مشروعان غائبان

 

الرابط : سياسة واخبار (:::)

د. ناجي شراب – فلسطين المحتله (::::)

لا يخرج التاريخ العربى الحديث والمعاصر عن تراوح بين مشروعين متكاملين معا وهما مشروع الوحدة العربية ، ومشروع تحرير فلسطين ، وبدون المشروع ألأول يصعب تحرير فلسطين . لذلك أختزل تاريخ المنطقة كلها بمحاولات قوى إقليمية ودولية ، بإجهاض مشروع الوحدة العربية ، وإجهاض اى محاولة تكامل حقيقية بين الدول العربية ، إدراكا من هذه الدول إن دول المنطقة لو أتيحت لها الظروف الداخلية والخارجية المناسبة ، وبما يتوفر لديهم من كل عناصر القوة ، وخصوصا القوة الصلبة بإمتلاكهم القوة الإقتصادية التي بدون السيطرة عليها لا يمكن للقوى ألإقليمية والدولية أن تحقق اهافها في السيطرة والنفوذ والتمدد. بل إن دولة مثل الولايات المتحدة لا يمكن أن تضمن بقائها كقوة أحادية بدون السيطرة علي هذه المنطقة .ومن ناحية أخرى بتحقيق مشروع الوحدة العربية ما كان يمكن تصور قيام إسرائيل كدولة في قلب هذه المنطقة ، والتى أحد اهم وظائفها الحيلولة دون قيام الوحدة العربية .إذن محاولة تغييب أو إجهاض مشروع الوحدة العربية له أكثر من هدف رئيسى ، أهمها قيام إسرائيل كدولة وبالمقابل إفشال أى محاولة لتحرير فلسطين ، والهدف الثانى ضمان بقاء إسرائيل دولة قوية ، بل الدولة الوحيدة ألأقوى في المنطقة ، وثالثا ضمان إستمرار مصالح وتواجد الدول الطامعة والمتوغلة في قلب المنطقة ، وهى دول كثيرة ، ولذا نلاحظ سياسات الإستقطاب ، والتحالفات المتنازعة والمتضادة التي ترتبط بها دول المنطقة ، وتغييب أى دور للفاعل العربى في تقرير مصيره. ومن هذا المنظور التاريخى والسياسى بقيت العلاقات الإقليمية والدولية تدور في سياق هذان المشروعان ، ومحاولات الحركة الصهيونية ، والدول الكبرى المتحالفة معها وخصوصا الولايات المتحدة لا تخرج عن إطارهما. وبإستقراء السياق التاريخى نجد أول محاولات الإجهاض للمشروع الوحدوى العربى تعود إلى المحاولة ألأولى التي قام بها إبراهيم باشا لقيام دولة عربية موحده ،عندما قامت أوربا ومعها الدول الإستعمارية ألأخرى بهزيمة جيوش إبراهيم باشا وحصر تواجده في مصر ، وهذا ما يجعلنا نقفز على المراحل التاريخية ، لنؤكد لماذا دور مصر مستهدفا. وقد أكد بالمرستون وزير خارجية بريطانيا في مذكراته عام 1833 على هذه السياسة المعارضة لأى مشروع وحدوى عربى بقوله أن هدف والى مصر إبراهيم باشا كان قيام مملكة عربية قوية .وكانت محاولة الإجهاض الثانية هى الوحدة المصرية السورية عام 1958،حيث تلاقت مصالح الغرب والشرق مع الحركة الصهيونية لضرب هذه المحاولة ووأدها قبل إن تكبر، فكان التخويف منها ، وتشجيع الدول العربية ألأخرى على التصدى لها ، وعدم المشاركة فيها .والهدف واضح أن الحدود الشرقية للدول العربية مع إسرائيل يبلغ حوالى سبعمائة كيلو متر ، وبالتالى اى مشروع وحدوى يجمع دول هذه الحدود سوريا وألأردن ولبنان يعنى بداية النهاية لإسرائيل، وهذا ما قد يفسر لنا المحاولات الدائرة ألأن في سوريا ومحاولة تقسيمها وتجزئتها وإفشال بنية الدولة فيها وقبلها العراق ، هذه المنطقة معرضة للتفتيت على أسس مذهبية وطائفية وعشائرية . والمنطقة اليوم تتعرض إلى إعادة إنتاج جديدة بعد حوالى تسعين عاما علي سايكس بيكو ألأولى ، والمظاهر كثيرة إستبدال المنطقة بشرق أوسط جديد، ومحاولة تفتيت الدولة العربية الوطنية ، والنماذج كثيرة السودان ، والعراق في الطريق ، ولنبان كواقع قائم ، وسوريا مثال آخر، وهناك دول عربية مرشحة ، ولعلى هنا أذكر بان المفكر الوحدوى شكيب أرسلان قد عدد أكثر من مائة مشروع إستعمارى لتقسيم وتفتيت الدول العربية ، والحيلولة دون إجهاض اى مشروع وحدوى ، وكانت الوسائل خارجية ، وبعضها بفعل عوامل عربية بتجذر أنظمة الحكم الإستبدادية السلطوية ، وتبنى مفهوم الدولة القطرية ، وإضعاف جامعة الدول العربية ، وتهميش دورها ، وألإستمرار في سياسة فرق تسد ، وإستعادة البعد الإستعمارى في سياسات الدول الأوربية ، وتبنى مشروع إحلال أنظمة الحكم الإسلامى بدلا من المشروع العربى ، وهى بذلك تخلق تناقضا وصراعا بين المشروع العربى والمشروع الإسلامى ، لتبقى المنطقة تدور في دائرة مفرغة من الخلاف والصراع حول هويتها المفقودة ، هذه الخلافات ، وهذا الصراع الذي نشهد ملامحه اليوم في مزيد من التباعد والتنافر بين سياسات الدول العربية هو حسب رأى أباإيبان أن  هذه الخلافات هى الضمان لبقاء إسرائيل, وفى غياب المشروع الوحدوى العربى تضيع القضية الفلسطينية ، ويغيب معها أيضا مشروع تحرير فلسطين ، ليحل معه مشروع تسوية سياسية بإفتراض قيام دولة فلسطينية على ألأرض ، وقد تكون البداية لمرحلة سياسية جديدة ستعيش فيها المنطقة العربية لفترة طويلة هى حقبة السلام الإسرائيلى .واليوم محاولة ضرب الثورة المصرية يأتي في هذا السياق لأن أكبر إنجازاتها ضرب المشاريع الأخرى وإحياء المشروع العربى وهذا موضوع مقالتنا القادمة.

دكتور ناجى صادق شراب\ أكاديمى وكاتب عربى

[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة