك.   ولعل من الطبيعة البشرية أنه نشأ بين فئات داخل المجتمع العام على نطاق الدولة تنافس على شغل المكانة أو المنزلة الاجتماعية العليا. وثمة مصادر متنوعة لشغل تلك المكانة أو لاعتبار فئة من الفئات أنها تتمتع – عن جدارة أو دون جدارة – تلك المنزلة. قد ترى الفئة سين أو قد يرى أفراد فئات أخرى لأسباب متنوعة أن الفئة سين تستحق شغل تلك المكانة. قد ترى الفئة سين أن الأسباب في اعتبار استحقاقها شغل المكانة العليا هي ارتفاع نسبة الذين يعرفون القراءة والكتابة في صفوف أفرادها أو الحجم الكبير للمدخول المالي السنوي لرب الأسرة، أو ارتفاع نسبة أصحاب الوظائف الحكومية وغير الحكومية الرفيعة، أو ارتفاع نسبة أصحاب بعض الحِرف والمهن في صفوف أفراد تلك الفئة، أو ارتفاع نسبة الكُتاب والمفكرين والأدباء والشعراء والفنانين والمغنين في صفوف تلك الفئة، أو طريقة السلوك الأكثر رقة أو مراعاة للأصول الذي يقوم به أفراد من تلك الفئة، أو صفة التأمل والتمهل والتعقل التي تسم سلوكهم، أو طريقة تناولهم للقضايا على المستوى المحلي والقطري والدولي أو النسبة العالية من الفنانين والفنانات في ميادين الموسيقى والعزف والغناء والتمثيل، أو أسباب أخرى، مزيج من تلك الأسباب.

وقد تجد فئة أخرى أن بعضا – وليس جميع تلك العوامل – منها قد لا يستحق أن يعتبر مصدرا أو سببا لاستحقاق أي فئة لأن تعتبر نفسها أو تعتبرها فئات أخرى مستحقة لشغل المنزلة العليا. وتلك الفئة الأخرى ترى أنها تستحق شغل المكانة العليا لأسباب تعتبرها هي وجيهة.

وأحيانا غير قليلة يكون التنافس بين الفئات على شغل المكانة الرفيعة قويا. ومن الطرق الهامة في تضييق فجوة التنافس بينها تضييق وردم الفجوات بين الفئات فيما يتعلق بمصادر رفعة المكانة. الفئات المقتنعة أو المعتزة والمغتبطة باقتناعها – عن خطأ أو صواب – بتفوق مكانتها يمكن أن يقل اقتناعها هذه أو يمكن أن تتصور أن فئات أخرى لا تقل عنها مكانة إذا شهدت أن فئات أخرى بلغت ما بلغته الفئة الأولى أو أن تلك الفئات تفوقت على الفئة الأخرى في مجالات العلم والمعرفة والثقافة والعقل والمنطق والمعقولية والمهنة والثروة وطريقة السلوك وطريقة تناول الأشياء والمستوى الفكري والعقلي للإنسان.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة