آمال عواد رضوان تفتح افاق جديده عبر تجبرتها الشعريه

 

الرابط : فن وثقافة (::::)

وجدان عبدالعزيز – العراق (::::)

كلّ مرّةٍ أتوسّلُ ذلكَ الجَمالَ المُختفي في أعماقي، كنسيمٍ يُلامسُني حينَ انبلاجِ فجرٍ جديدٍ وقراءةِ الشّعر، أتوسّلُهُ بوُدّ، حتّى عاهدتُ الحبيبةَ في لقاءٍ مفتوحٍ على سفوحِ نهْرِنا الجميل، وبمنتهى الشّجاعةِ، أن أمنحَ العالمَ ما هو أكثَ بقاءً مِن الحُبّ، ذلك الصّدق المَسكون بوطنٍ يَجمعُنا..

هذا ما هامسَتني به أعماقي، وأنا أعيشُ لحظاتِ الشاعرة آمال عوّاد رضوان، في مساحاتِها الشّعريّةِ المُعشوشبةِ، في ديوانها “رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ”، فـتقول ص 10: (آمَال؛ لَيْستْ سِوَى طِفْلَةٍ خَضْرَاءَ انْبَثَقَتْ مِنْ رَمَادِ وَطَنٍ مَسْفُوكٍ فِي عُشٍّ فِينِيقِيٍّ مُنْذُ أَمَدٍ بَعِيدْ! أَتَتْ بِهَا الْأَقْدَارُ، عَلَى مُنْحَنَى لَحْظَةٍ تَتَّقِدُ بِأَحْلاَمٍ مُسْتَحِيلَةٍ، فِي لُجَّةِ عَتْمٍ يَزْدَهِرُ بِالْمَآسِي، وَمَا فَتِئَتْ تَتَبَـتَّلُ وَتَعْزِفُ بِنَايِ حُزْنِهَا الْمَبْحُوحِ إِشْرَاقَاتِهَا الْغَائِمَةَ، وَمَا انْفَكَّتْ تَتَهَادَى عَلَى حَوَافِّ قَطْرَةٍ مُقَدَّسَةٍ مُفْعَمَةٍ بِنَبْضِ شُعَاعٍ، أَسْمَوْهُ “الْحَيَاة”!).

يُشكّلُ (الشّعرُ والوجودُ عندها) بؤرةً رؤيويّةً تأويليّةً تعدّديّةً، تُدركُ الكينونةَ، بوصْفِها انفتاحًا للموجود، “على أنّ الإنسانَ لا يَستطيعُ معرفةَ ما لا يُمكنُ حسابُهُ، أي أنْ يَصونَهُ في حقيقتِهِ، إلّا انطلاقًا مِن مُساءلةٍ خلّاقةٍ وقويّةٍ، تُستمَدُّ مِن فضيلةِ تأمّلٍ أصيل..” )!

من هنا بدأتْ رحلتي، حيثُ تبدأ رحلةُ الشّاعرةِ آمال عوّاد رضوان، بقلقٍ مُستمرٍّ، متصاعدٍ، مُتفاعلٍ معَ أشياء الكوْنِ والحياة، وبمُساءلةٍ خلّاقةٍ وقويّةٍ، تُستمَدُّ مِن فضيلةِ تأمُّلٍ أصيلٍ.. ولا ألو جهدًا أنْ أبحثَ في مَظانّ أشعارِها، المُفعمةِ بالبحثِ الدّؤوبِ عن جَماليّةِ الحياةِ وكُنهِ الكوْن..

(الشعرُ صياغةٌ وضربٌ مِنَ التّصويرِ، “على حدِّ تعبيرِ الجاحظ، وانفعالٌ وجدانيٌّ يستجيبُ لنداءاتِ الطبيعةِ، مُعتمِدًا الإيقاعَ، اللّغةَ، الصّورةَ، مَحطّاتٍ تُساهمُ في إبداعِهِ وتَشَكُّلِهِ، وهي تحتضنُ مَضمونًا إنسانيًّا، إضافةً الى تقاناتٍ فنّيّةٍ مُضافةٍ، كالحوارِ المونولوجيّ، والتّذكيرِ، والتّذكُّر، والاستذكارِ، والتنقيطِ، والقناعِ، والرّمزِ، توظّفُها الشاعرةُ آمال لتقديمِ رؤيةٍ أو فكرةٍ مِن جانبٍ، وإضفاءِ جَماليّةٍ على نصِّها مِن جهةٍ أخرى، باسترجاعِ الأشياءِ الضائعةِ، عبْرَ حُلمِيّةٍ تعتمدُ اللّغةَ المُكثّفةَ المُتميّزةَ بانزياحاتِها عن المألوفِ، عبْرَ مَناخاتِها المُتجاوزةِ لمَوضوعاتِها والمُتقاطعةِ، وعبرَ عناصرِ الذّاكرةِ والواقعِ بكلّ موْجوداتِهِ..)! تقولُ الشاعرةُ آمال عوّاد رضوان ص 15 بقصيدة “أقمْ محرقةَ أقمارِكَ بأدغالِ مائي”: غَبَشُ شَهْقَةٍ سَحَّها أَرِيجُ اللَّيْلِ عَلَى شَلاَّلِ غِيَابِكَ/ فَاضَتْ شَجَنًا خَرِيفِيًّا عَلَى مَرْمَى وَطَنِي/ هَا الْمَوْتُ كَمْ تَاهَ فِي نَقْشِ مَجْهُولٍ/ كَمْ هَدْهَدَتْهُ هَمَسَاتُ فُصُولِكَ/ وَبِسِكِّينِ وَهْمِهِ الْمَاضِي/ كَمْ قَصْقَصَ حِبَالَ ضَبَابِكَ! / يَااااااااااااه/ كَمْ رَاوَغَهُ هَمْسُ تَأَوُّهِكَ:/ أَقِمْ مِحْرَقَةَ أَقْمَارِكَ بِأَدْغَالِ مَائِي/ بِرُفَاتِ طَيْفِي الْمَسْلُوبِ/ وَتَبَدَّدْ بِفَرَاشِي الأَزَلِيِّ!/. (وهنا تَحضرُ روحُ الشّاعرةِ آمال بجَمالها الفاضح، لتعيشَ غيابَ الآخرِ، تاهَ في نقشٍ مَجهولٍ، ولهذا كانتْ دعوتُها الانفعاليّةُ بقوْلِها:

(أَقِمْ مِحْرَقَةَ أَقْمَارِكَ بِأَدْغَالِ مَائِي)، وهنا تكمنُ رؤيتُها الجَماليّةُ، باتّخاذِها الماءَ قيامةَ حياة.. يقول هيجل: (إنّ للفنِّ هدفيْن: الأوّلُ أساسٌ، ويَتمثّلُ في تلطيفِ الهمجيّةِ بوجهٍ عامٍّ وتهذيبِ الأخلاق، والثاني نهائيٌّ، وهو كشفُ الحقيقةِ، وتمثيلُ ما يَجيشُ في النّفسِ البّشريّة)! إذن؛ الهدفُ يَكمنُ في الكشفِ عن كلِّ ما هو جَماليٌّ وجوهريٌّ في النفس، وتحفيزِها في مُؤثّراتٍ جَماليّةٍ مِن خلالِ اللّغة.

يقول عنها أدونيس: (اللّغةُ أكثرُ مِن وسيلةٍ للنّقلِ أو للتّفاهمِ، إنّها وسيلةُ استبطانٍ واكتشافٍ، ومِن غاياتِها الأولى أن تُثيرَ وتُحرّكَ، وتَهزَّ الأعماقَ، وتفتحَ أبوابَ الاستبطان. إنّها تُهامسُنا لكي نصيرَ أكثرَ ممّا تهامسْنا لكي نتلقّن. إنّها تيّارُ تحوُّلاتٍ، يَغمرُنا بإيحائِهِ وإيقاعِهِ وبُعدِهِ. هذه اللّغةُ فعلٌ، نواةُ حركةٍ، خزّانُ طاقاتٍ، والكلمةُ فيها أكثرُ مِن حروفِها وموسيقاها، لها وراء حروفِها ومقاطعِها دمٌ خاصٌّ، ودورةٌ حياتيّةٌ خاصّة، فهي كيانٌ يَكمُنُ جوهرُهُ في دمِهِ لا في جلدِهِ، وطبيعيٌّ أن تكونَ اللّغةُ هنا إيحاءٌ لا إيضاحًا). تقولُ الشاعرةُ آمال عوّاد رضوان ص28 في قصيدة “وحدكِ تُجيدينَ قراءةَ حَرائقي”:

(أَنَا يَا ابْنَةَ الْمَاءِ/ مَنِ اغْرَوْرَقَتْ دَهَالِيزُ دَهْشَتِي بِغصَّةِ زَبَدِي/ اسْتَغَثْتُ:/ أَلاَ هُبِّي نَوَافِيرُ رَمْلِي/ اِسْتَحِمِّي بِبُحَيْرَةِ ضَوْءِ حَبِيبَتِي!/ كَظَبْيَةٍ دَافِئَةٍ/ رَابَطْتِ عَلَى حُدُودِ انْشِطَارِي/ وَعُيُونُ أَصْدَافِكِ تُطَارِدُ رِيحِي!/ أَيَا كَآبَةَ فَرَحِي/ لِمَ أَلْقَيْتِ بِيَاقُوتِ صَخَبِكِ عَلَى حَوَاشِي كَبِدِي/ وَوَلَّيْتِ تَرْقُصِينَ/ تُدَغْدِغِينَ بِقَوْسِكِ الْمَاسِيِّ/ شِرْيَانَ غُرُوبٍ يَنْزِفُنِي؟) بهذهِ اللّغةِ الشّعريّةِ المُراوغةِ في فننٍ وارفٍ مِنَ الجّماليّة، تتبلورُ رؤيةُ الشاعرة آمال عوّاد رضوان، ولذلك، فإنّ (شوبنهور يَسمو بالقيمةِ الجَماليّة، ويَضعُها في أعلى مكانٍ ومستوى، يُمكنُ أن يَرقى إليهِ الإنسان). فيُقرّرُ شوبنهور في كتابه “العالم إرادة وتمثّلًا”: إنّ العالمَ حيثُ يَظهرُ ويتحوّلُ في إدراكِنا إلى تصوُّرٍ، ولكنّهُ في حقيقتِه وجوهرِهِ إرادةٌ، وانّ هذه الإرادةَ الّتي هي جوهرُ موجوداتِ هذا العالم وحقيقتُهِ، ما هي إلّا قوّةً عمياءَ غيرَ عاقلة، والغايةُ مِن الفنّ عندَ شوبنهور، هي الوصولُ إلى نوعٍ مِن الغناءِ التّامّ، أو الغبطةِ الشّاملةِ، الّتي تتحقّقُ إرادةُ الفنّانِ عن طريقِها، ومِن خلالِ إبداعِهِ الفنّيّ! وكانتْ تُداخلُني عدّةَ أسئلة، مِن خلال استمراري في قراءةِ مساحاتِ آمال الشّعريّة، عبرَ تجاربِها الكثيرةِ الّتي تبلورَتْ عن إنتاجٍ عيانيٍّ مِن الشّعر، مُردّدةً: (وَكُنْتِهِ رَغْوَةَ لُؤْلُؤٍ/ كُنْهَ صَدَفَةِ رَبِيعٍ تَغْشَى شِفَاهَ تَوَسُّلٍ مَزَّقَتْنِي/ تَنْدَهُ مِلْءَ الشَّهْوَةِ)!

فشهوةُ آمال هي البحثُ عن الجَمال ومَلاذاتِ الحُبّ، ثمّ رؤيا الاقتراب مِن الآخر، كوْنه قطبًا كونيًّا مُعادِلًا لحقيقةِ الحياةِ، وسفينتُها المُبحرةُ في هذا هي اللغة، وبهذا التعبير عن الحُبّ، من خلال اللّغةِ الّتي يَقولُ عنها أدونيس: (اللّغةُ أكثرُ مِن وسيلةٍ للنّقلِ أو للتفاهم، إنّها وسيلةُ استبطانٍ واكتشافٍ، ومِن غاياتِها الأولى أن تُثيرَ وتُحرّكَ، وتهزَّ الأعماقَ، وتفتحَ أبوابَ الاستبطان. إنّها تُهامسُنا لكي نصيرَ أكثرَ ممّا تُهامسُنا لكي نتلقّن. إنّها تيّارُ تحوّلاتٍ يَغمرُنا بإيحائِهِ وإيقاعِهِ وبُعدِهِ. هذه اللّغةُ فعلٌ، نواةُ حركةٍ، خزّانُ طاقاتٍ، والكلمةُ فيها أكثرُ من حروفِها وموسيقاها، لها وراء حروفِها ومَقاطعِها دمٌ خاصٌّ، ودورةٌ حياتيّةٌ خاصّة، فهي كيانٌ يَكمنُ جوهرُهُ في دمِهِ لا في جلدِهِ، وطبيعيٌّ أن تكونَ اللّغةُ هنا إيحاءً لا إيضاحًا).

إذن؛ إيحاءاتُ الشاعرة آمال عوّاد رضوان مِن خلالِ لغتِها الشفّافة، والمُنسابةِ إلى رُبى الروح، ترقصُ أبدًا في مِحرابها، لتتلوّنَ بالمُغايرة، وحسبَ قابليّةِ الشاعرةِ والموقفِ الّذي يَكتنفها.  ومِن هذه المَسارات، (اتّجهت القصيدةُ العربيّةُ الجديدةُ في سِياقاتِ تطوّرِها وتحديثِها المُتنوّعة، إلى الاشتغال على المعنى الشعريّ، بوصْفِهِ تجربةً تتجاوزُ حدودَ الدّلالةِ الكبرى، لتدخلَ في فضاءِ السيمياء، فكانَ المكانُ موضوعًا رئيسًا وأوّليًا مِن موضوعاتِ هذهِ التّجربة. وبما أنّ الجسدَ الشاغلُ الأساسُ للمكان، والمُنتجُ الأوّلُ للمعنى، فقد احتفتْ بهِ القصيدةُ الجديدة، وقاربتْهُ بمناخٍ مُختلفٍ ورؤى مُتعدّدةٍ، غيرَ أنّ ذلك لم يكنْ بالعمق والأصالةِ المطلوبَيْنِ عندَ الكثيرين، لكنّهُ عند البعض الآخر الواعي لحساسيّاتِ مُفرداتِهِ وخلفيّاتِها، كان عميقًا وأصيلًا ومُنفتِحًا على فضاء الموضوع.) ص138 تمظهرات. تقول الشاعرة آمال عوّاد رضوان ص32 في قصيدة “طعمُكِ مُفعَمٌ بعِطرِ الآلهةِ”:

:مُهْرَةَ رُوحِي الْحَافِيَة/ أَلاَ هُزِّي عَتْمَةَ وَجْهِي الذَّاوِيَة/ سَرِّحِيهَا نَوْرانِيَّةَ عَدَالَةٍ فِي مَسَامَاتِ جِهَاتِ مَوازينِكِ/ عَلَّنِي أَنْغَمِسُ بِكِ خُبْزَ بَرَاءَة/ لاَ تُقْصِينِي أَيَا طُوفَانِيَ الْمُشْتَهَى/ نَوَافِيرُ فَرَارِكِ فَجَّرَتْ ضَوْئِيَ اللَّيْلَكِيّ/ طَاغِيَةُ الْحُمْرَةِ بَاتَتْ شَهْقَاتُ خَيَالِي الْكَافِرِ/ كَجَذْوَةٍ مُجَمَرَّةٍ غَدَتْ خَفَقَاتِي!/

ثَنَايَا انْكِسَارَاتِي/ مَا فَتِئَتْ تُؤْنِسُنِي بِصَوْتِكِ الْمُتَهَجِّدِ/ حُضُورُكِ .. مَا انْفَكَّ يُبْهِرُنِي صُدَاحُهُ/ يَجْلِبُ لِي مِنْ كُلِّ فَجٍّ الْمَطَرَ/ يَجْعَلُنِي أَذْرِفُ كُلَّ عَنَادِلَ لِبْلاَبِي/ مَنْ يُنْجِدُنِي مِنْ سَطْوَةِ صَوْتِكِ/ حِينَ تفْتَحُ لِي غِرْنَاطَةُ السَّمَاء؟/ أَو حِينَ أَنْهَمِرُ غُيُومًا عَلَى كُلِّ مَوْجَةٍ/ تَنْدَاحُ مِنْ شَفَتَيْكِ “حَيَاتِي”؟

هذه الانطواءاتُ الشّعريّةُ العازفةُ على إيقاع اللّغة، تُظهرُ بوضوحٍ مَدى تعلُّقِ الشاعرة بالبحثِ الجادِّ والمُقلق، عمّا يُعادل رؤاها من أمكنةٍ افتراضيّة، سواء جسديّةً أو من أمكنةِ الطبيعة، لتكونَ مَحلَّ تَزاوُرِ آمال ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشّمال، وأوراقُها مَبسوطةٌ أمامَها، تَستقبلُ احتراقاتِ الذّات..

أي؛ (أنّ الشاعرَ يُسَخّرُ كلّ ما يملكُ مِن طاقاتٍ فنّيّةٍ، في سبيلِ خلقِ الصورةِ، ونقلِها إلينا بكاملِ صِفاتِها وخصائصِها، وبما يَتلاءمُ وواقع تجربتِهِ في القصيدة، فهو “يُصوّرُ الأشياءَ كما يراها، يلتقط ظلالَها الهاربة، وأشكالَها المُتغيّرة، لكي يَجعلَنا نحسُّ بها، كما يُحسُّ هو بها”، بثباتِها، وحركتِها، وفعاليّاتِها المُتنوّعةِ والمُتعدّدةِ، وهي تخضعُ لطبيعةِ التجربة، وكيفيّةِ حضورِها الشعريّ في القصيدة.)! وهنا لا بدّ مِنَ الالتفاتِ إلى مسألةِ الإدراك، (فوظيفةُ الإدراكِ والفهمِ هي التّمييزُ بينَ محتوياتِ الوعي وتصنيفِها، وبينَ اللّذات الّتي تُصاحبُ عمليّاتِ التّمييزِ والتّصنيفِ، هذه هي الّتي يتكوّنُ منها جَمالُ العالم المَحسوس)! فقولُها: (نَوَافِيرُ فَرَارِكِ فَجَّرَتْ ضَوْئِيَ اللَّيْلَكِيّ)، عالمٌ لا مَحسوسٌ، يُقابلُهُ قولُها: (يَجْلِبُ لِي مِنْ كُلِّ فَجٍّ الْمَطَرَ/ يَجْعَلُنِي أَذْرِفُ كُلَّ عَنَادِلَ لِبْلاَبِي)، عالمٌ محسوسٌ بحضورِ مادّيتِهِ المَلموسةِ عبْرَ الجسدِ، وكلا القوليْنِ تَعاملتْ معهما بطريقةٍ مُغايرة، أفضتْ إلى انقلابِ الصّورة.. أي عمدَتْ إلى تحريكِ الصورة.

(وغالبًا ما يتّكئُ الشاعرُ على “الفعل”، في تحريكِ مُفرداتِ الصورةِ وتَشعيرِها، بوصفِهِ الأدلّةَ الأولى الفعّالةَ في تحريك مُفرداتِ الصورةِ الشعريّة، إذ يُشكّلُ “الوجه الظاهر لحركةِ الصورة، ومِن ثمّ افتقار الصورة إلى الفعل، يَسلبُها دون شكٍّ تلكَ الطاقة على الحركة، ويُكسبُها نوعًا مِن السكون”، لتستقرَّ في القصيدة، على أنّها صورةٌ ثابتةٌ تنعدمُ فيها قابلةُ الحركةِ والتفاعل) ص98 الأداة الشعريّة. فالأفعال: هُزّي، سَرِّحيها، وغيرها من أفعال الحركة، جعلتْ مِن الصورة ذاتَ شِعريّةٍ مُنفعِلةٍ نحوَ التأسيس، بتبلوُرِ رؤيةِ وموقفِ تجاه الحياة..

وأبقى هنا أردّدُ ما قالَهُ المُبدعُ الكبيرُ أدونيس: (التغيرُ لا الثباتُ، الاحتمالُ لا الحتميّةـ ذلك ما يسودُ عصرَنا، والشاعرُ الّذي يُعبّرُ تعبيرًا حقيقيًّا عن هذا العصر، هو شاعرُ الانقطاع عمّا هو سائدٌ ومقبولٌ ومُعمّم، هو شاعرُ المفاجأةِ والرفض، الشاعرُ الذي يَهدمُ كلّ حدّ، بل الذي يُلغي معنى الحدّ، بحيث لا يبقى أمامه غير حركةِ الإبداع، وتفجُّرِها في جميع الاتّجاهات. هكذا تتّجهُ القصيدةَ العربيّة، لكي تصبحَ ما أسمّيه “القصيدة الكلّيّة”ـ القصيدة التي تُبطلُ أن تكونَ لحظةً انفعاليّة، لكي تصبحَ لحظةً كونيّة، تتداخلُ فيها مختلفُ الأنواع التعبيريّة).

من هنا، أجدُ هذا الزخم الانفعاليّ العقليّ الذي تمتاز به الشاعرة آمال عوّاد رضوان، أعطاها القدرةَ الواضحةَ والواثقةَ في صنع مُغايراتٍ شعريّةٍ، بثّت إشاراتٍ إلى تكوين رؤيةٍ وموقفٍ، امتدّا عبرَ تجربتِها الشّعريّةِ الكبيرة .. مصادر البحث : كتاب (تمظهرات القصيدة الجديدة)، أ.د.محمد صابر عبيد عالم الكتب الحديثة. إربدـ الأردن الطبعة الأولى 2013 م ص138. كتاب (عضوية الأداة الشعرية) أ.د.محمد صابر عبيد، سلسلة كتاب جريدة الصباح الثقافي، رقم 14، 2008م، ص98.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة