( شبه نظريه ) للايقاع وتطوره في الشعر العربي

الرابط : دراسات (::::)

بروفسور سليمان جبران – فلسطين المحتله (::::)

أمّا قبل: كنت في زيارة لبراغ، “مغترَب” الشاعر محمد مهدي الجواهري. دعيت إلى “مركز الجواهري” هناك، بإدارة الأستاذ رواء الجصاني، لإلقاء محاضرة عن أبي الفرات وشعره. ضمّت الأمسية مجموعة كبيرة من المثقفين، معظمهم من العراقيين؛ من مريدي الجواهري والمهتمين بالثقافة بوجه عام. تحدثت عن الجواهري وفنّه الشعري، ثم تشعّب بنا الحديث، بين سؤال وجواب، ليتناول قضايا ثقافية كثيرة، بما فيها محمود درويش وشعر درويش، شاغل الناس في حياته، وشاغلهم بعد وفاته. عجبت أن شابّا من بين الحضور، يبدو أنّه يكتب الشعر، سألني سؤالا عن الإيقاع في شعر درويش، وفي الشعر عامّة، لا يكاد يختلف عن سؤال طرحه عليّ أحد القراء، يوم نشرت مقالي حول الإيقاع  في شعر درويش. سألني الشابّ المذكور: هل أفهم من مقالك ذاك أن الشعر يكون أرقى فنّا إذا اقترب من النثر؟

فإلى كلّ من يعنى بالشعر، والإيقاع الشعري، من القرّاء الجادّين بوجه خاصّ، أكتب هذا المقال. ليست غايتنا هنا كتابة دراسة علمية مفصّلة، فذلك يستغرق زمنا طويلا وصفحات عديدة. ما  نرمي إليه هنا هو رسم تخطّيط تقريبي لتطور إيقاع القصيدة على مر العصور، وصولا إلى الفترة المعاصرة. طبيعي في مقال كهذا  أن نتجنب  التفصيلات المطوّلة والإسهاب في الأرقام  والشواهد من الأشعار والأبحاث، وأن يغلب عليه التعميم، متغاضين أيضا عن ظواهر هامشية كثيرة لا تمثّل، في رأينا، التيار المركزي الذي يهمّنا رصده وإبراز خط تطوّره المطّرد في فترة زمنيّة طويلة جدّا.

نبدأ بالسؤال الأساسي: هل الإيقاع ضروري في الشعر ؟

لا جدال في أن الإيقاع، أو الموسيقى، مقوّم هامّ  من مقوّمات القصيدة:[1] ” وللشعر نواح عدّة للجمال، أسرعها إلى نفوسنا ما فيه من جرس الألفاظ، وانسجام في توالي المقاطع وتردّد بعضها بعد قدر معيّن منها، وكل هذا هو ما نسمّيه بموسيقى الشعر. ويستمتع الصغار والكبار بما في الشعر من موسيقى، ويدرك الطفل ما فيه من جمال الجرس قبل أن يدرك ما فيه من جمال الأخيلة والصور”. ونحن نقول الإيقاع، أو الموسيقى ، لا الوزن والقافية، لأن الإيقاع ، في رأينا ، أوسع من الوزن رقعة، وأقلّ منه دقّة وإحكاما. فالإيقاع لا يقتصر على الشعر، بل  يتخلّل النثر أيضا، ومن يقرأ نثر جبران خليل جبران يجده غنيّا جدّا بالإيقاع الناجم عن الجمل المتساوقة أو المتقاربة طولا، وهذه قد تكون متوافقة أو متقاربة في المعنى حينا، وهو ما نسميه المماثلة، ومتضادّة أو مختلفة فيه،  وهو ما يسمى في البلاغة الكلاسيكية المقابلة.  وقد ينجم الإيقاع عن التكرار أيضا، أو عن الألفاظ المتوافقة جرسا، إلى غير ذلك مما يبتكره الشاعر الأصيل. ما زالت عالقة بالذاكرة جملة لجبران كنتُ أوردها دائما للتمثيل على الأسلوب الأدبي، لما فيها من إيقاع غنيّ وأسلوب أدبي/مجازي واضح: “مات الصيف الجميل ليحيا الخريف الكئيب”. هذه الجملة غنية جدا بالإيقاع والأسلوب الشعري، إلا أنّها لا وزن فيها بمعايير علم العروض، لأن الوزن هناك يقوم على تشكيلة من  الوحدات الإيقاعية سمّاها علماء العروض تفاعيل، وكل تفعيلة تتألّف من عدد محّدد من المقاطع الطويلة والقصيرة، وفي نظام محدّد أيضا. هذه التفاعيل قد  تعتريها بعض التغييرات الهامشية التي لا تغيّرعادة من جوهر التفعيلة ودورها في الوزن/ البحر الشعري، لكن لا مجال هنا  للخوض في دقائق هذا الوزن الشعري، كما أقرّه الخليل بن أحمد.  باختصار: في الأوزان الشعرية الخليلية غالبا ما يؤدي تبديل الحركة بسكون أو العكس إلى الإخلال بالوزن،  ومن هنا نشأ ما أباحه الشعراء لأنفسهم ، حفاظا على الوزن،  من خروج طفيف أحيانا على أحكام اللغة، وسمّاه النحاة ضرورة الشعر، أو الجوازات الشعرية.

لا بد في الشعر إذن من موسيقى معينة تعكس نفسية الشاعر إبّان عملية الإبداع، أو روح القصيدة وجوهرها، وتسوّغ من ناحية أخرى استيعابها من المتلقي، وذلك طبعا  بالإضافة إلى معاني الجمل والتراكيب والألفاظ في سياق جديد متفرّد يخلقه الشاعرالمبدع في كل قصيدة راقية. هذه الموسيقى “المرافقة” قد تكون، كما أسلفنا،  وزنا دقيقا بالغ الإحكام، كما في القصيدة الكلاسيكية، وقد تكون إيقاعا أقلّ دقّة وانضباطا كما في ” قصيدة النثر” . بل إنّ بعض الشعر يكاد  يخلو أحيانا من الإيقاع، فيخسر حينئذ أحد مقوّمات القصيدة الجيدة.

من الفرضيات المعروفة في تاريخ الأدب العربي أنّ الإيقاع الشعري تطوّر عن النثر، تدريجيا وعلى مراحل، حتى انتهى به الأمر إلى البحور الفنية الخليلية:[2] ” خطوْا من المُرسَل إلى السجْع، ومن السجع إلى الرجَز، ثمّ تدرّجوا من الرجز إلى القصيدة”. ويعتبر بعض مؤرخي الأدب الهزج أخا للرجز بهذا المفهوم.  في البداية انتقل الأسلوب، وفقا لهذه الفرضية، من نثر وظيفي مرسل إلى نثر أدبي فنّي، يُعنى فيه  بالصياغة والإيقاع، بحكم تأديته مشافهة، لا أقلّ من العناية بالمضمون. في هذا النثر الفني ، ولم يصلنا من  العصر الجاهلي إلا أقلّه ، لأسباب لا مجال لطرحها في هذا السياق، يرتفع إيقاع النصّ واضحا بتوالي جمله، القصيرة المحلاة بالسجع غالبا، بحيث يصل إلى “الوزن” أحيانا. هذا ما  نلحظه جليّا في سجع الكهّان، وفي الخطب والحِكم  والوصايا القليلة التي وصلتنا من العصر الجاهلي، وفي الأسلوب القرآني أيضا، في السور القصار خاصّة، الذي نزل كما هو معروف، موافقا للبيئة “الأدبية” المهيمنة في تلك الفترة.

من النثر الإيقاعي المسجّع انتقلوا، كما أفادنا الزيات وغيره من مؤرّخي الأدب، إلى الهزج والرجز. والرجز يحتاج منا إلى وقفة طويلة نسبيا، لما له من مكانة هامّة في تطوّر الشعر الحديث لاحقا.  يتشكل الرجز من تكرار مستفعلن ( ـ ـ ﮟ ـ )  ستّ مرات، ثلاث في كل شطر. وهذا البحر، بخلاف البحور الفنية المعروفة، قد ترد القصيدة فيه من أبيات، يتألف كل منها من شطرين وينتهي بقافية موحدة كما في القصائد المألوفة، وهذا قليل في الشعر الكلاسيكي. أو يرد مشطورا، يتألف السطر فيه من شطر واحد فيه ثلاث ثفاعيل منتهية بقافية موحّدة، وهذا هو الشكل الغالب على الرجز القديم . وقد يرد أخيرا مزدوجا، لكل بيت فيه قافية خاصة به في الصدر والعجز، كما نجد في الشعر التعليمي عادة، قديمه وحديثه على حدّ سواء.

تفعيلة الرجز هذه، مستفعلن، تصيبها أيضا تغييرات كثيرة، في الحشو، وأكثر منها في الضرب، بحيث يغدو الإيقاع في الرجز خافتا “مشعّثا” ، لا يختلف اختلافا كبيرا عنه في النثر. لهذا السبب، في أغلب الظن، لم يعتبر القدماء هذا البحر من بحور القصيدة الكلاسكية، فسمّوا القصيدة منه أرجوزة، وشاعرها راجزا أو رجّازا، لا شاعرا. بل إن الرجز كثيرا ما يدعى أيضا حمار الشعراء، لطواعيته وكثرة ما يصيبه من التغيير، واستهانة بإيقاعه ومكانته .

من ميزات الرجز أيضا، في العصر الكلاسيكي، ارتجال شطر أو أكثر منه بما يلائم الموقف، سواء قبل القتال أو في الحياة اليومية:[3] “وقال الأخفش: الرجز عند العرب كل ما كان على ثلاثة أجزاء، وهو الذي يترنمون به في عملهم وسوقهم ويحدون به”. يتجلّى ذلك أيضا في دلالة الفعل ارتجز، بمعنى ارتجل، كما في مشطور الرجز الذي ينسب إلى النبي محمد : أنا النبيّ لا كذبْ / أنا ابن عبد المطّلبْ.

هذه الميزات “الشاذّة” في الرجز ترجّح كلّها أن الرجز كان فعلا بمثابة بحر “بدائي”، سبق بحور الشعر الفنية زمنيا، وشاع استعماله في الحياة اليومية، ما أبقى فيه بعض سمات “الدونية”  أو “النثرية” في نظر الشعراء والنقاد الكلاسكيين:[4] “وقد اختلف فيه فزعم قوم أنّه ليس بشعر وأن مجازه مجاز السجع”. ولعلّ العجّاج وابنه رؤبة،  في هذا السياق، هما الاستثناء الذي يؤكّد القاعدة!

من الرجز، وربما الهزج، أو بحور أخرى مشابهة لم تصلنا، انتقل الإيقاع الشعري إلى البحور الفنية المعروفة. إذا اعتبرنا أن المعلقات السبع تشكّل، كما يرى كثيرون من مؤرخي الأدب، القصيدة القدوة في الفترة الكلاسيكية، فلا شكّ أن البحر الطويل هو البحر المهيمن في تلك الفترة، إذ إن أربعا من هذه القصائد السبع كتبت جميعها في الطويل. إلى جانب الطويل، نجد في “الطبقة” الأولى أيضا: الكامل والوافر والبسيط والخفيف أيضا، إلا أن الطويل بفخامته “الأرستقراطية” يظلّ خير ممثل، عددا ونوعا، للإيقاع في القصيدة الكلاسيكية. أما باقي البحور  جميعها، غير الأربعة المذكورة، فيمكن اعتبارها هامشية، لم تكتب فيها القصائد الجادّة عادة، بحيث يمكن إهمالها في النظرة العامة إلى الإيقاع في القصيدة الكلاسيكية. نعني بذلك الرمل والسريع والمتقارب  والمديد وما شابه.

هذه البحور الخمسة؛ الطويل، الكامل، الوافر، البسيط، الخفيف، ظلّت في الواقع مهيمنة على القصيدة العربية طوال العصور الوسطى، بما فيها عصر الانحطاط أيضا. فهذا العصر الطويل كان فترة تراجع وجمود في كل ظروف الحياة، السياسية والاقتصادية والثقافية، حتى أن بعض المؤرخين يسميها الفترة المظلمة. لذا لم تعرف القصيدة العربية في هذه الفترة أيّ منحى تجديدي يذكر، فاقتصرت على تكرار موضوعات وصور وأوزان السالفين. من ناحية أخرى ازدهرت في القرون الأخيرة من هذه الفترة صنوف عديدة متنوّعة من التلهّي اللفظي، أو ما يسمّى البديع في البلاغة، وشاع فيها أيضا التشطير والتخميس  والإخوانيات والأحاجي، بحيث يمكن اعتبار هذا الشعر “غير الرسمي” أبرز المعالم الفنية في تلك الفترة.

في سياق النظر في الإيقاع في العصور الوسطى، يجدر بنا ذكر الموشّح الذي ابتكره شعراء الأندلس. اختلف مؤرخو الأدب في أصل نشأة الموشّح : هل هو من ابتكار المشارقة، باعتباره تطويرا للشعر المسمّط، أم هو من استحداث شعراء الأندلس بتأثير الحياة الجديدة والفولكلور الغنائي المحلّي. إنها مسألة تاريخية أدبية لا تهمّنا في هذا السياق بالذات، وإن كنّا نميل إلى الأخذ بالرأي القائل إنّ هذا المبنى الإيقاعي الجديد وليد البيئة الجديدة في الأندلس.

يقوم الموشّح على وحدات سيمترية، تسمّى كل وحدة منها  بيتا، ويتألف كلّ بيت  من عدد ثابت من الأسطر؛  3-4 أسطر  ذات قافية خاصة بها هي الدور، وتلحق القافية فيه الصدر والعجز عادة، ومن قفل يضمّ سطرا أو اثنين، يُلتزم فيه نظام تقفية ثابت على امتداد الموشح، فيشكّل “لازمة” تتكرّر في كل قفل.  باختصار كان الموشّح تجديدا في الإيقاع الشعري تمثّل في تنويع القافية وتقطيع السطر الشعري في القفل إلى أكثر من قسمين أحيانا.  إلا أنّ الموشّح، من ناحية أخرى، لم يكسر البنية البيتية في الإيقاع التقليدي، ولم يلغ القافية رغم التنويع فيها.  بل إن القافية في الموشّح “المركّب” غالبا ما  تشكّل عبئا يفوق ما تقتضيه القصيدة التقليدية أيضا. بكلمة أخرى، يبدو أن ابتكار الموشّح لم ينشأ نتيجة رؤية جديدة للحياة والشعر انعكست في جميع مقوّمات القصيدة، بما فيها الإيقاع،  بل اقتصر “التجديد” على الشكل الإيقاعي دون غيره. ذلك أن الصور الشعرية، والمعجم الشعري، والمباني، لم تخرج جميعها عن المألوف المكرور في الشعر المشرقي، بل عانت في أحيان كثيرة من الركاكة والابتذال والتسطيح أيضا. هذه السمات المتناقضة  في الموشّح: تجديد في الإيقاع، وإن كان محدودا، وتقليد تامّ للشعر المشرقي في الألفاظ والمباني والتشبيهات والصور الشعرية، تشير في رأينا  إلى أن دواعي التجديد كانت “خارجية”  فعلا؛ استجابة للحياة الجديدة وفنون الغناء والتلحين ومجالس الطرب في تلك البيئة، فانعكست في الإيقاع فحسب دون أن تمسّ جوهر القصيدة. ذلك ما يجعلنا نميل، كما أسلفنا، إلى اعتبار الموشّح “منتجا” اندلسيا، كان التجديد فيه في السطح؛ في الإيقاع فحسب، استجابة للبيئة الجديدة والفولكلور الشعبي هناك، إلا أن هذه المسألة الخلافية لا تتصل طبعا بنطاق بحثنا هذا.

في العصر الحديث بدأ التغيير الحقيقي في إيقاع القصيدة، بطيئا أوّل الأمر وسريعا بعد الحرب العالمية الثانية. إلا أنه تغيير مطّرد، وإن اختلفت وتيرته، وباتّجاه واحد: الابتعاد التدريجي عن الإيقاع الكلاسيكي والخطابية التقليدية. بل يمكننا القول، إذا عمدنا إلى التعميم،  إن العلاقة بين العناصر الإيقاعية في القصيدة والمقومات الفنية الأخرى فيها، هي علاقة ضدية في أغلب الأحوال: إذا طغت الأولى انحسرت  الثانية، والعكس بالعكس!

هذا الانحسار التدريجي المطرد في الإيقاع يمكن تفسيره بعاملين أساسيين: الأول أن استهلاك الشعر في العصر الحاضر انتقل تدريجيا من استهلاك سماعي إلى استهلاك قرائي. لم يعُد الشاعر “يقف على نشز من الأرض”، أو في حضرة الممدوح، منشدا قصيدته أمام جمهوره، فتتلقّاها أسماعهم قبل عقولهم. الصحف والكتب أصبحت تدريجيا “منابر” الشعر، يتلقّاه فيها مستهلكوه بعيونهم قبل آذانهم، ويحاولون استيعابه في الفكر والخيال، مجرّدا إلى حدّ ما من إيقاعه الخارجي المتمثّل في الوزن والقافية. العامل الثاني أن الإنسان العربي المعاصر، ونحن هنا لا نتحدّث عن انقلاب فجائي طبعا، غدا أرقى حساسية وأرفع ذوقا منه في القرون الغابرة، بحكم الثقافات والمعارف الحديثة في جميع مجالات الحياة. هذا الرقيّ الفكري المعرفي من الطبيعي أن ينتقل بالذائقة الفنية أيضا من الصخب والإيقاع العالي إلى الخفوت والهمس والهدوء في إيقاع الشعر. أشبه بانتقال ذائقة المرء، أو المجتمع، تبعا للرقيّ الحضاري الفكري الثقافي، من استساغة الموسيقى الشعبية الصاخبة إلى الاستمتاع بالموسيقى الكلاسيكية الهادئة بعيدا عن الصخب والضجيج. ولعلّ هناك سببا ثالثا هو اطّلاع الشعراء المعاصرين، والمثقّفين أيضا، على الشعر الأوروبي مترجما أو في لغاته الأصلية. ذلك أن الإيقاع في هذا الشعر، حتى في لغاته الأصلية، بطيء خافت، لا يداني ما في الشعر العربي من خطابية وجهارة. على كلّ حال، أيا كانت الأسباب فالنتيجة واحدة: تحوّل الذائقة الفنية لدى الإنسان العربي المعاصر، والشاعر المعاصر بوجه خاص، من الإيقاع الخطابي الصاخب إلى الهامس الخافت، تدريجيا طبعا، ولكن في اطّراد  مستمرّ.

الشعر بالذات، بخلاف الجوانر الأدبية الأخرى، كان تأثره بالثقافات الوافدة متأخرا وبطيئا أوّل الأمر. إذا كانت الجوانر الأدبية الأخرى، الرواية والقصة القصيرة والمسرحية، جوانر جديدة استقيناها بشكلها المعروف من الغرب، ما في ذلك شكّ، فالشعر جانر أدبي عريق يزيد عمره عن ألفي سنة، وهو إلى ذلك ” ديوان العرب” ومفخرتهم. لذا كان طبيعيا أن يتأبى هذا الشعر على التأثر الفوري بالأدب الغربي والثقافات الوافدة.  بل إنّ بداية التجديد في الشعر كانت في الواقع   ارتدادا  إلى “عصره الذهبي” في الدولة العباسية، متخطّيا قرونا طويلة من الجمود واللهو اللفظي والابتذال في ” عصر الانحطاط ” . على هذا النحو نشأت المدرسة الأولى في الشعر الحديث، المدرسة الكلاسيكية الجديدة، بريادة البارودي وزعامة شوقي. فالشعر الكلاسيكي، في العصر العبّاسي بوجه خاصّ، كان القدوة في نظر هؤلاء الكلاسيكيين الجدد؛ كان همّهم في الأساس العودة بالقصيدة العربية إلى غابر مجدها، ومعارضة فحول ذلك العصر، أكثر من محاولة التجديد في المقوّمات الفنية في القصيدة. بل ظنّ شعراء الكلاسيكية الجديدة أنّهم يقدرون على التجديد في الموضوعات؛ كتابة الشعر السياسي أو الوطني أو الاجتماعي، والإبقاء في الوقت ذاته على المبنى الإيقاعي التقليدي بكلّ مقوّماته. على هذا النحو كان نصيبهم من  التجديد في اللغة الشعرية، في الواقع، ضئيلا تماما. وفي إيقاع القصيدة بالذات لم يطرأ تغيير يذكر، سوى انتقال “الزعامة” في قصائدهم من الطويل إلى الكامل الذي[5] “أصبح معبود الشعراء، وهو أيضا البحر الذي يستمتع به جمهور المستمعين من محبّي الشعر[ … ] أما الطويل فيظهر أنه لم يعد يناسب العصر الحديث” . باختصار: كما كان تجديد الكلاسيكيين الجدد هامشيا في الفنّ الشعري عامة، اقتصر تجديدهم الإيقاعي، في الأساس، على الانتقال من الطويل إلى الكامل.  قد يكون الكامل أقلّ خطابية وأكثر تنويعا وتلوينا من الطويل، إلا أنه يظلّ مع ذلك إيقاعا كلاسيكيا متميّزا، ما في ذلك شكّ. مرة أخرى أجدني مضطرا إلى التذكير اننا هنا نتناول التيار المركزي المهيمن على القصيدة في هذه الفترة، متغاضين عن النتاج الهامشي، من شعر تعليمي وإخوانيات وأناشيد وما شابه، الذي يتخلل أحيانا دواوين بعض الشعراء.

بداية التجديد الحقيقي في العصر الحديث كانت، بلا شك، في الشعر المهجري، والشمالي منه بوجه خاص، في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، بزعامة جبران خليل جبران وتنظير رفيقه ميخائيل نعيمة في الغربال ( 1923). التجديد هنا كان شاملا، لا في السطح كما رأينا في الشعر الأندلسي. كان تجديدا بعيد المدى في رؤية العالم والحياة والناس، وتجديدا كبيرا في الشعر، تبعا لذلك، أصاب كلّ مقومات القصيدة، بما فيها طبعا الإيقاع موضوع مقالنا هذا. كانت المدرسة المهجرية ثورة “رومانسية” على كل مؤسسات المجتمع ومواضعاته التقليدية، بما في ذلك المدرسة الكلاسيكية الجديدة بزعامة الشاعر أحمد شوقي. لم يعد الشاعر لسان القبيلة ونديم السلطان، وإنما هو ” نبيّ وفيلسوف ومصوّر وموسيقي وكاهن” ، بكلمات نعيمة في غرباله. هذا التغيير الراديكالي في الرؤية والأداة أصاب الإيقاع أيضا، كما أسلفنا، حتى أن نعيمة لم ير الوزن والقافية من ضرورات الشعر أصلا:[6] “كما أن الله لا يحفل بالمعابد وزخرفتها بل بالصلاة الخارجة من أعماق القلب، هكذا النفس لا تحفل بالأوزان والقوافي بل بدقة ترجمة عواطفها وأفكارها […] فلا الأوزان والقوافي من ضرورة الشعر كما أن المعابد والطقوس ليست من ضرورة الصلاة والعبادة” .

على هذا النحو كتب المهجريون لأول مرة في هذا العصر شعرا لا يتقيّد بوزن ولا بقافية، سمّاه أمين الريحاني الشعر المنثور مرّة، والشعر الحر الطليق أخرى. هكذا يصف الريحاني هذا الشعر في كتابه “أنتم الشعراء” :[7] “يدعى هذا النوع من الشعر بالإفرنسية vers libre وبالإنكليزية free verse – أي الشعر الحرّ الطليق- وهو آخر ما اتّصل إليه الارتقاء الشعري عند الإفرنج وبالأخصّ عند الإنكليز والأميركيين”. أشهر من كتب هذا النوع من الشعر، المعروف في تاريخ الأدب المعاصر باسم الشعر المنثور، هم جبران ونعيمة والريحاني، في مطلع القرن العشرين خاصة. إلا أن الشعر المنثور لم يلاق قبولا واسعا بين قراء العربية وشعرائها على حدّ سواء؛ إما لأنه ظهر قبل أوانه، أو لأن المبنى المقطوعي بالذات ((strophic كان أكثر مواءمة للروح الرومانسية المهينمة آنذاك، بحيث يمكن اعتبار الشعر المنثور طفرة راديكالية عارضة في إيقاع الشعر الحديث.

بالإضافة إلى الشعر المنثور، كتب المهجريون في الأساس شعرا التزموا فيه الوزن والقافية، إلا أن التجديد فيه كان شاملا، سواء من حيث موضوعاته، أو لغته الشعرية، أو إيقاعه.  في الشكل الإيقاعي، وهو ما يهمنا هنا، اتخذوا المبنى المقطوعي شكلا مركزيا باعتباره يوافق الروح “الرومانسية” الغالبة بوضوح على كل نتاجهم. تتألف القصيدة في هذا الشكل من مقطوعات/ أجزاء ، وفي كل مقطوعة عدد ثابت من الأبيات/ الأسطر، ونظام ثابت من التقفية، وتتناول جزئية أو زاوية من موضوعة القصيدة بحيث تشكّل المقطوعات مجتمعة قصيدة متكاملة تتمتع، في الأغلب، بالوحدة الموضوعية، والوحدة العضوية في أحيان كثيرة. المبنى المقطوعي المذكور لا يكاد يختلف في الجوهر عن مبنى الموشّح، إلا أن المهجريين لم يغالوا في القافية مغالاة الأندلسيين، ولم يلتزموا عادة بقفل/ لازمة تتكرر في نهاية كل مقطوعة. كذلك عمد المهجريون، غالبا، إلى الأوزان القصيرة، والبحور المجزوءة، وأكثروا من القافية المقيدة، وفي ألفاظ سهلة سائغة، وهو ما جعل مناهضيهم يتهمونهم بالضعف والركاكة والخروج على الأعراف المرعية في القصيدة، وفي اللغة أيضا! باختصار يمكن القول إن المهجريين خطوا، بتجديداتهم المذكورة، خطوة حاسمة على طريق التخلص من الخطابية التقليدية، والانتقال بالشعر العربي إلى إيقاع خفيض خافت؛ ما دعا الناقد المعروف محمد مندور، في “في الميزان الجديد”، إلى تسميته، بحق، الشعر المهموس.

لعلّ نعيمة بالذات، في مجموعته الشعرية الوحيدة “همس الجفون”، هو خير من يمثل بشعره كل التجديدات المذكورة، المضمونية والأسلوبية، والإيقاعية- موضوعة هذا المقال طبعا. ففي قصيدة لنعيمة باسم ” أغمض جفونك تبصر” ، مثلا، تتمثل كل هذه التجديدات بوضوح:[8]

إذا    سماؤكَ     يومًا        تحجّبتْ     بالغيومْ أغمضْ جفونكّ تبصرْ       خلف الغيوم   نجومْ

*   *   * والأرض  حولكَ  إمّا        توشّحتْ   بالثلوجْ أغمضْ  جفونك تبصْر       تحت الثلوج  مروجْ

*   *   * وإنْ    بُليتَ     بداء        وقيلَ     داء   عياءْ أغمضْ جفونكَ  تبصر        في الداء كلّ  الدواءْ

في المشرق أيضا ظهرت في مطلع القرن العشرين، بتأثير الثقافة الغربية، وأدب المهجر ربما، جماعة الديوان؛ عباس محمود العقاد وإبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري، ثم مدرسة أبولو بقيادة أحمد زكي أبو شادي. والجماعتان المذكورتان لا تختلفان في الجوهر عن المدرسة المهجرية، وهو ما دعا العقاد إلى كتابة مقدمة الغربال مناصرا مواقف نعيمة الفكرية والفنية، قائلا:[9] “فشعرت وأنا أتابع قراءة هذه الصفحات بما تشعر به القافلة المنبتّة في المفازة السحيقة إذا ارتفعت لها قافلة أخرى تنشد الغاية التي خرجت تنشدها، وأوشكتْ أن ترتدّ عنها يائسة”.  إلا أن المدرسة المهجرية، بحكم ظروفها السياسية والفكرية والثقافية ، كانت أجرأ على التجديد، وأبعد أثرا في الشعر المعاصر، بحيث يمكن القول إنها أهم مدرسة تجديدية عرفها الشعر العربي المعاصر حتى الحرب العالمية الثانية.

في أواخر الأربعينات من القرن العشرين، بعد الحرب العالمية الثانية، وفي العراق بالذات، كان التجديد الأكبر في إيقاع القصيدة العربية. لأوّل مرّة في تاريخ الشعر العربي، غامر شعراء العراق بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة وعبد الوهّاب البياتي، وبهذا الترتيب أيضا، في كسر قالب البيتيّة في القصيدة. يلفت النظر، في هذا السياق، أن ثلاثتهم كانوا من خريجي مدرسة المعلمين العالية في بغداد، حيث تعرّفوا الشعر الإنجليزي عن كثب، فكان ذلك فيما يبدو، بالإضافة إلى التغييرات الموضوعية الكبرى بعد الحرب، من العوامل التي عزّزت في نفوسهم الرغبة في التغيير والتجديد. لا يتّسع المجال هنا للخوض في المسألة الخلافية، التي شغلت كثيرين من الشعراء والنقّاد، حول أوّل من أخذ بالمبنى الإيقاعي الجديد: السيّاب أم الملائكة. نكتفي فقط، في تبرير الترتيب الذي أخذنا به أعلاه، بالإشارة إلى أنّ الملائكة زعمت في كتابها “قضايا الشعر المعاصر”  أنها أول من كتب “الشعر الحر”[10]، كما دعته هي، في قصيدتها ” الكوليرا”، إلا أنها تعترف بنفسها في مقدّمة مجموعتها “شظايا ورماد” [11] أنّ القصيدة مقطوعية، وهي كذلك فعلا؛ تتشكل كل مقطوعة فيها من 13 سطرا، وفي نظام سيمتري صارم من حيث طول الأسطر ونظام التقفية، دونما تغيير فيه أو تبديل، بحيث تنطبق كلّ مقطوعة على أختها تمام الانطاق!

يذكر مؤرّخو الشعر الحديث أيضا، في هذا السياق، نماذج معدودة من أشعار مدرسة الديوان ومدرسة أبولّو، خرج فيها أصحابها على البيتية، أو بعض  الأصوات التي نادت بتحطيم “عمود الشعر” مثل: أحمد زكي أبو شادي، خليل شيبوب، نقولا فياض، علي باكثير، مصطفى بدوي، لويس عوض.  إلا أنّ هذه النماذج والأصوات جميعها ظلّت في نطاق التجريب والتنظير، إمّا لأنّ الظروف الموضوعية لم تكن بعد مهيّأة لهذه الثورة الحقيقية، قبل الحرب الثانية وضعضعة الأنماط السائدة، أو لأن أصحاب هذه النماذج والدعوات لم يملكوا المواهب الشعرية القادرة على إنجاز هذا التغيير الجريء في نتاج شعري راقٍ يشكّل قدوة تُحتذى لمن يرغبون في كتابة شعر جديد.

يتمثل التغيير الأساسي، في المبنى الإيقاعي الجديد، في كسر البيتية، كما أسلفنا. لم تعد القصيدة الجديدة تتشكّل من أبيات ذات شطرين، سيمترية متساوية الطول، تختمها القافية فتشكل “حاجزا” إيقاعيا ومعنويا  بين البيت وتاليه، بل من أسطر تطول أو تقصر تبعا لرغبة الشاعر. ولم يعد للقافية أيضا نظام ثابت يُفرض على القصيدة مسبقا، كما في المبنى الكلاسيكي أو المقطوعي، بل تركت الحرية للشاعر كاملة في الأخذ بنظام القافية الذي يراه موافقا للقصيدة. هذه “الحرية” التي مارسها الشاعر في تحديد طول السطر ونظام القافية، جعلت نازك الملائكة تسمي هذا المبنى الإيقاعي الجديد “الشعر الحر”، وهي تسمية غير دقيقة طبعا، لأنّ المبنى الجديد لم يتخلّ عن الوزن ولم يتخلّ عن القافية، كما هي الحال في “الشعر الحر” في الغرب. لذا اقترح النقاد تسميات أخرى كثيرة، إلا أن مبنى التفعيلة، أو المبنى التفعيلي، في رأينا، هي أبسط التسميات وأقربها إلى تشخيص هذا المبنى الجديد.

ترى الملائكة أيضا، في مقدّمة مجموعتها “شظايا ورماد”، أنّ هذا المبنى الإيقاعي الجديد ” ليس خروجا على طريقة الخليل، وإنما هو تعديل لها”. صحيح أن شعر التفعيلة أبقى عل الوزن والقافية، كما أسلفنا، إلا أنّ التغيير المذكور أعلاه لم يكنْ تغييرا هامشيا، بل  كان تغييرا جذريا  واكب اختلاف الرؤية والصورة واللغة والمعجم الشعري في نتاج المجدّدين بعد الحرب العالمية الثانية، وفتحَ القصيدة على مصراعيها للتيّارات الفكرية والفنية الحديثة الوافدة من الغرب.

عن كسر البيتية المذكور في المبنى التفعيلي، نجمت ظاهرتان هامتان، كان لهما أبعد الأثر في تشكيل القصيدة الجديدة. الظاهرة الأولى هي ظاهرة إيقاعية؛ ظاهرة التدوير. والتدوير في القصيدة الكلاسيكية هو التقاء الصدر والعجز من البيت في كلمة واحدة؛ أو بكلمة أخرى انقسام الكلمة إيقاعيا بحيث ينتمي بعضها إلى الصدر، والبعض الآخر إلى  العجز، وأكثر ما يرد التدوير، في المبنى الكلاسيكي، في المجزوءات، وفي البحر الخفيف بشكل خاصّ. أما في المبنى التفعيلي، حيث زال نظام الشطرين، فالتدوير يقع بين السطر وتاليه طبعا، وقد يمتدّ إلى عدد من الأسطر يطول أو يقصر وفقا لرغبة الشاعر. على هذا النحو، لم يعد آخر السطر هو آخر الجملة الإيقاعية أيضا، إذ يؤدي توقّف القارئ في آخر السطر المدوّر إلى ثلم التفعيلة المشتركة بين السطرين. بذلك يسهم التدوير في المبنى التفعيلي في الحدّ من ارتفاع الإيقاع، كما هي الحال في الخرم في أول البيت الشعري الكلاسيكي.  بل إن بعض الشعراء ذهبوا بظاهرة التدوير إلى أبعد مداها، فكتبوا القصيدة المدوّرة؛ وتتمثّل هذه في كتابة قصيدة من صفحة أو أكثر، في أسطر ممتلئة، من الهامش إلى الهامش، وفي إيقاع مدوّر متواصل، تكاد تختفي فيه القافية تماما، وتتخفى فيه القصيدة بزيّ النثر، كتابةً وعلامات ترقيم.

الظاهرة الثانية هي ظاهرة نحوية/معنوية، تسمّى في العروض الكلاسيكي التضمين، أو التتميم . والتضمين هناك هو عبارة عن اتصال بيتين نحويا بحيث يشكّلان جملة نحوية واحدة. تعتنبر هذه الظاهرة عيبا من عيوب القافية في العروض الكلاسيكي، وذلك لأن البيت في هذه الحالة لا يكون مستقلا ينتهي معناه عند القافية، ما يحول دون وقوف الشاعر، وهو ينشد قصيدته، في هذا الموضع. لهذا السبب، فيما يبدو، كان التضمين مذموما، في الأساس، حين يكون أقرب من القافية، أو يقع في القافية بالذات، كما يُستنتج من الأمثلة القليلة المكرّرة التي توردها كتب النحو والعروض عادة. في المبنى التفعيلي الجديد شاع التضمين في نتاج الشعراء المجدّدين جميعا، بحيث غدا “حجر الزاوية” بعد أن كان عيبا في المبنى العمودي، كما ذكرنا. وهو أمر طبيعي في القصيدة الجديدة يسهم في تدفّق النص، متخطّيا وقفة القافية نحويا، بعد أن تخطاها التدوير إيقاعيا. يجدر بالذكر هنا أن الملائكة، في كتابها الارتكاسي المذكور، “قضايا الشعر المعاصر”، عارضت ظاهرة التدوير هذه بشدّة، وعارضت تشكيل السطر من عدد فردي من التفعيلات، تبعا لموقفها وذوقها المحافظين، فلم يكن لهذه المعارضة أيّ أثر في شيوع ذلك، بل اعتباره من سمات التجديد الحقيقي في تشكيل المبنى التفعيلي في الشعر الحديث، منذ ظهوره وحتّى اليوم. هذه التغييرات المبنوية في الشعر التفعيلي اقتربت بالقصيدة المعاصرة خطوة أخرى من النثر، سواء في كسر الخطابية الطاغية في الإيقاع العمودي، أو في الشكل، بحيث غدت علامات الترقيم المتّبعة في النثر المعاصر، عادة، ضرورة من ضرورات المبنى الجديد، يحرص عليها الشاعر المرهف، ويطلبها القارئ الجاذق، إبّان تلقّيه النص وتعمّقه. في هذا السياق، يجدر بالذكر أن  الشاعر المبدع بدر شاكر السيّاب كان أوّل من التفت إلى ضرورة رسم علامات الترقيم في المبنى التفعيلي الجديد، في مقدّمته لمجموعته الشعرية “أساطير”، سنة 1950.

كان طبيعيا أن يلاقي الشعر التفعيلي معارضة شديدة من المحافظين، النقّاد والشعراء، بحيث شهدت الفترة المباشرة بعد ظهوره معركة ضارية بين أنصاره ومعارضيه. ولم تكن هذه المعركة فنية موضوعية دائما، بل تخلّلتها أيضا دعاوى فكرية إيديولوجية لا صلة لها بالشعر في كثير من الأحيان. إلا أنّ المبنى التفعيلي انتصر آخر الأمر، شأن كل جديد تمليه ظروف الحياة الجديدة، بحيث غدا بعد عشر سنوات على ظهوره، في أواخر الخمسينات، الشكل الإيقاعي المهيمن في القصائد المنشورة في الدوريّات والمجموعات الشعرية المطروحة في السوق. فقد أحصى ش. موريه، في كتابه “الشعر العربي الحديث”[12]، 759 قصيدة في ثلاث وعشرين مجموعة، لخمسة عشر شاعرا، صدرت حتى عام 1962، فوجد 515 منها تنتمي إلى الشعر التفعيلي! ولعل في نشر شعراء كثيرين، في تلك الفترة، قصائد كلاسيكية الإيقاع، ينثرون فيها البيت الواحد على سطرين أو أكثر، إيهاما بالمبنى التفعيلي، خير دليل على انتصار الشكل الجديد واحتلاله المركز في النتاج الشعري آنذاك.

في أوّل العهد بالشعر التفعيلي، كانت للبحر الكامل هيمنة واضحة على هذا المبنى الجديد. لم يتحرّر الشعراء تماما، في المرحلة الأولى من المبنى التفعيلي، من الكامل الخطابي الذي ألفوه في شعر الكلاسيكية الجديدة قراءة ، وكتابة أحيانا. فالكامل من البحور البسيطة التي تتشكل من التفعيلة ذاتها، متفاعلن، تتكرر ستّ مرّات، وهو بذلك أكثر طواعية من البحور المركبة لكتابة المبنى التفعيلي الذي يتشكل سطره من عدد متغير من التفعيلات. بل إن بداية المبنى التفعيلي أبقت إلى حد بعيد على القافية، المقيّدة غالبا، دونما تدوير كثير تبعا لذلك، بحيث تبدو النماذج الأولى منه، في كثير من الأحيان، قريبة إيقاعيا من المبنى الكلاسيكي التقليدي. ولعل قصيدة “السوق القديم” لبدر شاكر السيّاب[13]، المكتوبة في البحر الكامل، الحافلة بالقوافي حتى لا يكاد يخلو سطر منها، بالإضافة إلى “الظاهرة الواوية” البارزة في بدايتها؛ لعلها خير ما يمثّل المرحلة الأولى المذكورة، بكلّ سماتها : “الليل والسوق القديمْ / خفتت به الأصوات إلا غمغمات العابرينْ / وخطى الغريب وما تبثّ الريح من نغم حزينْ / في ذلك الليل البهيمْ”.

لم تطل  “زعامة”  الكامل في المبنى التفعيلي الجديد،  إذ سرعان ما احتلّ الرجز هذه  المكانة بشكل

واضح. ففي إحصائية موريه المذكورة، يشكّل الرجز 171 قصيدة، وإذا أضفنا إليه السريع، وهو  يتشكّل من التفعيلات مستفعلن مستفعلن فاعلن، بحيث يجوز لنا اعتباره “تنويعة” من إيقاع الرجز، يصبح عدد القصائد في هذا الإيقاع 253 قصيدة، بينما تراجع الكامل إلى 143 قصيدة فقط[14]. وفي مجموعة صلاح عبد الصبور الأولى، “الناس في بلادي” (1956) يشكّل الرجز حوالى 46 بالمئة من القصائد ( 11 من 24). ولعلّ شعر البياتي بالذات هو أكثر ما يمثّل ارتفاع الرجز على حساب الكامل في الشعر التفعيلي: ففي مجموعته التفعيلية الأولى “أباريق مهشمة” (1954)، كان الكامل 25 من 37 قصيدة ولم يتضمن من الرجز شيئا؛ في “المجد للأطفال والزيتون” (1956)، الكامل20 من 36 والرجز 5؛ في “أشعار في المنفى” (1957)، الكامل 1 من 21 والرجز 8؛ في “النار والكلمات” (1964)، الكامل 3 من 34 والرجز 21؛ وكانت مجموعة “عشرون قصيدة من برلين” ( 1959) كلّها من الرجز.  على هذا النحو انتشل المبنى التفعيلي الرجز، في المرحلة المذكورة، من ابتذاله الذي لازمه في الشعر القديم وفي المدرسة الكلاسيكية الجديدة،  على حد سواء!

تعتبر غلبة الرجز على هذا النحو الواضح، بعد أن كان سابقا “حمار الشعراء” ، محطّة حاسمة أخرى في المسار المطّرد المذكور من الخطابية العالية إلى إيقاع النثر. ذكرنا آنفا بالتفصيل ما يميّز الرجز من سمات “نثرية” و”حياتية”، بحيث يقترب في أحيان كثيرة من إيقاع الكلام العادي، وهذه الخصائص بالذات هي ما وافق الحسّاسية الشعرية الجديدة لدى شعراء المبنى التفعيلي.  يجدر بالذكر، في هذا السياق، أنّ الفترة المذكورة، منذ ظهور المبنى التفعيلي حتى أواسط الستينات، بعد ثورة 1952 في مصر، وارتفاع المدّ الناصري بوجه خاص، شهدت أيضا غلبة الشعر “الملتزم” في البلاد العربية كلّها، ما شكّل عاملا آخر في هيمنة الرجز، رغبة في الاقتراب من إيقاع الحياة؛ من نضال “الجماهير” في سبيل الحريّة والاستقلال والاشتراكية.

لعلّ أكثر ما يدلّ على سمات الرجز المذكورة، من تراجع بارز في الإيقاع، بحيث يقترب في نماذج كثيرة من إيقاع النثر، ما لاقاه  هذا “البحر” في كتاب نازك الملائكة، “قضايا الشعر المعاصر”، من نقد شديد فصّلت فيه “عيوبه” الكثيرة . اعتمدت الملائكة في نقدها للشعر التفعيلي من الرجز، وفي كتابها كلّه، على “قانون الأذن العربية”  أو الأذن الملائكية، إذا توخّينا الدقّة.  وهي أذن كلاسيكية محافظة تماما حاولت تقنين وتقييد هذا المبنى الجديد:[15]  “وكما كان اعتماد الخليل، في ضبطه للبحور والسقطات في زمانه، على حسّه الشعري، وذوقه وما يحفظ من الشعر العربي، فقد كان اعتمادي أنا أيضا على حسّي الشعري وذوقي وما أحفظ من الشعر العربي”.  لذا لم يكن غريبا أن تشير الملائكة إلى أنّ[16] “الرجز أسرع انزلاقا من الكامل إلى النثرية وضعف الموسيقى، على الرغم مما نراه في سهولة النظم على الرجز […] ومصداق ما نقول أن أخطاء الشعراء في الشعر الحرّ المكتوب على وزن الرجز أكثر بكثير من أخطائهم في ذلك الشعر وهو مكتوب على البحر الكامل”. بهذه الرؤية عابت الملائكة على الرجز التفعيلي المزج بينه وبين السريع، وإيراد تفعيلة مستفعلان في ضربه، والإكثار فيه من الزحاف[17]. وللتمثيل على هذه ” العيوب” ، أوردت سطرا من قصيدة للشاعر صلاح عبد الصبور – “وحين يقبل المساء يقفر الطريق والظلام محنة الغريبْ “-  زاعمة أنه يجمع ثلاثة من خمسة من عيوب الشعر الحرّ، بحيث أصبح هذا السطر، بسبب الزحاف في الأساس، “ركيك الإيقاع، ضعيف البناء، منفّرا للسمع”. ليست غايتنا هنا بالطبع مناقشة مواقف الملائكة الارتدادية من شعر التفعيلة في كتابها المذكور. من ناحية أخرى نريد القول إن الملائكة بمواقفها تلك تؤكّد خير تأكيد ما ذهبنا إليه من ابتعاد الإيقاع في الرجز التفعيلي عن الإيقاع الخطابي الذي ألفته “أذن” الملائكة، والانتقال بالشعر الجديد خطوة حاسمة على الطريق المؤدّي، في نهاية المطاف، إلى هجر الإيقاع الخليلي تماما. من هذا المنظور، يمكننا ببساطة اعتبار “العيوب” كلها، التي أشارت إليها الملائكة في كتابها، تجديدات هامّة أنجزها شعراء المبنى التفعيلي في إيقاع القصيدة الجديدة!

بالإضافة إلى الرجز “المبتذل” في الشعر الكلاسيكي، أكثر شعراء التفعيلة أيضا من كتابة المتقارب. هذا البحر أيضا يعتبر من البحور الهامشية في الشعر القديم، بسبب إيقاعه السهل الرشيق وأوتاده المتلاحقة، بحيث لا يوافق خطابية وفخامة المواقف الكبيرة الجادّة. يتشكّل المتقارب من فعولن ( ﮟ – – / ﮟ – ﮟ)  تتكرر ثماني  مرات أربع في كل سطر، ويجوز في ضربه أن يكون صحيحا، أو محذوفا، أو مقصورا أيضا ( ﮟ – – / ﮟ –  / ﮟ –  ه ). والنوع الثالث من الضرب بالذات وافق  القافية المقيّدة المردوفة التي أكثر منها الشعراء في العقدين الأولين من استحداث الشكل التفعيلي. لعلّ أشهر قصيدة كُتبت في المتقارب التفعيلي في المرحلة الأولى هي قصيدة عبد الرحمن الشرقاوي، “خطاب مفتوح من أب مصري إلى الرئيس ترومان”. كتب الشرقاوي هذه الققصيدة في باريس سنة 1951، ونُشرت في كتاب مستقلّ سنة 1953، فلاقت انتشارا واسعا في كلّ البلاد العربية[18]. كذلك يحتلّ المتقارب الصدارة في مجموعة نازك الملائكة الثانية، “شظايا ورماد” (1949) حيث التجديد الإيقاعي بكتابة المبنى التفعيلي، في قصائد ذاتية تغلب عليها نغمة الحزن الرومانسية. في هذه المجموعة، يشكّل المتقارب 7 قصائد من أصل 32، أما الكامل المهيمن على السنوات الأولى من الشعر التفعيلي فاقتصر على 5 قصائد فقط. لا شكّ أنها واقعة ذات دلالة في دراسة شعر الملائكة في تلك الفترة المبكّرة من حياتها ونتاجها، خصوصا إذا قارنّاها بمجموعة السيّاب “أزهار وأساطير”( 1947، 1950 ) حيث يحتلّ الكامل بالذات الصدارة ( 12 من أصل 29)،  ويأتي المتقارب في المرتبة الثانية ( 8 قصائد)، أو بمجموعة البياتي “أباريق مهشّمة” ( 1954) التي يهيمن عليها الكامل تماما ( 25 من أصل 37) ويقتصر المتقارب على قصيدة واحدة فقط. في شعر محمود درويش أيضا نجد المتقارب بنسبة قليلة في مجموعاته الأولى، ثمّ يطغى بشكل واضح في مجموعاته بعد 1972، فتقتصر مجموعاته “ورد أقلّ” (1986)، “سرير الغريبة” (1999)، “حالة حصار”  ( 2002) على المتقارب، متداخلا مع المتدارك أحيانا!

الوزن الثالث الذي انتقل، في المبنى التفعيلي، من الهامش إلى المركز، هو الخبب. يتشكّل الخبب المعروف في الشعر الكلاسيكي من تكرار فَعِلن / فَعْلن (ﮟ ﮟ – / – -)  ثماني مرّات ، أربع في كل شطر، كما في قصيدة الحصري الشهيرة “يا ليلُ الصبُّ متى غدُهُ” ومعارضاتها، ولا تتخلّله تفعيلة المتدارك الصحيحة فاعلن (- ﮟ – ) في كلّ القصائد المعروفة من هذا الوزن، رغم اعتبارها أصلا لتنويعتي الخبب المذكورتين. يضاف أيضا أن فاعلن إذ تُشعّث، بلغة العروضيين، (- ﮟ – > – – ) إنما يصاب وتدها المجموع، وهي علّة في اصطلاحهم لا زحاف؛ أي أنه تغيير جوهري في التفعيلة، يكسبها في رأينا إيقاعا مغايرا لإيقاعها الأصلي. لذا، نرى ضرورة الفصل بين الخبب (ﮟ ﮟ – / – – ) والمتدارك (- ﮟ – / ﮟ ﮟ -) ؛ بحيث يشتركان في فَعِلن ( ﮟ ﮟ – ) ، وتختصّ فاعِلن (-  ﮟ -)  بالمتدارك، وفَعْلن ( – -) بالخبب، فلا تلتقي هاتان عادة في جملة إيقاعية واحدة.

الخبب إذن هو الوزن الذي شاع في الشعر التفعيلي، وفي المرحلة الثانية بعد ستينات القرن العشرين بشكل خاص. إلا أن الخبب في الشعر التفعيلي شهد تغييرين هامّين في قصائد هذه المرحلة، ربّما للتخفيف من إيقاعه السريع المتلاحق:

التغيير الأول هو التنويع في الضرب، في آخر السطر. فبالإضافة إلى تنويعتي الخبب المذكورتين أعلاه، نجد الضرب في آخر السطر يختتم بالتنويعات الآتية أيضا: – ه (فَعْلْ)، – – ه / ﮟ ﮟ – ه  (فَعْلانْ/ فَعِلانْ)، بالقافية المقيدة طبعا، ما يخفّف من إيقاع الخبب النابض، ويقرّبه من إيقاع الحديث العادي. يقول البياتي، مثلا، في مقطع مستقلّ من قصيدة “حبّ تحت المطر”[19] : كانَ يراها في كلّ الأسفارْ / في كلّ المدن الأرضيّةِ بين الناسْ / ويناديها في كلّ الأسماءْ.

التغيير الثاني في الخبب التفعيلي تمثّل في إدراج تنويعة جديدة في ثنايا السطر، أو الحشو في اصطلاح العروضيين، هي فاعِلُ ( – ﮟ ﮟ )، وهي[20] “تنويع جديد لم يقع فيه أسلافنا. ذلك أننا نحوّل فَعِلنْ إلى فاعِلُ. وليس في الشعراء، فيما أعلم، من يرتكب هذا سواي”. حاولت الملائكة تبرير هذه التنويعة، لأنها وردت في شعرها طبعا، بالزعم أن فَعِلن = فاعِلُ موسيقيا، ما “يجعل ورود فاعِلُ في الخبب سائغا مقبولا”. ليس من شأننا هنا مناقشة زعمها هذا، وقد ناقشها غيرنا،[21] ولا نسبة هذا التجديد إلى نفسها. ما يهمّنا هنا أن هذه التنويعة أيضا تخفّف من إيقاع الخبب السريع، شأنها في ذلك شأن الأضرب المذكورة أعلاه، وهو ما دعا الملائكة وكثيرين غيرها من شعراء التفعيلة إلى الأخذ بهذه التنويعة، بل الإكثار منها في قصائدهم.

لهذه السمات في الخبب، انتشر هذا الإيقاع في الشعر التفعيلي، قليلا في أوّل المرحلة، طاغيا في مراحل متأخّرة، وعند شعراء بالذات دون غيرهم. عبد الوهاب البياتي، مثلا، لا نكاد نعثر على قصيدة من الخبب في المجلّدين الأوّل والثاني من ديوانه، حيث يطغى الرجز تماما. إلا أنه إذ “يهتدي” إلى الخبب في المجلّد الثالث، يغدو هذا الإيقاع إيقاعا مركزيا في شعره، بل إن مجموعته[22] “قمر شيراز” (1975) مكتوبة كلّها في الخبب التفعيلي عدا خمس صفحات فقط في الرجز! إذا نظرنا في شعر صلاح عبد الصبور أيضا نجد صورة أكثر دلالة بشأن الخبب ومكانته في الشعر التفعيلي. ففي مجموعة عبد الصبور الأولى “الناس في بلادي” (1956) لا نجد قصيدة واحدة من الخبب، أما مسرحياته الشعرية الخمس[23]؛ مأساة الحلاج (1964)، مسافر ليل (1968)، الأميرة تنتظر(1969)، ليلى والمجنون (1971)،  بعد أن يموت الملك (1975)، وفيها حوالى سبع مئة صفحة، فمكتوبة كلّها في الخبب، عدا 20 صفحة فقط من الرمل والرجز والهزج والمتقارب! إلى هذا الحدّ استهوى الخبب عبد الصبور في المسرحيات الشعرية التي من شأنها أن تُعرض على خشبة المسرح، وفي ذلك أوضح دليل على طواعية الخبب التفعيلي واقترابه من  النثر، في نظر عبد الصبور على الأقلّ.

إذا كان الرجز والمتقارب والخبب من البحور الهامشية في الشعر الكلاسيكي، فلا شكّ أنّ المتدارك ينزوي في هامش الهامش. بل إنّ من يقرءونه مفتوح الراء يذكرون عادة أنّ الخليل بن أحمد جهله، أو أهمله، وتداركه تلميذه الأخفش. رغم خموله المذكور في الشعر القديم، بحيث يندر أن نجد قصيدة منه في دواوين الشعراء المعروفين، مقتصرا على أبيات قليلة في كتب العروض، إلا أنه في الشعر الحديث، وفي المبنى التفعيلي بالذات، انتقل إلى الصدارة، خاصّة في المرحلة الأخيرة من الشعر الموزون، وذلك لخفوت إيقاعه في القراءة العادية بحيث يمكن أن يلتبس في أحيان كثيرة بالنثر .

ظهر المتدارك ظهورا باهتا في بعض قصائد المهجر الشمالي، وفي قصائد “تجريبية” من المتدارك التفعيلي، بين الحربين العالميتين. بل إنّ لويس عوض، في كتابه الريادي “بلوتولاند”، الذي صدر لأوّل مرّة في القاهرة (1947 )، اعتبره وزنا جديدا، وكتب فيه “قصيدتين” للتمثيل، في سياق دعوته إلى تحطيم عمود الشعر[24]. إلا أنّ هذه “التجارب”، كما أسلفنا، ظلّت هامشية، فلم تلقَ إقبال الشعراء ولا عناية النقّاد، ليكون بعث المتدارك الحقيقي مرافقا لابتكار الشعر التفعيلي بعد الحرب العالمية الثانية، وفي المرحلة الأخيرة من الشعر الموزون بوجه خاصّ.

يتشكّل المتدارك الكلاسيكي، وله أسماء أخرى كثيرة، من فاعلن ( – ﮟ – ) ثماني مرّات، أربع في كلّ شطر، وقد يصيبه الخبن، بحذف الساكن الأوّل ( ﮟ ﮟ -) في تفعيلاته كلّها دونما تقييد. أمّا الضرب؛ التفعيلة الأخيرة في البيت / السطر، فيجيء في تنويعات كثيرة أشهرها: الصحيحة فاعلن  (- ﮟ – ) المذكورة أعلاه، فَعِلْ ( ﮟ – )، فاعلاتن ( – ﮟ – -)، فاعِلانْ ( – ﮟ – ه )، بالإضافة طبعا إلى الخبن في المقطع الطويل الأوّل فيها جميعا.

يجدر بالذكر هنا أنّ المتدارك التفعيلي غالبا ما يتداخل في المتقارب، لدى شعراء كثيرين في العقود الأخيرة، بحيث يمكن القول إنّ وزنا مبتكرا نجم عن هذا التداخل أسميناه المتدارِب. نريد التأكيد هنا أنّ هذا المزج بين الوزنين لم يكن سهوا أو خطأ “يقع فيه درويش والكثير من شعراء التفعيلة”، كما يرى الشاعر شوقي بزيع[25]، بل كان مزجا متعمّدا يرمي إلى “قتل” الوزن بحيث يبدو الشعر التفعيلي جدّ قريب من النثر.  هذه الظاهرة تناولناها بالتفصيل في مقالنا “نظم كأنه نثر: التباس الحوار بين محمود درويش وقصيدة النثر”[26]، ولا حاجة هنا إلى التكرار منعا للإطالة. ولعلّ درويش بالذات هو أكثر من استخدم هذا الإيقاع، في المرحلة الأخيرة من شعره بالذات، جاعلا منه أحد “الحلول” لكتابة شعر موزون يحمل، في الوقت ذاته، كلّ خصائص قصيدة النثر اللغوية والمبنوية، ما يجعل كثيرين يحسبونه قصيدة نثر:[27]  “أودّ أن أقول إنّ كثيرين من الشعراء والقرّاء يقرأون كتبي الأخيرة باعتبارها تضمّ قصائد نثر […] فهم يحسّون أنّ أطروحات قصيدة النثر تمّ استيعابها في شعري”. باختصار، يمكن القول إنّ درويش، وبعض الشعراء القلائل من المرحلة الأخيرة، اقتربوا في شعرهم التفعيلي، في المتدارب بالذات، إلى أبعد مدى من “نثر الحياة”، بحيث تبدو القصيدة الموزونة نثرا، وما هي بالنثر[28]:

نيو يورك. إدوارد يصحو على كسل الفجر. يعزف لحنًا لموتسارت.يركض في ملعب التنس الجامعيّ. يفكّر في هجرة الطير عبر الحدود وفوق الحواجز. يقرأ “نيو يورك تايمز”. يكتب تعليقَهُ المتوتّر. يلعن مستشرقًا يرشد الجنرال إلى نقطة الضعف في قلب شرقيّة. يستحمّ. ويختار بدلتَهُ بأناقة دِيكٍ. ويشرب قهوته بالحليب. ويصرخ بالفجر: هيّا، ولا تتلكّأ/

على هذا النحو استنفد درويش، وقلائل غيره، كلّ طاقات المبنى التفعيلي، بحيث يبدو شعرهم من النثر وما هو بنثر، كما أسلفنا، جاهدين في إيجاد “بديل” إيقاعي لقصيدة النثر، بحيث يجوز اعتبار هذا الإيقاع المرحلة الأخيرة من الشعر التفعيلي قبل قصيدة النثر. بل يمكن القول إنّ هذا المبنى “الهجين” هو الاستثناء الذي يؤكّد القاعدة: لا مناص في مسار ابتعاد الشعر العربي عن الإيقاع الخليلي، تدريجيا وباطّراد، كما أسلفنا، من الوصول إلى “المحطّة الأخيرة”، إلى إيقاع النثر؛ أو الرجوع بالشعر إلى أمّه وهي النثر، بكلمات درويش، بعد أن غدا المبنى التفعيلي، بعد ما يقارب ثلاثة عقود من ابتكاره، نمطيّا مكرورا لا بدّ من تجاوزه. وقد تجاوزه فعلا معظم الشعراء في العقود الأخيرة إلى إيقاع النثر ، بحيث يمكن اعتبار هذه المحاولات لدرويش ورفاقه “القلعة الأخيرة ” في معركة طويلة محسومة سلفا.

درويش نفسه، وهو أبرز من واصل كتابة الشعر التفعيلي حتى آخر أيامه، وحاول جاهدا “قتل” الوزن فيه، كما رأينا في المقتبَس أعلاه، اعترف غير مرة أن قصيدة النثر تعتبر من أهمّ منجزات الشعر العربي الحديث، وأنها أثبتت مشروعيتها الجمالية أيضا:[29] ” لم  أكفّ عن القول إنّ قصيدة النثر التي يكتبها الموهوبون هي من أهمّ منجزات الشعر العربي الحديث، وأنّها حقّقت شرعيتها الجمالية من انفتاحها على العالم، وعلى مختلف الأجناس الأدبية”.

يجدر بنا التأكيد هنا أن قصيدة النثر، وفق معيارنا الإيقاعي الخالص في هذا المقال، تعني كلّ ما يكتبه الشاعر متخلّيا فيه تماما عن العروض الخليلي. هناك من يدعونه الشعر المنثور(Prose Poetry)، أو النثر الشعري(Poetic Prose)، وآخرون يدعونه الشعر الحرّ (Free Verse)، وكثيرون اليوم يدعونه قصيدة النثر (Prose Poem ، أو Poeme en Prose بالفرنسية)؛ وذلك تبعا للمصادر الأجنبية التي يعتمدها الناقد، والمقوّمات الفنية الأخرى في القصيدة. هذه الأنواع جميعها، على اختلاف رؤاها الفكرية وأساليبها وشعرائها، آثرنا في معيارنا الإيقاعي هنا أن نطلق عليها قصيدة نثر، نظرا لشيوع المصطلح المذكور أخيرا في كلّ ما يكتب من شعر لا يلتزم فيه كاتبه الوزن أو العروض الخليلي.

ذكرنا أعلاه أن الظهور الأول للشعر الذي يتخلّى فيه كاتبه تماما عن الوزن الخليلي، كان في نتاج المهجريين، ويعرف عادة في تاريخ الشعر الحديث بالشعر المنثور. إلا أن الظهور الأقوى والأبعد أثرا لهذا النوع من الشعر كان في أواخر الخمسينات من القرن الماضي، برعاية مجلة “شعر” البيروتية؛ وبفضل المجلّة المذكورة، والشاعر أدونيس بالذات، شاعت هذه التسمية، قصيدة نثر، التي نطلقها في مقالنا هذا عل كل ما يكتب من شعر لا يعتمد فيه مبدعه الوزن الخليلي. —————————————————

[1]  إبراهيم أنيس: موسيقى الشعر، القاهرة، 1972، ص. 8 – 9. [2]  أحمد حسن الزيات: تاريخ الأدب العربي، القاهرة، 1955، ص.29. [3]  لسان العرب، مدخل رجز. [4]  المصدر السابق. [5]  أنيس 1972، ص. 208. [6]  ميخائيل نعيمة:الغربال، بيروت، 1989، ص. 116. [7]  أمين الريحاني: أنتم الشعراء، بيروت، 1989، ص. 75. [8]  ميخائيل نعيمة: همس الجفون، بيروت،  1966،  ص. 9. [9]  الغربال 1989، ص. 6 -7. [10]  نازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر، بيروت، مكيبة النهضة، د. ت.  ص.23. والكتاب من 11 مقالة نشرتها الملائكة لأول مرة في مجلة  الآداب البيروتية في السنوات 1853 – 1960. [11]  نازك اللائكة: ديوان نازك الملائكة،  بيروت، دار العودة، 1971، المجلد الأول، ص. 18. [12]  ش. موريه: الشعر العربي الحديث، 1900 – 1970، ليدن، 1976، ص. 209 ( بالإنجليزية). [13]  ديوان بدر شاكر السياب، دار العودة، بيروت، 1971، ص. 21 – 28. وتاريخ كتابة القصسدة 3 / 11 / 1948. [14]  موريه، المصدر السابق، [15]  قضايا الشعر المعاصر، ص.80. [16]  المصدر السابق، ص. 86. [17]  المصدر السابق، ص. 65، 105، 89. [18]  انظر هذه القصيدة: عبد الرحمن الشرقاوي: من أب مصري وقصائد أخرى، القاهرة، 1989، 3 – 29. [19]  ديوان عبد الوهاب البياتي، بيروت، دار العودة، د. ت. ، ص. 533. [20]  قضايا الشعر المعاصر، ص. 111. [21]  انظر محمد النويهي: قضيّة الشعر الجديد، القاهرة، طبعة ثانية، 1971، ص. 316 – 323. [22].  ديوان عبد الوهاب البياتي، بيروت، دار العودة، المجل الثالث، ص. 409 – 541. [23].  ديوان صلاح عبد الصبور، بروت دار العودة، 1972، المجلد الثاني، 353 – 874؛ المجلد الثالث، 1977، 227 – 442. [24].   لويس عوض: بلوتولاند وقصائد من شعر الخاصة، الطبعة الثانية، القاهرة، 1989، ص. 20. [25] .جريدة  الحياة، 26/ 3/ 2009. [26]  المجلّة،  مجمع اللغة العربية في حيفا، العدد 1، 2010، ص. 23 – 39، وظهر المقال في مواقع إلكترونية كثيرة أيضا. [27]  عبده وازن: محمود درويش، الغريب يقع على نفسه، بيروت، 2006، ص. 80؛ انظر أيضا: محمود درويش، المختلف الحقيقي،  مجلة الشعراء، عدد خاص، 4- 5، 1999، ص. 22. [28]  محمود درويش: كزهر اللوز أو أبعد، بيروت، 2005، ص. 181-182. [29]  محمود درويش: حيرة العائد، بيروت، رياض الريس، 2007، ص. 148.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة